لا نهضة بعيداً عن العلم

لا نهضة ولا تقدم للمسلمين من دون أن يأخذوا بالعلم، هذه حقيقة لا بد أن يؤمن بها كل من يتحدث عن النهضة والتغيير في عالمنا العربي والإسلامي .
فالعلم من شأنه أن يزيل ظلام العقول ويمحو الجهل الذي هو ظلمة في العقل تحجب عنه الحقائق، وتجعله عاجزاً عن فهم ما يدور حوله على نحو سليم . وبصرف النظر عن الذكاء الفطري لدى بعض الناس، فإن الجهل يعد حجاباً سميكاً أمام العقل الإنساني . ومن هنا فإن كل جهد يبذل في إزالة الغشاوة، عن العقول يعد بمنزلة رد للاعتبار الإنساني للفرد الأمي، وتأكيد لإنسانيته لأن الجهل ينزل بالإنسان إلى مرتبة الحيوان الأعجم .
ومعلوم أن من يملك العلم يكون قادراً على صنع الحضارة . وقد ترك لنا أجدادنا حضارة عريقة نعتز بها كل الاعتزاز، كما ترك لنا المسلمون في القرون الأولى للإسلام وبخاصة في القرنين التاسع والعاشر الميلاديين حضارة نعتز بها أيضا كل الاعتزاز . ولكن الوقوف عند حد الاعتزاز وعدم اتخاذ خطوات جديدة في سبيل إضافة إلى ما قدمه السابقون، يعد عجزاً لا يليق بورثة الحضارات العريقة .
من هنا يعيب جمال الدين الأفغاني على الشرقيين في حديث له مع المفكر الإسلامي شكيب أرسلان وقوفهم عند حد ترديد مقولات الفخر والاعتزاز بما خلفه لنا الأجداد من حضارة عريقة، مشيراً إلى أنه لا يجوز لنا أن نتذكر مفاخر الآباء والأجداد إلا إذا صنعنا مثلما صنعوا، وأضفنا جديداً مثلما أضافوا بدلاً من الوقوف عند حد الاعتزاز بما ورثناه عنهم .
إن تقارير المنظمات المعنية بالعلم والتنمية والنهضة في بلادنا العربية والإسلامية ومنها المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة “إيسيسكو” تؤكد لنا أن نسبة الأمية في دول العالم الإسلامي في تزايد مستمر . وفي الوقت الذي يحاول فيه العالم الإسلامي محو الأمية الأبجدية نجد العالم المتقدم مشغولا بمحو الأمية التكنولوجية، وهذا يبين لنا الفرق بين مستوى التقدم في العالم الإسلامي وفي الغرب . فكلما زادت الأمية كان ذلك دليلاً على ارتفاع نسبة التخلف، وكلما قلت نسبة الأمية اقتربنا من طريق التقدم .
وتزايد معدلات الأمية أمر لا يجوز السكوت عنه . فالأمية الأبجدية لا يجوز أن يكون لها وجود في بلادنا إذا أردنا أن نجد لنا مكاناً يليق بنا على خارطة العالم في القرن الجديد .
في دولة عربية مثل مصر يوجد أكثر من خمسة عشر ألف جمعية أهلية غير حكومية، يجب أن تشارك بجدية في العمل من أجل القضاء على الأمية في جميع أنحاء البلاد .ولا يجوز أن يظل الاعتماد على الجهود الحكومية وحدها، فالزيادة المستمرة في عدد السكان التي تصل إلى مليون طفل جديد كل عشرة أشهر تلتهم كل جديد يبذل في سبيل التنمية الشاملة التي تتكفل بها الدولة .
إن العلم قيمة ينبغي أن نحرص عليها ونبذل في سبيل ترسيخ أركانها في المجتمع كل غال ورخيص، والأمية وصمة عار يمثل وجودها تعطيلا لجهود التنمية . فالأمية تعني الجهل وانتشار الخرافات والأوهام، كما تعني سوقاً رائجا للدجل والشعوذات، وهذا معناه المزيد من التخلف والتعصب والجمود والانغلاق .
إن العلم نور ومسؤوليتنا جميعا أن ننشر هذا النور في كل مكان، وهذا يعني بذل المزيد من الجهد من أجل القضاء على هذه الظاهرة الكريهة في المجتمع العربي، وبذلك نكون قد قضينا على أهم المعوقات في طريق التنمية الشاملة في جميع المجالات، وبالتالي يمكننا أن ننطلق بخطى أسرع نحو مزيد من التقدم والازدهار .
* وزير الأوقاف المصري الأسبق

إضافة تعليق