السرقات الأدبية: إفلاس وعجز

الحديث عن قضية السرقات الأدبية يطول ويتشعب، ذلك أن هذه الظاهرة قديمة قدم اكتشاف الأبجدية في العالم وتدوين الأفكار، ومثلما أن ثمة لصوصاً للممتلكات المادية, العينية؛ هناك كذلك لصوص تغريهم نصوص وكتابات الآخرين، فيسعون إلى نسبها لنفسهم من خلال سرقتها ونشرها عبر الوسائل المتاحة، بحثاً عن الشهرة والاعتراف السريع. ويمكن ذكر الكثير من الأمثلة في هذا المجال، بل إن ثمة شعراء وكتاباً كباراً اتهموا بالسرقة الأدبية من المتنبي وأبي تمام وصولاً إلى طه حسين والمازني.

وتحدث الكثير من الأدباء والكتاب والمهتمين عن ظاهرة السرقات الأدبية، وتباينت الآراء بشأنها بين من يذمها ويرفضها، جملة وتفصيلاً، ويراها ممارسة غير نزيهة تعبر عن الإفلاس والعجز، وبين من يرأف بحال السارق ويبحث له عن مبررات وذارئع. بل ثمة من يمدح هذه الظاهرة، كما هو الحال، مثلاً، بالنسبة للناقد السينمائي المغربي مصطفى المسناوي الذي يسوق رأياً طريفاً في هذا الصدد، فهو يرحب بالسرقات الأدبية لثلاثة أسباب، السبب الأول هو أن الكاتب الذي يقدم على سرقة نص لزميله, هو بالتأكيد قرأ النص المسروق، وهذا أمر جيد في ظل ما نعانيه من تراجع ظاهرة القراءة، والسبب الثاني هو أن هذا الكاتب اللص أعجب بكتابة زميله، وإلا لما لجأ إلى سرقتها ووضع اسمه تحت سطورها، أما السبب الثالث، فيتمثل في أن هذه السرقة تسهم، بشكل أو بآخر، في رواج وانتشار الأفكار الواردة في النص الأصلي المسروق، ولعل هذا الرواج يطمح إليه جميع الكتاب، حتى وإن تحقق ذلك بطرق غير مشروعة.
وإذا مضينا في البحث عن مقاربات واجتهادات الكتاب حول موضوع السرقات الأدبية سنجد فيضاً من التعليقات والأبحاث والدراسات والمقالات التي نظّرت لهذه المشكلة، ولعل ما يحضر في هذا المقام هو ما أوضحه الأديب المصري توفيق الحكيم (1898ـ1987) الذي رأى أنه (لا ملكية للأفكار، ولكن الملكية للنصوص)، ذلك أن الفكرة تسافر عبر الزمن، فتنضج في أزمانٍ معينة، ثم تخبُو في أزمان أخرى لاختلاف الظروف والثقافة السائدة.
ويضيف الحكيم أنه لا يوجد من أتى في الأدب بفكرة جديدة، وإنما يستفيد الأدباء من أفكار من سبقوهم، بل إن كثيراً من كبار الأدباء كانوا نسخاً مطوّرة من أدباء آخرين. ويضرب الحكيم أمثلة لدعم رأيه، إذ يقول إن الشاعر الألماني غوته وزملاءه الذين عاصروه، لم يستطيعوا أن (يخرجوا من عباءة فولتير)، حيث كانت كتابات فولتير وأسلوبه الأدبي السلس، هي (الموضة الأدبية) في تلك الأيام، أما ثرفانتس، صاحب الرواية الأشهر في التاريخ (دونكيشوت)، فقد اقتبس كثيراً من الأفكار البطولية في روايته من (الإلياذة) لهوميروس، وبدا متأثراً جداً بها.
ومثل هذه الأفكار تعيدنا إلى السرديات الكبرى في التراث العربي الذي أسهب في الحديث عن مسألة توارد الخواطر وتزاحم الأفكار، ولعل مطلع معلقة عنترة بن شداد الذي يقول: (هل غادر الشعراء من متردم/أم هل عرفت الدار بعد توهم؟)؛ يكرس لمثل هذه الرؤية التي تحدث عنها كذلك الجاحظ (المتوفى 255 هجرية). الجاحظ يقلل من قيمة المعنى ويعطى أهمية للفظ، أي أن الأساس في الأدب يكمن في طريقة التعبير والبناء والصياغة لا في المضامين والمعاني. يقول الجاحظ (إني أزعم أن سخيف الألفاظ مشاكل لسخيف المعاني)، ويضيف: (المعاني مطروحة في الطريق، يعرفها العجمي والعربي والبدوي والقروي)، وجعل المعوَّل في الكلام على (تخيّر اللفظ وسهولة المخرج). ويوضح صاحب (البيان والتبيين) أيضاً: (المعاني موجودة في طباع الناس، يستوي فيها الجاهل والحاذق، ولكن العمدة على جودة الألفاظ، وحسن السبك وصحة التأليف). من هنا، لا بد للكاتب المبدع من إكساء المعاني الجليلة والجميلة بَرْدَة زاهية من اللفظ يجلو بها المعنى ويزهو، وتحمل في طياتها حيوية ومشاعر ودلالات لا يمكن إغفال توظيفها في مخاطبة العقل والقلب ليحقق الكاتب التفاعل الحي والمتجاوب مع القارئ.
وكان الكاتب السوري الراحل ممدوح عدوان له رأي خاص في السرقات الأبية، إذ ميّز بين ما أسماه (التناص)، وبين ما أسماه (التلاص)، في إشارة إلى أن الأفكار والمعاني قد تتشابه من كاتب الى آخر، وذلك يسمى (التناص)، ولكن حين تتشابه طريقة التعبير عنها، فذلك يعني تلاصاً (من اللصوصية). وثمة دراسات في هذا الشأن تعنى بالأدب المقارن وبالتناص، من دون أن يعني ذلك سرقة أدبية، إذ لا يعيب الكاتب أن يُشبه أسلوبه أسلوب كاتب مشهور، على ألا يبقى رهيناً لديه مدة طويلة، وعليه أن يختار له أسلوباً خاصاً يُعرف به بين الناس، وعندما سُئِل أحد المبدعين عن سر تميزه، قال: (بدأتُ بالتقليد)، وسُئل آخر عن تعريفه للأدب، قال: (إنه إعادة صياغة الأفكار العظيمة).
أنواع السرقات الأدبية
بمعزل عن توارد الخواطر وعن التناص، وتقارب الأفكار، ثمة ظاهرة (منبوذة)، عموماً، تسمى السرقات الأدبية، وهذه الظاهرة ليست ذات منحى واحد، إذ لها أنواع وأساليب تتعدد وتتنوع من سارق إلى آخر، فهناك، مثلاً، ما يمكن تسميته (السرقة الأدبية الكاملة)، وهي أن يقوم أحدهم بنسخ موضوع كاتب آخر بكامله بكل حروفه وأفكاره، أي ما يسمى بلغة الكومبيوتر اليوم (نسخ/لصق)، ويدعي بأنه هو من كتبها، وثمة من يضمن فقرات مسروقة معينة ضمن متن نصه من دون إشارة إلى المصدر أو وضع النص المسروق بين أقواس الاقتباس، ومثل هذا (السارق الجزئي) يترك لنفسه (خط رجعة)، إذ سيتذرع، في حال تم كشفه، بأنه نسي وضع أقواس الاقتباس!. وهناك لصوص يقومون بسرقة جهد الآخرين ولكن مع تعديلات كثيرة أو قليلة بحيث لا يكشف أمره بسهولة، وهنالك من يلجأ إلى السرقة من لغات أجنبية مستغلاً جهل محيطه وبيئته بتلك اللغات التي يسرق منها، كأن يُقْدم كاتب يتقن إحدى اللغات غير الشائعة، كالتركية أو الروسية أو السويدية، على ترجمة قصص قصيرة أو قصيدة أو دراسة مكتوبة بتلك اللغات، ثم يوقعها باسمه لا كمترجم لها، بل كمؤلف.
يقول الشاعر السوري طه خليل بأنه «لا بد من التفريق بين التأثّر الأدبي الذي قد نتلمسه في عالم الكتابة والأدب، وبين السرقة الأدبية المرفوضة أخلاقيا»، مشيراً إلى أن «التأثر الأدبي أمر طبعي ومقبول، لكن السرقة الأدبية هي جريمة لا تقل عن جريمة سرقة ممتلكات شخص، بل ربما كانت السرقة الأدبية أكثر قسوة، ذلك أن الكاتب الحصيف الذي أمضى سنوات عمره في البحث والاطلاع وطلب العلم يجد أن حقوقه قد انتهكت وأهدرت من قبل بعض مدعي الثقافة الذين يبحثون عن الشهرة السريعة الفارغة».
ويعرب خليل، في حديث لـ(المجلة العربية) عن استغربه من الإقدام على مثل هذا الفعل المشين، لافتاً إلى أن «هذا السلوك المتطفل يثبت أن سارق النص غير صادق مع نفسه أولاً، قبل الآخرين، فهو يعلم أن ما ينشره باسمه ليس له، وبالتالي هو محتال، وإن كان يزعم بأنه كاتب أو شاعر أو روائي»، مشدداً على ضرورة «عدم التسامح مع من سرق نصاً، لأن هذا التسامح يسيء إلى رموز الأدب الذين أفنوا أعمارهم في سبيل رفعة الكلمة، ثم يأتي مغمور؛ عديم الموهبة، ليستحوذ على هذا النجاح دون وجه حق».
وقارن خليل، الذي أمضى سنوات في سويسرا، بين الممارسات الكتابية في الغرب وبين الممارسات الكتابية في العالم العربي، إذ أشار إلى أن الكاتب في الغرب يصر على «تخصيص صفحة أو أكثر قبل المقدمة، يشكر فيها كل من ساعده في إنتاج عمله، بالاسم والمسمى الوظيفي، ثم يملأ الصفحات الأخيرة من كتابه بأسماء المراجع والمصادر والدوريات التي استعان بها، في حين يستنكف بعض الكُتّاب العرب عن فعل ذلك، بالرغم من أن الأدبيات العربية مليئة بنصوص تحض على التواضع والنزاهة، وتنبذ التعالي والغلو والمباهاة».
الروائي السوري زياد عبدالله، بدوره، ينتقد ظاهرة السرقات الأدبية، ويعتبر أنها «تعبر عن إفلاس من يلجأ إليها»، وهو ينصح (لصوص الكلمة) بالبحث عن مهنة أخرى غير الكتابة، لأن لصوصيتهم تعني أنهم لا يملكون شيئاً مهماً في ميدان الكلمة، ولا يمكن لهم أن يحصلوا على مجد أدبي عن طريق السرقة، مهما برعوا فيها.
وأعرب عبدالله، في حديث لـ(المجلة العربية) عن اعتقاده أن «التكنولوجيا الحديثة لعبت دورين متناقضين في مجال السرقات الأدبية، فالإنترنت من جهة وفر أمام سارق النصوص إمكانات هائلة لم تكن متاحة له من قبل، فهو، الآن، يستطيع أن يتجول في الشبكة العنكبوتية، وخصوصاً إذا كان يتقن عدة لغات، ثم يختار نصوصاً وينسبها لنفسه»، ولكن في المقابل، وكما يقول عبدالله فإن «هذا الإنترنت وفر كذلك طرقاً سريعة لكشف اللص، إذ يمكن لكاتب حصيف أن يبحث في الشبكة عن فقرات من نصه، ثم يكتشف، صدفة، أن ما كتبه منشور بتوقيع اسم آخر».
وأكد عبدالله أن السرقة الأدبية «لا تحتاج إلى جدل كبير، فهي واضحة وصريحة، ولا بد من التنسيق بين مختلف الجهات والمؤسسات في سبيل الحفاظ على حقوق الملكية الفكرية، ومنع اللصوص من المساس بهذه الحقوق».
واعتبر عبدالله أن «مقولة (وقع الحافر على الحافر)، لا تصح في مجال الكتابة الأدبية دائماً، إذ يمكن التسليم بها لدى إيراد أحد الكتاب جملة عابرة في نصه لزميل له، أما أن يكون كل النص منقولاً، فهذا السلوك لا يمكن تسميته إلا بالسرقة الأدبية، والسرقة مرفوضة أخلاقياً واجتماعياً وحتى لجهة الأعراف والتقاليد»، مبينا أن «هذه السرقات هي آفة الإبداع منذ قديم الزمان وحتى هذه اللحظة، وآن الأوان للتخلص منها، وجعلها شيئاً من الماضي».

إضافة تعليق

5 + 6 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.