المآذن جمال إسلامي يعانق السماء

تعتبر المآذن المعالم البارزة والمميزة لعمارة المساجد الإسلامية، وقد تطورت على مر الزمان منذ الأذان الأول في الإسلام الذي ردده بلال بن رباح من فوق مكان مرتفع، حتى المآذن الأسطوانية (شكل القلم الرصاص) في العصر العثماني .
وقد استعملت كلمة “صومعة” للدلالة على المئذنة، حيث أمر الخليفة الأموي معاوية بن أبي سفيان والي مصر “مسلمة بن مخلد الأنصاري” ببناء صوامع للأذان في جامع عمرو بن العاص . فبناها من الطوب اللبن وعلى صورة أبراج “قصر الحير الغربي” سنة 52ه/673م، الذي أقيم مكانه المسجد الأموي بدمشق
وفي العصر الطولوني كانت المئذنة كعنصر معماري منفصلة عن المبنى، فنرى المئذنة الملوية في جامع ابن طولون مبنية من الحجر الجيري وتقع في الجهة الشمالية الغربية من المسجد، وهي تشبه من ناحية الشكل العام مئذنة جامع سامراء بالعراق، علماً بأنه توجد مئذنة من الحجر الجيري بجامع القيروان بتونس، وهي أقدم من تلك الموجودة في جامع ابن طولون .
ونلاحظ في العصر الفاطمي أن المئذنة تتكون من طابقين، الجزء السفلي ذو قطاع مربع مرتفع وفي بعض الأحوال مدرج، ويوجد أعلاه طابق ثانٍ مثمن منخفض الارتفاع ينتهي بقبة، ومن مآذن هذا العصر مئذنة جامع الحاكم ومئذنة مسجد الجيوشي . ونرى في جامع الحاكم وجود مئذنة في كل من ركني المبنى من جهة المدخل نظراً إلى وجود المبنى خارج سور القاهرة مما أعطى المهندس المرونة في إيجاد التماثل والتوازن للمبنى، خاصة أنه بالجهة المقابلة للمئذنتين توجد قبتان إضافة إلى القبة التي أمام المحراب .
العصران الأيوبي والمملوكي
وفي العصر الأيوبي كانت المئذنة تتكون من طابقين: السفلي مربع المسقط والعلوي مثمن، وأصبح الجزء العلوي مرتفعاً مما نتج عنه تكاملاً في نسب المئذنة بالمقارنة مع مآذن العصر الفاطمي .
وتنتهي مئذنة العصر الأيوبي من أعلى بشكل هرمي (مبخرة) يشكل مسطحه الخارجي على هيئة فصوص، أما الشرفة الخشبية فقد وجدت بين الطابقين، وبنيت مآذن هذا العصر من الطوب وغطيت من الخارج بالجص، وتعتبر مئذنة مدرسة الصالح نجم الدين أيوب نموذجاً لمآذن هذا العصر الذي تقع المئذنة فيه فوق المدخل .
أما في العصر المملوكي فقد أصبح الجزء السفلي المربع مرتفعاً، وذلك بالمقارنة مع العصر الأيوبي، مع احتفاظ المئذنة بالشكل العام الذي كانت عليه في السابق، واستعمل الحجر الجيري في البناء بدلاً من الطوب، ونرى مثالاً على ذلك مئذنة مسجد فاطمة خاتون، وفيه استعملت المقرنصات كنعصر إنشائي في النهائية العلوية للطابق السفلي لتحميل الشرفة عوضاً عن الخشب الذي كان شائعاً في العصور السابقة .
ومع بداية القرن الرابع عشر الميلادي أضيف طابق ثالث ذو مسقط دائري إلى المئذنة كما وجد في مدرسة سنجر الجاولي، وينتهي كل طابق بشرفة محمولة على مقرنصات، وللشرفة درابزين من الخشب وللطابقين السفليين قويصرات في بعض منها فتحات لا تظهر في البعض الآخر، وتنتهي القويصرات بعقود على هيئة حدوة الفرس . ويرجع استعمال هذه العقود إلى تأثيرات من العمارة الأندلسية .
وفي نهاية هذا العصر أصبح الجزء السفلي مربعاً قليل الارتفاع، ويتم الانتقال من المربع إلى المثمن الذي يعلوه عن طريق مثلثات في الأركان، أما الطابق الثالث العلوي فهو عبارة عن أعمدة من الرخام على جلسة من الحجر الجيري يحمل أعلاها قبة بصلية الشكل، وكانت مئذنة ذلك العصر تبنى من الحجر الجيري .
أما وضع المئذنة فقد كان على الواجهة الرئيسة بجوار المدخل، ومن أجمل مآذن ذلك العصر مئذنة مسجد المارداني ومدرسة صرغتمش، ومدرسة السلطان حسن .
واستعمل القيشاني في عدد قليل من المآذن، وكان ذلك لأول مرة في الجزء العلوي من مئذنة خانقاه بيبرس الجاشنكير .
رشاقة وزخارف حجرية
وفي العصر المملوكي الجركسي، استمر شكل المئذنة الذي وجد في نهاية العصر المملوكي، ولكن غلب المسقط الدائري على الطابق الأوسط وتحسنت نسبة المئذنة وبلغت درجة عالية من الرشاقة وأصبحت غنية بالزخارف الحجرية وزادت حطات المقرنصات، ومن أجمل الأمثلة في ذلك العصر مئذنتا خانقاه فرج بن برقوق ومئذنة مدرسة الأشرف برسباي (الأشرفية) ومئذنة مدرسة قايتباي ومئذنة مدرسة فجماس الإسحاقي .
وفي نهاية ذلك العصر نجد مئذنة بقبتين مثل مئذنة مسجد قايتباي الرماح ومئذنة مدرسة الغوري ومئذنة الغوري بالجامع الأزهر التي بها سلمان حلزونيان لا يرى فيهما الصاعد النازل . كما وجدت المآذن في العادة بجوار المدخل .
وقد استعملت التكسيات الرخامية في مآذن ذلك العصر، وكان أول مثال لها في مئذنة السلطان برقوق .
وقد استعمل عقد مزخرف في العصر المملوكي الجركسي في تغطية فتحات بعض المآذن . كما في مئذنتي خانقاه فرج بن برقوق .
أما في العصر العثماني فقد ظهرت مئذنة جديدة تمثل مآذن العمارة الإسلامية في تركيا وفي أغلب الأحوال وجدت في أركان المبنى، وهي عبارة عن قاعدة مربعة عليها شبه اسطوانة مرتفعة تنتهي بمخروط مدبب . ويتم التحول من المربع إلى بدن المئذنة المتعدد الأضلاع بواسطة أشكال هرمية، وخير مثال على ذلك العصر مئذنة الملكة صفية ومئذنة جامع محمد علي بالقلعة .

إضافة تعليق