الشعر منصة انطلاق للتأصيل الثقافي

يثبت الزمن الحالي خطأ وجهة النظر التي تتعامل مع الثقافة بوصفها نتاجاً خاصاً أو يلبي فقط خطط التنمية الثقافية الآنية أو المرحلية، تلك التي يسيطر عليها هاجس الجغرافيا الواحدة والإقليم الواحد، ذلك أن مفهوم الثقافة هو أبعد من ذلك بكثير، وهو مفهوم ينسجم مع فكرة (التأصيل الثقافي)، لأن الثقافة بهذا المعنى هي منتج بارع، قادر على اختراق حدود الزمان والمكان، وعليه، فإن التعامل معها يجب أن يكون مرناً، وحذراً ومتجاوزاً لأية فكرة مسبقة، ترسخ فقط لمفاهيم محصورة ببيئة ونمط حياة واحدة، لا يمكن تجاوزها .
مثل تلك المقدمة ضرورية حين نتحدث عن موضوع التأصيل الثقافي، فلا تأصيل للثقافة من دون الانتباه للعناصر المشكلة لهذه الثقافة، وهو ما بات محسوباً في أوساط المخططين والمشرفين والموجهين والأكاديميين، في البلدان المتقدمة التي أصبحت على مساقة قريبة من نبض وروح الفعاليات الثقافية المختلفة في بلدانها من شعر ومسرح ونتاجات سردية كالقصص والروايات التي أصبحت منقولة بفعل الميديا الحديثة، كما هو حال الروايات الكبرى والقضايا والأحداث المعاصرة التي تنقلها شاشات العرض الصغيرة والكبيرة على حد سواء .
الثقافة إذاً، هي وسيط حيوي تسير في مختلف الاتجاهات، غير أنها تسير في خط مستقيم أيضاً، وهي قد تبدأ من التراث ولا تنتهي عنده، ذلك لأنها مفردة قابلة لانتقاء الأجمل والأصلح دائماً، سواء كان مرجعها فكرة التراث أو المعاصرة، وهي مستمرة بفعل تنوعها وقابليتها لعبور القارات والمسافات .
وحين نتحدث عن التأصيل الثقافي، لا بد أن تحضر صورة الشاعر، بوصفه يمثل النخبة الثقافية، وقد قيل قديماً إن الشاعر هو صانع اللغة وحارسها، فهو السارد والمصور والمفكر والمنخرط في اللعبة الثقافية حتى آخرها، ولكي لا نظلم الروائي والقاص فهما أيضاً يفترض أن يكونا في صميم المحتوى الثقافي، حيث يتبادلان مع الشاعر شأن رفعة الثقافة وحراستها وتضمينها في الشكل والمضمون والهاجس والتنمية المستدامة .
قبل بضع سنوات تحديداً في أكتوبر/ تشرين الأول ،2005 تأسست حركة الشعر العالمي، أثناء الدورة الحادية عشرة لمهرجان أمريكا اللاتينية للشعر في مدينة فالباريسو التشيلية، وقد ألقى حينها الشاعر التشيلي “لويس أرياس مانثو” مؤسس الحركة كلمة قال فيها “من المؤمل أن ينضمّ إلى الحركة بنهاية ،2006 أربعمئة شاعر على الأقلّ، ولكن وصل العدد في نهايتها إلى أكثر من 1500 شاعر من جميع أنحاء العالم، والعدد في تصاعد مستمر بشكل يومي” .
وقال أيضاً “علينا أن نكون فاعلين وقادرين على فرض صوتنا من أجل مجتمعنا في محاولة للنّهوض به ممّا هو فيه من تخبّط وانحطاط”، وأضاف “هذه الخطوة تبدو مثاليّة لدى الكثيرين ولكنّا سنراهن على ذلك” .
وكانت تطمح الحركة بحسب بيانها إلى التّحقّق كقوّة فاعلة وقادرة على التّأثير في المحيط العالميّ وتفعيل نفوذ الكلمة على امتداد الخريطة العالمية، ليكون صوت الشعراء معبراً عن هاجس ونبض العالم، من دون وجل .
مثل هذه الحركة، التي تقدر الشعر ودور الشعر، تجد ما يناظرها في المستوى الواقعي والعملي من تقدير دور الشعر والشعراء في التأصيل الثقافي، وقد سقنا أكثر من مرة أمثلة عدة على ذلك، لا بل إن كثيراً من المؤسسات الثقافية، وحتى غير الثقافية ب “المعنى المجرد للكلمة” التي تتأسس في بلدان العالم المتقدم، إنما تستأنس في كثير من الأحيان بالهاجس الثقافي والمعرفي بغية ضمان نجاح أعمالها في المشاريع التي تود تنفيذها، وبحسب علمنا فإن هناك مراكز بحوث عالمية، تقوم بدور استقصائي وشبه أنثروبولوجي في الأمور التي لها علاقة بالخطط التي تريد تنفيذها في مناطق وجغرافيا العالم الشاسع، وتتطلب معرفة بطبيعة هذه البلدان وثقافاتها وفنونها .
وعن دور الشعر كمنجز عالمي لايزال حاضراً بقوة، يرجع الشاعر أحمد المطروشي إلى ما قبل الميلاد إلى هوميروس شاعر اليونان الأكبر صاحب ملحمتي الإلياذة والأوديسا، وذلك التصوير الكبير للحرب والسلام والشرف والحب والعار والكراهية، فالشاعر من وجهة نظر أحمد المطروشي “يدير دفة الكون، وهو أيضاً الإنسان الوحيد المقلق ومنتج شاعرية أحلام اليقظة” .
في السياق ذاته يتذكر أحمد المطروشي مواقف الشعراء في العصر الجاهلي، الذين كانت لهم حججهم، وهواجسهم، وأشعارهم، في القضايا المهمة مثل الحروب وخلافها، وهكذا فإن الشاعر هو إنسان اجتماعي متكامل، يمتلك قدرة على التخيل، وحساسية وفكر يؤهلانه ليكون أحد صناع الثقافة الذين تستشرف آراؤهم ويستحقون مكانة رفيعة في المجتمع ينبغي أن تكون في وارد أوليات التخطيط الثقافي في بلدانهم .

إضافة تعليق