المجريطي إمام الرياضيين والكيميائيين

ولد العالم المجريطي في مجريط (مدريد) بالأندلس في منتصف القرن العاشر للميلاد ويدعى ابن القاسم مسلمة بن أحمد المرحيطي المعروف بالمجريطي وتوفي في أوائل القرن الحادي عشر، يذكر الكاجوري في كتابه (تاريخ الرياضيات) أنه كان متتبعاً لتاريخ الحضارات القديمة وما نتج عنها من جهود واكتشافات وكتب بحوثاً في التاريخ الطبيعي، وتأثير المنشأ والبيئة في الكائنات، وله عدة فصول عن النبات والحيوان والمعادن . وهو إمام علماء الرياضيات في وقته، وأعلم أهل عصره بعلم الأفلاك، وكانت له عناية بأرصاد الكواكب وشغف بفهم كتاب بطليموس المعروف ب(المجسطي) .

كان المجريطي ماهراً بالأعداد ونظرياتها، لاسيما في ما يتعلق بالأعداد المتحابة، وله في ذلك رسائل، كما أن له عدة مؤلفات قيمة في الحساب والهندسة والكيمياء . ويكفي أنه حرر هذا العلم من الخرافات التي لصقت به . وكان يدعو طلابه إلى دراسة الكيمياء دراسة علمية تعتمد على التجربة والاستقراء، والاهتمام بدراسة النظريات الأساسية، وتدريب النفس على إجراء التجارب . وأن يفكروا في المواد الكيميائية وما تحدثه من تفاعل كيميائي، ذاكراً الشروط التي يجب أن تتوافر في طالب الكيمياء التي لاينجح من دونها .

جداول فلكية متميزة

 يذكر صاعد الأندلسي في كتابه (طبقات الأمم) أن المجريطي له كتاب في تمام علم العدد المعروف عندنا بالمعاملات، وهو كتاب يبحث في الحساب التجاري، ويؤكد “سميث” في كتابه (تاريخ الرياضيات) أنه ألف في الهندسة وأجاد في الفلك، حيث عني بزيج البتاني وبزيج الخوارزمي، وعدّل عن الأخير جداول فلكية كثيرة، فشكلت بذلك جداوله أساساً للمؤلفات الفلكية في أوروبا . وفي هذه الجداول نقل التقويم الفارسي إلى التقويم العربي الهجري . كما أنه طور نظريات الأعداد وهندسة إقليدس . وفي مجال الفلسفة وضع المجريطي رسائل تتناول بالشرح والتعليق رسائل إخوان الصفا فأتاح بذلك إدخال مؤلفات عرب المشرق إلى الأندلس، ولكن البعض ينفي ذلك، وقد عني المرحوم العلامة أحمد زكي باشا بهذه النقطة ووصل في بحثه إلى أن المجريطي لم يضع هذه الرسائل، فقد ثبت أن الرسائل المتداولة الآن ليست للمجريطي وأنه لايصح أن يقال إن له كتاباً بهذا الاسم، وإذا ثبت أن له كتاباً بهذا الاسم فيكون الاسم موضوعاً عرضاً لا من المؤلف نفسه، إلا أنه جاء في كتاب (تراث الإسلام) أن المجريطي والكرماني قد وضعا كتاب(إخوان الصفا) بصورة سهلة حببت الناس به، فقد وضعا بحوث رسائل إخوان الصفا في قالب سهل خال من التعقيد والالتواء وقدماها للناس في صورة مبسطة، ولم يتمكن أحد حتى الآن من العثور على نسخة منه على الرغم من التحريات الكثيرة .

 “غاية الحكيم”

 ووضع المجريطي رسالة في الاسطرلاب تمت ترجمتها إلى اللاتينية، كما ترجم شروحه على كتاب بطليموس “رودلف أوف برجس”، وله أيضاً كتابان في الكيمياء والسيمياء هما (رتبة الحكيم وغاية الحكيم) والأخير ترجم إلى اللاتينية في القرن الثالث عشر للميلاد، بأمر من الملك “ألفونس” كما يقول “سارطون” في كتابه (مقدمة لتاريخ العلم)، ويعد كتاب “غاية الحكيم” من أهم المصادر التي يمكن الاعتماد عليها في بحوث تاريخ الكيمياء في الأندلس، وقد عثر محمد محمد رضا الشبيبي خلال تنقيته عن المخطوطات العربية القديمة على نسخة من هذا الكتاب وكتب في موضوعاته مقالاً سنة ،1939 قائلاً: “ولقد كانت بحوث هذين الكتابين منهلاً نهل منه ابن خلدون فى بعض موضوعات مقدمته، لاسيما في الكيمياء والسيمياء والحكمة والفلاحة، وفي كتابه (غاية الحكيم) نجد بحوثا يستفيد منها من يعنى بدراسة تاريخ الحضارة في أقدم عصورها وتاريخ الأمم الشرقية العريقة في القدم من أنباط وأقباط وسريان وهنود وغيرهم، ومكتشفاتهم وجهودهم في تقدم العمران” .

 

يقول الشبيبي: “إن للمجريطي بحوثاً مقتضبة في علم الفلك والرياضيات والكيمياء وقد توصل إلى نتائج مهمة جداً في الكيمياء فكما كان إمام الرياضيين فإنه أيضاً إمام الكيميائيين وحجة عصره في الشرق والغرب العربي في عصره . ومن هذه النتائج مثلاً: تحويله الزئبق إلى أكسيد الزئبق بعملية تسخين بطيئة . كما كان له إنجازات عظيمة في علم الفلك، منها أنه توصل إلى اعتبار خط منتصف النهار ماراً بقرطبة بدلاً من الموقع التقليدي الوهمي الذي كان معروفاً في ذلك الوقت بين الهند والحبشة . والجدير بالذكر أن موقع خط غرينتش المأخوذ به الآن لا يختلف عن الموقع الذي حدده المجريطي سوى خمس درجات موجبة ناحية الشرق . وقد خلف المجريطي تلاميذ كثيرين أنشأ بعضهم مدارس في قرطبة ودانية، ولم يخلف عالم بالأندلس مثلهم، منهم أبو السمح الغرناطي، وابن الصفار، والزهراوي، والكرماني، وابن خلدون، وهو أشهر من أن يعرف، فقد قال أحد علماء الإفرنج عن مقدمته “إن مقدمة ابن خلدون أساس فلسفة التاريخ وحجر الزاوية فيه” .

إضافة تعليق

1 + 15 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.