البحث عن D.N.A الثقافة!

الثقافة التصقت كمفهوم وتعريف بجملة من المعارف التي يحرزها الإنسان منذ القدم وحتى عصرنا الحاضر.. ومع تقدم الإنسان تطورت مصطلحاتها وتعريفاتها، لكن بقي جوهرها وحقيقتها دون تغير. والمثقف إنسان يملك المعرفه من خلال اطلاعه على كثير من موارد العلوم، وهو متابع دائم ومستمر لمختلف الآراء ووجهات النظر في المجتمعات، هذا فضلا عن قراءاته ودراساته وبحثه المستمر عن المعلومة. كما إنه ـ أي المثقف ـ يأخذ على عاتقه نشر القيم الإنسانيه الجميلة، فهو يدعو للتسامح والعدالة والحق وتكافؤ الفرص. والمثقف صدى للإنتاج الإنساني على اختلاف أنواعه وأشكاله. فهو في كل مناسبة يردد هذه القيم ويسعده نشرها والتبشير بها..

إذا لم يكن المثقف الغزير العلم يرتكز إلى قاعدة من المبادئ والقيم، ويمتلك نظرة واضحة ملؤها المساواة والعدالة للجميع.. فما هي إذن الثقافة؟! وإذا لم تكن الثقافة محورا للخير والوئام والسلام، فهل يعقل إنها حالة يمكن أن يتلبسها الشر وظلم الآخرين؟!.

عناصر الثقافة البدائية

إذا كنا سننظر للثقافة ونحدد نوعها، فهي كما يراها الكثيرون تحسب على القيم الإنسانية النبيلة ـ وقد يكون هناك من له وجهة نظر مغايرة ـ ولكن عندما تحسب الثقافة على القيم النبيلة فإن ذلك ينطلق من إرث كبير سواء عند ممارستها او حتى عند تعريفها من بعض العلماء، حيث استعلمت هذه المفردة “الثقافة” في كثير من المجالات سواء الأروقة العلمية أو في المنتديات أو حتى في الأسواق أو التجمعات البشرية للدلالة على التميز الفكري والرقي الأخلاقي للفرد. وأهمية الثقافة إنها ليست جامعة للأفكار وحسب، ولكنها إطار وسياج اذا صح التعبير ترسم وتحدد مسيرة الإنسان القويم نحو حياة متميزة بالمثل والقيم.

في كتابه الذي حمل عنوان “الثقافة البدائية” قال الدكتور ادوارد تايلور: “إن الثقافة ذلك الكل الديناميكي المعقد الذي يشتمل على المعارف والفنون والمعتقدات والقوانين واأخلاق والتقاليد والفلسفة والأديان والعادات التي اكتسبها الإنسان من مجتمعه بوصفة عضوا فيه”. وهذا التعريف يكتسب القبول الواسع بين العلماء لشمولتيه. زد على ذلك بأن هناك من يوسّع قاعدة الثقافة لكي تشمل جملة من القيم، سواء كانت قيم خير أو شر، فالثقافة ليست جسدا أو عقلا وروح، إنها مجموعة من التصرفات والمعارف البشرية، رغم القناعة التامة بأن المثقف لا يمكن أن يكون شريرا بطبعه أو مساهما في إيقاع الظلم بالمجتمع وبالناس. فالمثقف هو الإنسان الذي أخذ على عاتقه رسالة القلم وروحه المحملة بالتسامح.. إلا ان السلوك الإنساني المشوه والمنحرف قد يلعب دوره ويكون له أثره البالغ في ان يكون هذا المثقف او ذاك منحرفا فكريا عدواً لمجتمعه وأمته، المعضله تبدو أكبر وأعظم عندما يطرح المثقف آراء ووجهات نظر ويدافع عنها بإستماتة وكأنها كتاب منزل من السماء، وهو لا يملك تجاه تلك الآراء أي دليل ملموس على صحتها. المشكلة عندما يرفض حتى تصنيف أفكاره كنظرية تقبل الصح او الخطأ، وبالتالي يدعو لنشرها بإستماتة فيخون العقول التي راهنت على قوة حجته.

عن هذا الجانب المتعلق بالمثقف الذي يؤيد قضايا ومواضيع ويتحمس لها ويبشر بها ثم بعد فترة يظهر انه كان على خطأ جسيم، يبرز مثال لقضية شغلت بها الأوساط العلمية والثقافية لعقود من الزمن، وهي ارتباط الانسان بالطبيعة ارتباطاً حميما، حيث كان بعض من كبار المثقفين بل وعلماء الفلسفة يؤكدون ان الإنسان كان سعيدا في الحالة الطبيعية، وانه كلما ابتعد عنها فقد السعادة ـ يقصدون بالحالة الطبيعية إنسان ما قبل الحضارة ـ وغني عن القول ان هذه الآراء بدت غير دقيقه.

في كتاب “دفاتر فلسفية/ الطبيعة والثقافة” من إعداد محمد سبيلا وعبدالسلام بنعبد العالي، وعن الموسوعة الشاملة جاء في هذا السياق: “أفلاطون يذكر هذا العصر الأول على إنه العصر الطبيعي الذي كان يسوده سلام مطلق بين الناس. وقد أعاد الفيلسوف سينيكا تناول هذه الفكره التي حظيت فيما بعد ـ في القرن 16ـ باستقبال ظافر، حيث يصف جون لوك الحالة الطبيعية المثالية بأنها تتسم بالسلام والإرادة والتعاون والحمايه المتبادلة. وقد قام روسو وديدرو بالدفاع عن هذا المذهب ودعيا إلى العودة إلى الطبيعة. أما الاتجاه الثاني المعاكس فقد حاول تخريب هذه الصورة المثالية.

وقد لعب الفيلسوف هويز دورا رائدا في هذا الباب حيث وصف ـ بألوان داكنة ـ عالم إنسان الطبيعة على انه عالم حرب دائمة لكل الأفراد ضد كل الأفراد. حيث لا توجد في ذلك العصر صناعة ولا نقل ولا زراعة ولا معمار ولا فنون ولا آداب، وحياة الناس كانت منعزلة فقيرة شريرة عنيفة وقصيرة، والحرب تسود من قبيلة إلى قبيلة وتجري بالشراسة التي تميز الشر عن الحيوانات الأخرى، ولا تهدأ إلا وفق المصلحة، وفي نهاية القرن التاسع عشر مكن التراكم الهائل للعديد من الوثائق الانتولوجية كارل بوشر، من أن يخلص آخر المثاليين من أسطورة المتوحشين الطيبين، وأن يؤكد كم هؤلاء انانيون وقساة تجاه صحبهم وشرسون وذوو إستعداد للسرقة وكسلاء وغير مهتمين بالمستقبل، كما أشار الى شراستهم التي تتجلى بالتحديد في قتل الاطفال واستئصال الشيوخ وكل من هم خالون من النفع بالنسبة للقبيلة. وقد صدمت مثل هذه المعلومات القراء في تلك الفتره”.

مفهومان وعصر واحد

بهذا المثال نجد أن هناك فريقان على درجة عالية من الوعي في تحديد مفهوم الثقافة: الأول يعطي العصر الحجري فضيلة ويصوره بأنه عصر سعيد للإنسان الأول، والسبب إن الإنسان التصق بالطبيعة وكان يحترمها فتحترمه، ولذلك عاش ذلك الانسان في حرية متحررا من القيود خاليا من الأمراض التي تداهمه في هذا العصر. اما الفريق الثاني فهو الذي قاد التصحيح لهذه النظرة وسلط الضوء على تلك العصور السحيقة، والتي كان فيها الإنسان كالحيوان، حيث يقتل دون رقيب أو حسيب أو يستعبد من منطلق القوة المطلقة.. العصر الذي كان فيه الانسان في صراع مع الحيوان فمرة ينتصر ومرة يكون ضحية، فتأكله السباع الضارية.. ذلك العصر الذي كان اهتمام الإنسان محصورا فيه بالبحث عن الطعام والمأوى والعيش يوما آخر قبل أن يلتهمه حيوان ضاري، أو يتعرض للسعة من زاحف شرس.. ذلك العصر الذي أنعدمت فيه مبادئ العدالة والقانون والفنون والموسيقى والتأليف سوى من نقوش متفرقة في الكهوف أو على العظام.. ذلك العصر الذي ودعته الإنسانية إلى الحضارة والمخترعات والتفوق ـ رغم أن الإنسان انحرف في بعض مسيرته فأخترع السلاح الفتاك وظهرت أمراض عديدة ـ لكنه أقام المحاكم ووضع القوانين والدساتير وبث العلوم وجعلها مشاعة وأقام صروح الجامعات والمختبرات والمعامل..

واليوم وفي هذا العصر نسمع بعض الأصوات الثقافية التي تعود لكي تجتر تلك الآراء المطالبة بعودة الإنسان إلى الطبيعة وفهمها والتصالح معها، إذا كان يريد السلام مع نفسه ومحيطه. مثقفون، يريدون من البشرية أن تعود إلى الوراء آلاف السنين، إلى نبعها الأول لكي تبحث عن D.N.A معارفها وسلامها واتزانها. مثقفون يعيدون الحديث عن قضية أقفلت من أواساط القرن التاسع عشر فسارت البشرية وتقدمت وتركت وأهملت هذا الموضوع وأسقطته من ذاكرتها، خاصة مع تواصل الكشوف العلمية وإزدياد العلماء معرفة بتاريخ الإنسان الأول، وتطور أساليب الكشف والمخترعات التي ساعدت في تحليل الكثير من الكشوف الأثرية والحفريات مثل التطورات الهائلة التي شهدتها تقنية الحمض النووي D.N.A.

وسط هذه المسيرة الحضارية يعود صوت من هنا أو صوت من هناك للحديث عن اشتياق الإنسان للعودة للعصور المظلمة البعيدة عن الحضارة وتوهجها وصخبها، والمؤلم إنها أقلام ثقافية تنويرية، فهل شحت المواضيع التي يمكن ان نبشر بها مجتمعاتنا؟

اعتقد ان الثقافة سلوك أولا وليست هبة او منحة تعطى لفلان من الناس وتقصي منها الآخر، الثقافة رسالة وفكر، تتلمس حاجة المجتمعات وليس كما يمارسها البعض وكأنها فرصة للأضواء والفلاشات وإثارة الرأي العام بقضايا ومواضيع لا فائدة منها للناس سواء صحت او كانت خاطئة.. الناس تحتاج ان تسمع قصصا عن الإيثار والمحبة والعطاء، لتغذي نهارها القاسي وتأمن على مستقبلها ومستقبل أبنائها، وهذا لن يحدث إلا إذا أخذنا على عاتقنا المعرفة وتنميتها ونشرها بين الناس جميع الناس دون استثناء. المعرفة التي تفيد وتعطي أملا وتكون وقودا للعمل والانجاز والابتكار ومزيد من التقدم الحضاري.

 

إضافة تعليق

10 + 2 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.