النرجسيون

يقال تعرف الأشياء بأضدادها، فإذا أردت أن تعرف مصطلحاً ما بدقة فانظر إلى نظيره، النرجسيون Narcissism هم الأشخاص الذين يكونون في الطرف المناقض تماماً للمكتئبين، فجميع صفات المكتئب المفرطة موجودة لدى النرجسي لكنها في طرفها الفارط، فإن كان المكتئب لديه شعور دائم بالضيق والتعاسة، فالنرجسي لديه شعور دائم بالزهو والكبرياء، وإن كان المكتئب محطم أناه فإن أنانية النرجسي متورمة لحد النخاع، وإن كان طبع المكتئب إهانة نفسه وإذلالها فإن طبع النرجسي هو افتخاره وتبجحه بها، وإن كان المكتئب يمتدح كل أحد إلا نفسه ويعجب بكل أحد إلا نفسه، فالنرجسي لا يمتدح إلا نفسه ولا يعجب إلا بنفسه، وإن كان الذل والهوان مشاعر تلازم المكتئب، فشعور الكبر والتعاظم شعور لا يفارق النرجسي، وإن كان المكتئب يوغل في كرهه لنفسه فإن النرجسي لا يحب نفسه فقط بل يعشقها، وإن كانت كراهية المكتئب لنفسه قد تصل لحد أن يبصق على صورته في المرآة، فإن حب النرجسي لنفسه قد تصل لحد يعشق المرايا ويزهو برؤية نفسه فيها، وإن كان المكتئب دائم اللوم والتوبيخ لنفسه فإن النرجسي لا يقبل أدنى درجات النقد أن توجه إليه، ناهيك عن أن يلوم نفسه أو يوبخها.
فما يمتاز به النرجسي من مبالغة في مستوى محبته لنفسه لدرجة أن تصل لمستوى العشق، وما يمتاز به من حكر ينابيع الحب والعطف الفخر والمديح فقط لنفسه، كلها مظاهر سلوكية تؤكد أن النرجسي لا يرى في العالم إلا نفسه فهو أجمل العالمين وأعظمهم وأقدسهم. وقد تعجب أن تعلم أن النرجسي قد يصل عمره الثلاثون ولديه مشاعر الغيرة تجاه طفل يدلل حوله، وقد تعجب أن تعلم أن النرجسية قد تبلغ من العمر الأربعون وهمها الأول والأخير تلميع نفسها للحصول على أكبر قدر من عبارات المديح والثناء.
سؤال يطرح نفسه، وهو كيف تكونت شخصية النرجسي على هذا النحو، وما الخصائص الناقصة التي يفترق فيها النرجسي عن الشخص السوي. ولفهم أوضح، لك أن تقارن وضع النرجسي بوضع المكتئب.
إن الظروف التي كونت الشخصية النرجسية هي معاكسة تماماً لما عليه حال الشخصية المكتئبة، فإن كانت شخصية المكتئب رسمتها مواقف مذلة ومهينة، فإن حياة النرجسي لم تعترضها مواقف ضاغطة على الإطلاق، بل اتسمت طفولة النرجسي وفترة مراهقته بحياة ملؤها الدلال المفرط، لدرجة أنه لم يُكلف بأي مسؤولية أو عمل، فهو محمي ومدلل من قبل أمه ومدلل من قبل أبيه ومدلل من قبل إخوته وأخواته، ويندر أن يتعرض لموقف فيه عقاب أو مجازاة.
والوضع المدلل بهذه الصيغة رغم جماله إلا أنه يعيق الطفل من أن يلعب دور الرحيم للآخر والمحب للآخر، ويعيقه أيضاً من أن يكتسب حس الشعور بالمسؤولية، وعندما ينشأ الطفل باعتباره أنه هو الوجهة الوحيدة التي يوجه إليها موضوع الحب، فإنه يعتاد بعدما يكبر أن يمارس نفس التكوين فلا يستطيع أن يهب للآخرين العطف والمحبة، ففاقد الشيء لا يعطيه، وفاقد الرحمة لا يمكن أن يرحم، إضافة لذلك فلا يستطيع أن يستشعر مسؤوليته تجاه الآخر، فلا يلقي أي احترام لأحد ولا يثمن وزناً لأحد، فقد اعتاد أن يبتلع الحب والحنان والاحترام من الآخرين ويتعذر عليه أن يكون هو الواهب الحنّان. ببساطه النرجسي شخص يأخذ الحب ولا يهبه، ويأخذ الدلال ولا يهبه، ويأخذ الحنان ولا يهبه، والحقيقة أنه لا يهب الحب لمكابرة مقصودة منه، وإنما لأنه لم يعتد أن يهب الحنان لأحد فترة طفولته ومراهقته، وبها افتقد للبذرة الأولى التي تنمو عليها مشاعر رحمة ومحبة الآخر، وأجهض على تكوين تلك مشاعر العطاء بسبب تربية الدلال المفرط، فأصبح حب اللهو متضخم في تركيبه النفسي على حساب عقل المتوازن.
وبصورة أكثر تفصيلاً، فالطفل في تكوينه الطبيعي يخرج للدنيا يحركه البحث عن رغباته الفطرية باعتبار أن مركز همه هو البحث وراء لذائذه، وكما يسميها النفسانيون مرحلة التمركز حول الذات Egocentrism بعدها يتعرض لمواقف تتعارض مع تلبيه جميع لذائذه ولكي يوازن نفسه فإن يتعلم أن تلبية جميع نداءات اللذة يستحيل ويتعلم أنه لو سار خلفها على الدوام لرفضه من حوله، ولذا ينمو أناه ويتطور تعقله الذي يسهل عليه الموازنة بين حبه لذاته ومجاملة الآخرين وأنظمة المجتمع.
وعلى هذا الأساس، فإن النرجسي يستمر على وضع اللهو وعبودية اللذائذ لأن مجتمعه الأسري سايره في تحقيق لذائذه فلم يكبحها أو يعدل منها شيئاً، ولذا استمر النرجسي على عشقه للذائذه دون أن يصطدم بمعيق، وتضخم عقله الطفولي على حساب عقله الراشد. وفي مقابل النرجسي تجد المكتئب، الذي كانت فترة طفولته عصيبة بشكل عنيف واجه فيها أصنافاً من عقوبات مذلة، حطمت فيه دوافع اللذة ودمرت فيه شعور المتعة، فأصبح بعد تعنيفه يكره أي موضوع يمس موضوع اللذة وحب النفس، ومن هنا تحّولت أولوياته القائمة على إمتاع ذاته إلى أولويات تفوق عمره ومستوى بنائه النفسي وأصبح سلوكه متمركزاً حول توجيهات الآخرين واستنقاصه لمشاعر نفسه ورغباته الفطرية، وهكذا أُجهض على الطفل أناه وأصبح عبداً مستعبداً لرأي كل أحد إلا رأي مطالبه ورغباته. وما يجمع الشتيتان، النرجسي والمكتئب هو فقدهما لعنصر الأنا المتعقل، فالمكتئب مجهض على أناه بسبب طغيان شعور الذنب والنقص، والنرجسي مجهض على أناه بسبب طغيان شعور اللذة والمتعة.
وما دام أن النرجسي لا يفهم إلا لذائذه فمن الطبيعي أن يواجه فشلاً ذريعاً في حياته الاجتماعية، وعادة ما يكون هو الطرف المرفوض في مجتمع الصداقات، فصداقاته مع الآخرين نفعية ولذا لا تدوم كثيراً، ومع ذلك فإن النرجسي لا يأبه بفقد صديق ولا يعيد مراجعة أخطائه مع الآخرين، بل يستحيل عليه أن يلوم نفسه أو ينتقدها أو على الأقل يعترف بخطئه، ففي أي مشكلة تحدث حوله فإنه دائماً ما يوجه أصابع اللوم تجاه الآخرين دون أن يفكر في نقد نفسه.
وفشل النرجسي اجتماعياً صورة طبق الأصل لفشله زواجياً وأسرياً، فزوجة النرجسي تعيش وضعاً صعباً ومأساة خانقة، فزوجها النرجسي يريد منها أن تعامله كما تعامله أمه بنفس الدلال ونفس الاهتمام، ويريدها أن تقوم لوحدها بكامل مسؤوليات المنزل وخارجه دون أن يبادلها أبسط مشاعر الشكر والثناء ناهيك عن مشاعر الحب والحنان، وأكثر من ذلك تجده أنانياً حتى في مسألة المعاشرة الجنسية، فالنرجسي يهمه أخذ حصته من اللذة دون أن يعبأ بحاجة زوجته، ولا يتوقف الحد عند هذا بل يقابل إحسان زوجته بالإساءة، فسلوك الإهانة والعدوان للزوجة طبع من طباعه، ومهما أسرفت في إخلاصها لزوجها أسرف هو في أذيتها دون أن يبدي لها أي شعور بالأسف أو الندم.
كذلك سلوك الزوجة النرجسية هي الأخرى تتنصل في مسؤوليات بيتها وأطفالها وزوجها عبر أساليب دفاعية ماكرة، فتحسن خداع الآخرين بالتظاهر بالمرض لكسب مزيد من الحنية، وتحسن رمي التبعية ومسؤولياتها على الإطراف الآخرين دون إبداء أي مشاعر ندم أو لوم لذاتها، تجد أنه في بيتها يمرض من يمرض ويشقى من يشقى ولكن همها الأول والأخير هو تلميع نفسها لأجل أن تكون هي محط أنظار الجميع. العجيب الأعجب أنها رغم كونها مسبباً كبيراً في تعاسة أفراد أسرتها واكتئابهم إلا إنها لا تكتئب ولا تلوم نفسها أو حتى تراجع أخطاءها بل إنها مع ذلك لا تتحمل أبسط كلمات النقد أو الملامة.
ولذا يقال إن فكرة الزواج من طرف نرجسي محكوم عليه بالفشل قبل أن يتم، لأن تكوين الأسرة قائم على حس المسؤولية عند الطرفين، الزوج والزوجة، وحيث إن هذا الحس مفقود لدى أحدهم، فإن البيت بعد الزواج ملغم بالخصام والشجار الذي لا ينتهي إلا بالطلاق في غالب الأحوال. ولا تسأل عن وضع أطفالهم وكيف يعانون، فهؤلاء الأطفال هم بالفعل ضحايا والديهم، فلك أن تتصور كيف يتربى طفل تحت ظل أم لا تحب إلا نفسها ولا همها إلا تلميع نفسها دون أن تكترث بأي مشكلة تقع عليه.

إضافة تعليق