التناص والتلاص

ظهرت قصص كثيرة عن السرقات الأدبية ارتكبها أدباء كبار، مثل يوسف السباعي، حيث لم تكن السرقات محصورة على صغار الكتاب فقط، بل طالت كبار الأدباء. وهناك حكاية تقال عن الناقد أنور المعداوي الذي كتب مقالاً نقدياً، اتهم فيه السباعي الصغير بسرقة مخطوطة أبيه محمد السباعي (السقا مات) ونشرها باسمه هو، مؤكداً أن والد يوسف السباعي كان قد أطلعه على هذه المخطوطة، وقد استاء يوسف السباعي كثيراً من المعداوي، وبعد أن أصبح وزيراً للثقافة في عهد الرئيس أنور السادات، نقل المعداوي الذي كان يعمل موظفاً حكومياً، من القاهرة إلى أسوان (أقصى صعيد مصر)، حيث مات مقهوراً.
إذاً السرقات الأدبية.. موضوع مثير للجدل، وحباله طويلة. وعنها قال لنا الشاعر شعبان يوسف الذي لاحظ اندهاشي من ارتكاب أديب كبير مثل هذه الحماقات: «السرقات الأدبية ليس لها كبير»، والقائمة تضم أدباء كانوا ملء السمع والبصر.
شعبان يوسف، المعروف عنه نبشه المستمر في الكتب والمجلات القديمة، حتى أصبحنا نطلق عليه الكاتب صاحب موسوعة (سور الأزبكية)، نسبة إلى السور الذي يبيع الكتب القديمة في مصر، وهو كنز لكل من أراد أن يتعرف على الثقافة المصرية والعربية، منذ البدايات الأولى للكتابة وحتى الآن. يوسف أكد أن السرقات الأدبية متكررة منذ قديم الأزل.
وبدأ يوسف حكايات السرقات الأدبية بـ(إبراهيم المازني) الكاتب الكبير، وقال إنه كان له سرقات متعددة في الشعر، كشفها صديقه عبد الرحمن شكري، وكتب عنها في سنة 1917، وقارن قصائده بالقصائد المسروق منها، فانتقم منه المازني شر انتقام، في سلسلة مقالات، قبل أن يعترف بتأنيب ضميره بعدها بسنوات. وقال إنه لم ينكر السرقات، وبرر هذا بطريقة غريبة، أو كما نقول خلط الباطل بالعاطل، وقال :«أنا بترجم فتلبستني الحالة فاعتقدت أن ما أترجمه كتابتي الخاصة».
والدليل على السرقات أن رواية إبراهيم الكاتب فيها خمس صفحات منقولة نصاً من رواية مترجمة اسمها (ابن الطبيعة)، لكاتب روسي، بالإضافة إلى رواية أخرى كاملة اسمها، (غريزة امرأة) نقلها بالكامل من رواية (الشاردة) لكاتب إنجليزي، قبل أن يقول بعدها بسنوات إنها ممصّرة فقط.
شعبان أكد أن الأديب الكبير توفيق الحكيم أيضاً ارتكب هذه السرقات، وهو الذي عرف عنه لفترة طويلة فكرة تأثره بالخارج، خاصة في مسرحيته (نهر الجنون)، وهي مأخوذة من قصة لجبران خليل جبران، اسمها (الملك الحكيم)، وأثير بعدها كلام عن (حمار الحكيم)، و(عصا الحكيم). أما توفيق الحكيم فكان دوماً يقول: «لا ملكية للأفكار، ولكن الملكية للنصوص».
وهناك قصة أخرى، تدخل في باب الدراما، حكاها الراحل الدكتور كمال نشأت. تحكي أنه كتب مجموعة قصائد وأعطاها للشاعر إبراهيم ناجي لقراءتها، ونسي ناجي تقديمها، وبعد وفاته جمع البعض تلك القصائد داخل ديوان (ناجي). وأثار نشأت أزمة بسبب هذا الديوان، على إثرها شُكلت لجنة ضمت، صالح جودت، وأحمد رامي، واتهم في بداية الأمر إبراهيم ناجي ظلماً، بحسب تعبير شعبان نفسه، بعد أن رفع نشأت قضية وطلب خمسة آلاف جنيه كتعويض.
أما أحدث السرقات الأدبية، فهي تخص الكاتب الكبير صنع الله إبراهيم، حيث اتهمته د.ليلى عنان بسرقة أبحاثها التي ضمها إبراهيم في روايته الأحدث (القانون الفرنسي)، وتطلب ليلى تعويضاً قدره عشرة ملايين جنيه مصري.
هذا عن السرقات الأدبية التي ارتكبها كتّاب كبار، فما بالنا بالكتّاب الصغار الذين لا يتحرجون من السرقة أو الاقتباس؟.
منذ شهور صدر كتاب بعنوان (مذكرات بديع خيري) للشاعر إبراهيم حلمي، بمناسبة مرور ثلاثين عاماً على ذكرى رحيل بديع خيري، دون التحقق من مصدر هذه المذكرات، ونشرها بدون مقدمة تشير إلى مجهود الآخرين، حيث أكد شعبان يوسف أن الكاتب الصحفي الكبير محمد رفعت كان قد نشر مذكرات بديع خيري في (مجلة الكواكب) عام 1963، بداية من العدد 622 وحتى 638، بموافقة من بديع خيري الذي أكد أن علاقة الصداقة القوية التي تجمع بينه وبين محمد رفعت هي السبب الوحيد في موافقته على نشر المذكرات. وأكد يوسف أن ما قام به حلمي هو سرقة تدل على أن هناك خللاً في الثقافة المصرية.
وتعليقاً على ذلك، أكد الدكتور حامد أبو أحمد الناقد وأستاذ الأدب الإسباني بجامعة الأزهر أن الأديب الكبير لا يسرق. ولكن من يسرق هو من أنصاف الأدباء. وأوضح أبو أحمد أن ما يقال حول سرقة توفيق الحكيم لحكايات الحمار، كلام لا دليل عليه، مشيراً إلى كتابه (قراءات في أدب إسبانيا وأمريكا اللاتينية)، الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، والذي قارن فيه بين حمار الحكيم وحمار الأديب العالمي (خوان رامون خيمينيز)، ووصل فيه إلى نتيجة أن الحكيم لم يسرق شيئاً إلا إذا اعتبرنا أن مسمى (الحمار) نفسه مسروقاً.
واستبعد أبو أحمد ما يقال أيضاً عن سرقات أدبية ارتكبها أدباء يكتبون بالإسبانية، قائلاً: «إن الحديث عن وجود اعتداء على التراث العربي من خورجي لويس بورخيس، وباولو كويلهو، في روايته ذات الشهرة الواسعة (الخيميائي)، محض هراء وافتراء على كويلهو». وقال إن الحكيم له مقولة شهيرة أن «الليث ما هو إلا مجموعة من الخراف المهضومة»، وهو ما ينطلق على الإبداع الروائي أيضاً، فالكاتب العبقري يقرأ إبداع الآخرين، فيستلهمه، كما كان بورخيس نفسه يقول: «إن كتاب الأغاني للأصفهاني كنز من كنور الإبداع العالمي»، والروائي الكبير يستلهم لا يسرق، ونظرية المحاكاة لأرسطو، بحسب تعبير أبو أحمد، تعني استلهام الطبيعة، وبالتالي فالاستلهام في الأدب مسألة مهمة وبديعة جداً.. الاستلهام موجود في الأدب ولا يمكن أن نطلق عليه مصطلح السرقة، فالسرقة -من وجهة نظر أبو أحمد- لها معالمها المحددة في الأدب، وقد يكون كويلهو استلهم قصة (التنوخي). ولكن هذا لا يعني أنه، أو غيره من الذين استلهموا التراث العربي، وبخاصة (ألف ليلة وليلة)، سرقوا من تراثنا، فالاستلهام شيء والسرقة أو السطو على التراث شيء آخر.
حقوق الملكية الفكرية
تقول موسوعة ويكيبيديا الإلكترونية: «السرقة الفكرية أو الأدبية هي ادعاء شخص صراحة أو ضمنياً بكتابة ما كتبه آخر أو النقل مما كتبه آخرون كلياً أو جزئياً بدون عزو أو اعتراف مناسب؛ أي باختصار العزو المزور أو إعطاء الانطباع بأنك كتبت ما كتبه غيرك».
ورداً على سؤال: هل هناك حقوق ملكية فكرية ضد لصوص الكلمة؟ أجاب المستشار القانوني حسام لطفي أنه يوجد جزاء جنائي ومدني. الجنائي حبس وغرامة ومصادرة ونشر الحكم بالإدانة، والمدني عن طريق تعويض مدني جابر للأضرار. وأشار لطفي، وهو مستشار اتحاد الناشرين المصريين إلى أنه لابد للكيانات المهنية مثل اتحاد الناشرين المصريين والعرب واتحاد الكتاب أن تدافع عن حقوق المؤلفين؛ ضد القرصنة والسرقة والتزوير؛ لأن المؤلف الفرد لا يستطيع أن يدافع عن نفسه ويجب عليها أن تدافع عن حقوق المؤلف، ولكن المشكلة أنها ليست بالقوة لتدافع عن هذه الحقوق ولابد لها أن تكون أكثر فاعلية وقوة.
ويذكر أن المؤسسة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو) نظمت ندوة بمركز الإسكندرية للإبداع نوه المشاركون فيها إلى أن قدماء المصريين كانوا أول المهتمين بحماية حقوق الملكية الفكرية، قائلين إن دعوة المجتمع الدولي لحماية تلك الحقوق تعتبر (حديثة العهد)، موضحين أن البرديات وجدران المعابد تقدم الأدلة التاريخية لاهتمام المصري القديم بمهنة الكتابة وتقديم النصائح لأبنائه بمزاولتها، منوهين إلى أن العلم والمعرفة كانت تأتي في مقدمة أولويات المصري القديم الذي وضع أسس علوم الفلك والحساب والكيمياء.
ولكن ما أهمية حماية الملكية الفكرية سواء للمؤلف أو للناشر؟ سؤال بديهي، ولكنه ملح، خصوصاً في الآونة الأخيرة التي انتشرت فيها القرصنة فضلاً عن عمليات تزوير بعض الأعمال المترجمة إلى العربية. الإجابة البسيطة تقول إن المؤلف يحتاج إلى دعم مادي وحمايته فضلاً عن الدعم المعنوي حتى يستطيع إنجاز مشروعه الفكري والإبداعي، وإلا سيضطر إلى البحث عن عمل آخر إذا لم يأخذ حقه الذي يتقاضاه مقابل جهده الفكري، لذلك فحماية الملكية الفكرية تحافظ على حقوق المؤلف، وعدم إهدارها معنوياً ومادياً، أي تحقيق مبدأ المال والقيمة والحفاظ عليهما مقابل العمل والجهد.
أما الإجابة الأعمق، فتؤكد أن حماية حقوق المؤلف تجعل الكاتب مستقلاً حراً غير مضطر للاعتماد على أي جهات سواء حكومية أو خاصة تتدخل في عمله الفكري، أي أن حماية الملكية الفكرية تعطيه الاستقلال، وتحميه من التدخل الذي يكون في النهاية قاتلاً لاستقلاله، ومن ثم حريته الفكرية. كما أن عدم الحفاظ على الملكية الفكرية يجعل المؤلفين يرتمون في حضن السلطة والسلطان.
ميوعة التشريعات وراء السرقات
معروف أنه منذ اتفاقية برن عام 1886 والعالم كله يطالب بحماية حقوق الملكية الفكرية ضد السرقات الأدبية والقرصنة، لكن يبدو أن تلك الحقوق ستظل مهدرة، خاصة في العالم العربي، طالما لم يؤمن الناس بها، فضلاً عن (ميوعة) التشريعات، وعدم إصدار قوانين صارمة تحميها، بالطبع هناك جهد مبذول لحماية حقوق الملكية الفكرية، ولكنه غير كاف، بحسب تعبير المستشار حسام لطفي.
ولكن قبل الدخول لتلك الحالات نقول إن «الجهل بحقوق المؤلف، أو التجاهل الكثيف لهذه الحقوق ما زال هو السائد».. وهي عبارة ذُكرت في أحد التقارير المعنية بالتنمية الثقافية. وأشار ذلك التقرير إلى أن هناك اتفاقية عربية وضعت لحماية حقوق المؤلف، وقعت عليها معظم الدول، وصادقت عليها في مؤتمر المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو)، مؤكداً أن الأمور لا تسير في مجال تطبيق الاتفاقية العربية لحماية حقوق المؤلف سيراً مرضياً، فقد شُكلت لجان قطرية للمتابعة. ويستكمل التقرير أنه لا يوجد أطر بشرية كافية يمكن الاطمئنان إلى فعالياتها في مجال حقوق المؤلف والملكية الفكرية والقوانين والاتفاقيات العربية والدولية في هذا المجال. ولا يوجد اهتمام فعلي في معظم الأقطار العربية بتكوين تلك الأطر وتدريبها على متابعة قضايا الملكية الفكرية.
مقرر لجنة حقوق الملكية الفكرية في اتحاد الناشرين المصريين، قال إنه «لا يوجد وعي ثقافي بأهمية الحفاظ على الملكية الفكرية»، والرأي نفسه أكده الدكتور محمد عبداللطيف رئيس اتحاد الناشرين العرب، مؤكداً أن عدم وجود وعي ثقافي لأهمية الملكية الفكرية جعل بعض دور النشر تفرط في مطالبة حقها.
في حين رأى المستشار لطفي أن القانون 82 لسنة 2002 هو الذي ينظم حقوق الملكية الفكرية في مصر، وهو رادع لمن ينتهك هذه الحقوق سواء بالحبس أو الغرامة فضلاً عن نشر الحكم بالإدانة، موضحاً أن دار الشروق المصرية استندت إلى هذا القانون في قضايا انتهاك حقوقها، مضيفاً أن قضايا الملكية الفكرية تأخذ ما بين ثلاثة شهور إلى ستة شهور. وأوضح لطفي أن ذلك القانون ينظم أيضاً حقوق الملكية الفكرية على شبكة الإنترنت والتي ساعدت في اتجاهين، الأول في الاكتشاف السريع للسرقات الأدبية، والثاني ساعدت كثيراً أيضاً في تسهيل عمليات السرقة والاقتباس، وسط الكم الهائل والمذهل للأدب المنتشر على شبكة الإنترنت.

إضافة تعليق