المداخل الكبرى لولوج فكر المسيري

سعت الدراسة إلى تحديد المداخل الكبرى في فكر المسيري، معتقدة أن كتاباته تتأسس على مفاهيم مفاتيح، ويتعذر فهم تفاصيلها ما لم ندركها. من هذه المفاهيم المفاتيح: التوحيد بوصفه يحل إشكالية ثنائية؛ الله، الإنسان؛ فتنجلي من خلال الدراسة صفات الله الخالق، وصفات الإنسان المخلوق. ومنها مفهوم الحلولية؛ وهي الطرف المناقض للتوحيد. ومنها العلمانية الشاملة؛ ولا تعني فصل الدين عن الدولة وحسب، وإنّما فصل كل القيم الإنسانية والأخلاقية والدينية عن حياة الإنسان في جانبيها العام والخاص.
الكلمات المفتاحية: عبد الوهاب المسيري، التوحيد، الحلولية، النموذج المعرفي، العلمانية الشاملة، العلمانية الجزئية، رؤية العالَم.

مقدمة:
تسعى هذه الورقة إلى تكثيف المفاهيم وتركيبها، على نحوٍ يتلاءم وما سأقترحه من مفاتيح قرائية لكتابات عبد الوهاب المسيري.
وأكاد أجزم، من خلال متابعتي لكتابات المرحوم المسيري منذ ما يربو على عقد من الزمن، أنّ باغي الولوج إلى عمق أفكاره لا بُدّ أن يتسلح بمفهوم "القراءة المعرفية"؛ ذلك أنّ ما نصطلح عليه بـ"قراءة المعلومات" سيقف بنا -ضربة لازب- عند سطح الظواهر والقضايا المعرفية التي شغلت ذهن هذا المبدع الفذ، وسيفضي بنا إلى تحنيط فكره، مع مرور الوقت، وتصنيفه في هذه الخانة، أو تلك، ويحرمنا تحصيل ثمرة الجهد المرهِق، والمتابعة المضنية اللذين اصطحبهما في النظر إلى مسائل الفكر والمعرفة الإنسانية؛ فنتنكب، نتيجة لذلك، سبيل الحفر المعرفي، واكتشاف معالم الخارطة الإدراكية، أو النموذج المعرفي الكامن في كل مؤلفاته؛ بدءاً من معالجة الطُرفة، أو"الفيديو كليب"، وانتهاء بالنظرات الفلسفية، وعلم اجتماع المعرفة. وكل ذلك عن طريق إهمال التفاصيل المعلومية (نسبة إلى المعلومة)، والتأكيد على الأساس النماذجيParadigmatic foundation)).
فما المداخل الكبرى إذن التي نرى أنها عون لنا على الإمساك بخيوط هذه الشبكة المعرفية المتنوعة التي نبض بها فؤاد هذا المفكر المجدد، وخطتها يمينه؟
أولاً: مدخل التوحيد
قد يستغرب بعض القراء، ويستنكر هذه "المصادرة" التي نـزعم أنّها المدخل الأول لقراءة كتابات المسيري قراءة معرفية؛ تحصّل الكلي، وتتجاوز رصف المعلومات.
لكنني أسجل في هذا المقام أنّ هذا المدخل؛ أي التوحيد كما تبلور مرجعيةً عليا متجاوِزة في بناء المسيري الفكري، لهو الكلي؛ على أساس أنّ النموذج المعرفي يكمن وراء كل قول أو ظاهرة إنسانية. وهذا النموذج هو مصدر الوحدة وراء التنوع، وهو الذي يربط بين كل التفاصيل، فتكتسب معنى ودلالة، وتصبح جزءاً من كل، وليس معلومة جديدة، أو طرفة فريدة فحسب. والنموذج هو تجل متعين لرؤية الإنسان للكون، تلك الرؤية التي تدور حول محاور ثلاثة: الله، والإنسان، والطبيعة. وما دام أيّ نموذج، أو رؤية للكون، يدور حول المحاور الثلاثة؛ فهي محاور مترابطة إلى درجة أنّه يمكن استخلاص موقف النموذج من الطبيعة والإنسان من خلال دراسة موقفه من الله. ويمكن استخلاص موقفه من الله والإنسان من خلال دراسة موقفه من الطبيعة. وبهذا ينجلي أنّ مفهوم التوحيد ها هنا ليس باباً من أبواب العقيدة فحسب؛ نعالجه بطريقة مبتسرة جافة، حتى ليظنه الظان باباً مستقلّاً عن باقي أبواب المعرفة الأخرى؛ فلا هو يؤسس لها، ولا هي تستند إليه.
هذا تنبيه أول، أما الثاني فهو أنّ المؤلف لا يتعرض لقضية التوحيد على طريقة علماء الكلام، وكتب العقيدة، إنمّا الجديد عنده ما أسميته بـ"الإبداع بالتوحيد"؛ الإبداع الذي يُحسن مبتغيه، ومُعِدّ عُدّتِه، والجادّ في طلبه، حُسْنَ تدبير مسافة الفصل والوصل بين الخالق والمخلوق؛ إذ إنّ مهمة العقل الإنساني المقبلة، ينبغي أن تكون رفضَ التنافي بين الذاتين؛ الآلهة، والمألوهة، والإيمان بنسبية ما يصل إليه عقل الإنسان؛ فأقصى ما يمكن الذهاب إليه تشريفاً لمنـزلة الإنسان في المنظار الإسلامي، هو القول بأنّه خليفة؛ أي إنّ له في عقله، بما هو كائن طبيعي، وتلك هي الأمانة التي حُمّلها فحَملها فاستحق لأجلها الاستخلاف، القدرةَ على فهم نظام الوجود المخلوق، دون ادعاء للإطلاق الموحِّد بين إدراكه والوجود؛ ذلك أنّنا نستمد من الله الواحد، من هذا المدلول المتجاوِز(المفارق)، بلغة المسيري، بأنّه هو الطريق الوحيد لكي نخرج من عالم الحس والكمون والصيرورة، ونضع حدّاً للعب الدوال إلى ما لانهاية، ونحقق التجاوز والثبات، ونؤسس منظومات فلسفية ومعرفية وأخلاقية.
نخلق مثل هذه المنظومات، ونحد من تجني بعض الرؤى الفلسفية في زعمها ركوب العقل، وهي تُلحد، واشمئزاز قلوب أصحابها، بلغة القرآن، حين يُذكر الله وحده، وتنطعِها بأنّها تعترف بالأخلاق وبوجود الخير في حياة الناس، رغم ذلك!
فلنصغ إلى أحد أصحاب هذه الرؤى وهو يقرر مع الزعم الأول؛ إذ يقول: إنّ العلة التي من أجلها ألفتُ الانتباه إلى هذه الحقيقة (حقيقة الإلحاد)، هي أنّ هذا الكتاب أُلِّف خصيصاً لغاية سبر البُعْد العقلي للإلحاد(...). وإنّي لأدرك أنّنا لا نقوم بمقاربة مثل هذا النقاش العقلي بأذهان فارغة ومنفتحة، وإنّما نأتيه محملين بأحكام مسبقة، ومخاوف، والتزامات. وبعض هذه الاعتقادات لا تتأسس على العقل الذي يضفي عليها حصانة بقوة حججه. إنّه مع الإلحاد إذن، بإمكان بعض القراء أن يمتلكوا النظرة المحايدة.
ونلفيه يسجل مع التنطع الثاني: إن حدّ الإلحاد، في الحقيقة، بسيط للغاية؛ فهو الاعتقاد بعدم وجود الله، وعدم وجود الخير(…)، وكثير من الناس يخالون أنّ الملحد هو المعتقد بعدم وجود الله، وعدم وجود الأخلاق، أو لا إله ولا معنى للحياة، أو -كرّة أخرى- لا إله، ولا خير إنسانيّاً، بيْدَ أنّه، وكما سنرى لاحقاً، لا شيء يمنع الملحد من الاعتقاد بوجود الأخلاق، والمعنى في الحياة، أو الخير الإنساني. فالإلحاد يتسم، جوهرياً، بالموقف السلبي/ النافي، عندما يتعلق الأمر بالاعتقاد بوجود الله فحسب.
هكذا يمكننا أن نهتدي من خلال كتابات المسيري، في حدود ما يتاح للعقل البشري، إلى توحيد الله؛ فيتجسد ذلك في استحضار تدبيره في معرفتنا؛ إذ الممارسات العقلية أو النفسية أو الجسدية لا نقف فيها عند ظاهرها فحسب، وإنّما نتوغل إلى ما هو متوارٍ خلفها من قيم؛ جمالية، وإيمانية، وإنسانية، لكنّ الممارس واراها، وزعم –صدقاً أو جهلا- أنّ ما يقوم به عارٍ من كل قيمة، ولا ينبغي تحميله أكثر من ظاهره؛ فيسطحه، ويعلن موت ما هو سري وراءه، يحفظ له وجوده المستقل عن أذهاننا، ويحيل على غناه، وعلى بهجة المعرفة فيه حين نكتشف، على اختلاف الأزمنة والأمكنة، أنّنا عرفنا جديداً عنه وفيه.
وبذلك، وفق مدخل التوحيد كما نوهت، فإنّ الإنسان يدرك بعض هذا الوجود المطلق بوساطة ما أوحي به إلى الأنبياء والرسل، ويدرك بعض هذا الوجود الذي هو خليفة فيه بوساطة مداركه العقلية والوجدانية، ولن تتساوى في يوم من الأيام مداركه تلك بسعة الوجود؛ إذ الوجود، كما يرى ابن خلدون، أوسع من أن يحاط به، أو يستوفى إدراكه بجملته؛ روحانيّاً، أو جسمانيّاً.
نقرر، بمعنى فلسفي مكثف، بأنّه ستُحل إشكالية العلاقة بين قطبي العملية التواصلية؛ -عموديّاً إذا جاز التعبير- الله تعالى؛ الخالق الآمر، والإنسان؛ المخلوق العابد، وأفقيّاً -إذا جاز التعبير أيضاً-؛ أي الإنسان، والطبيعة؛ نتيجةً مترتبة عن العلاقة الأولى. وبهذا، في ظل مدخل التوحيد، كما نفهم منه مرجعية عليا نهائية تسند ظهر كل حركة سلوكية بسيطة، أو معرفية متفلسفة، نحن أمام نوعين من الوضع؛ مطلق، ونسبي. إلهي، وإنساني:
الأول هو الوضع الإلهي للطبيعة وللشريعة بما هي مخلوقات على صفات أرادها الله، وليست صفات ذاتية للموصوفات.
والثاني هو الوضع الإنساني لعلمهما وللعمل بحسب هذا العلم؛ وهما علم وعمل اجتهاديان لا يزعمان أنّهما عيْن الوضع الإلهي للطبيعة وللشريعة، بل ما أصابه الاجتهاد الإدراكي لهما، وليس وراء ذلك ما يتجاوز الإنسان.
وإذا نحن لم نفهم هذا الوضع، فإنّنا سنقع في مأزق خلاصته المؤكدة هي أنّه: يقع التسليم السريع بأنّ خلافة الإنسان سيادة مطلقة تجعل الخليفة ندّاً للمستخلِف؛ ما دام علمه هو عيْن طبائع الوجود، وعمله هو عيْن قيمه.
وإذا نحن لم نستوعب ذلك أيضاً، فإنّنا سننساق وراء لهاث التأله البشري كما حاولت علوم القرن الثامن عشر، وفلسفته، الهيمنة به على عقول البشرية، أو سنقع في قبضة التسطيح، وسلخ الإنسان عن كل ما يسمو بإنسانيته عن طين الأرض اللازب، والارتكاس به في مستنقع التشيؤ؛ حتى إنا لنجد أحد أبناء الحضارة الغربية أنفسهم يقول: إذا كان الله غير ضروري (كما يبدو أن الداروينية تعنيه)، أو إذا كان الله في الحقيقة قد مات (كما ادعى نيتشه بجرأة)، مَن يكون هناك ليكتب قواعد الحياة؟ نتساءل عن هذا كولد مزعج، ونحن لسنا كذلك، ولنا ما يبرر، يجيب بإصرار عن كل المطالب والتوجيهات: قل مَن؟ قل مَن؟ قل مَن؟
وإذا لم يكن الأمر كذلك، مرة أخرى وليست أخيرة، فلنتأمل بحكمة هذا الوصف الذي لا يحتاج إلى تعليق؛ يؤكد فيه غربي آخر حالة التشيؤ التي ذكرتُ. فقد وصف بودريارد في كتابه: في أمريكا(In Amérique) كما يحلل ستيفان مرافسكي، العالَم الأمريكي بأنّه عالَم قحط روحي رهيب، ولعبة لا متناهية، وأقصى ثقل للتجربة القصيرة المعيشة فيها هي المراهنة. إنّ التصور المثالي الأوروبي عن النجاح، والفرص المتساوية، ومشكل الوجود الحر؛ قد جُسد، هناك، في سلوك شيطاني. فكل شيء غدا سهل المنال: العالم صار بلا غموض بشكل شفاف، أو بلا غموض تقريباً. وأضواء "النيون" الساطعة، كما في لاس فيجاس، تضم تشكيل واقع منقول من حكايات الجن إلى ثروة اجتماعية. إنّ الواقع قد جُرِّد من أيّ معنى عميق؛ حتى إنّ المرء ليضطر أن يعيش شرِها ولا شيء سوى ذلك.
لذلك نبادر بتأكيد أنّه لا غرابة أنّ كل ما نفكر فيه، ونُعبِّر عنه كتابةً أو شفهيّاً؛ لا نطمح إلى أن نصل فيه، كما يرى المسيري، إلى الحقيقة الكلية واليقين، ولا نتوقع أن يُجسِّد النص المعنى، وإنّما يكفي أن يوصله، ويمكن اللغة أن توصل لنا الإحساس بالمطلق وبعالَم المتجاوِز دون أن تكون هي ذاتها مطلقة أو متجاوِزة؛ فالإفصاح الكامل والتجسد لا يتم إلّا في نهاية التاريخ والزمان.
ثانياً: مدخل الحلولية
إنّ هذا المدخل، وهو ما يسميه المسيري بمذهب الحلول، أو الكمون، أو الحلولية الكمونية الواحدية، أو وحدة الوجود؛ هو الطرف المناقض لمفهوم التوحيد. لذلك، لا غرابة أن يخصه بدراسة ضخمة هي "موسوعة الحلولية"، ناهيك عن تسرباته في ثنايا كل مؤلفاته؛ وتفسير ذلك أنّ الرجل يمتلك نموذجاً معرفياً، ورؤية معرفية واحدة متماسكة.
يذهب المسيري في هذه القضية إلى أنّ معظم رؤى العالَم تدور حول ثلاثة عناصر، هي في الواقع عنصران اثنان؛ الله من جهة، والإنسان والطبيعة (أي العالَم) من جهة أخرى. ومذهب الحلولية هو القائل بأنّ الإله والعالَم (الإنسان، والطبيعة) مكوَّن من جوهر واحد، ومن ثمّ فهو عالَم متماسك على نحوٍ عضوي مصمت لا تتخلله أيّة ثغرات، ولا يعرف الانقطاع، ويتسم بالواحدية الصارمة. ويمكن رد كل الظواهر فيه، مهما بلغ تنوعها وانعدام تجانسها، إلى مبدأ كامن في العالم هو مصدر وحدة الكون وتماسكه، ومصدر حياته وحيويته، وهو القوة الدافعة له، الكامنة فيه، ويمكن تفسير كل شيء من خلاله.
إنّ ما يسميه المؤلف بـ"وحدة الوجود الروحية"، و"وحدة الوجود المادية" في إطار الكلي هما مفهومان يختلفان في بعض الأوجه الفرعية، إلا أنهما يتفقان في الأساسيات والبنية. ويقصد بالإطار الكلي هنا المعنى المنطقي؛ أي "الحلولية الكامنة"، وقد تتبادل المصطلحات الثلاثة الأدوار؛ أي وحدة الوجود الروحية، ووحدة الوجود الروحية، والحلولية الكامنة، فكلها تصبح كليّاً في استعمال المؤلف.
ففي منظومات وحدة الوجود الروحية (الحلولية الكمونية الروحية) يسمى الجوهر الواحد، أو المبدأ الواحد: "الإله"، أو"الجوهر الإلهي"، والإله هو الأصل، والعالَم إن هو إلّا وَهْم؛ ويجري التعبير عن هذا بالقول: "حل الإله في العالَم؛ أي في الطبيعة والإنسان". ويمكن تسمية الجوهر الواحد تسميات شبه روحية، وشبه مادية، كأن يقال: إنّ المبدأ الواحد هو"روح الشعب"، أو"روح التاريخ"، أو"العقل المطلق". أمّا في منظومات وحدة الوجود المادية (الحلولية الكمونية المادية) فهذا المبدأ يسمى: "قانون الحركة"، أو"قوانين الطبيعة"، أو"الطبيعة/المادة"، أو"قوانين الأشياء"، أو"القانون الطبيعي"، أو"قوانين الضرورة الطبيعية"، أو"القوانين العلمية"، وهذا القانون قانون شامل؛ يمكن تفسير كل الظواهر، ومن بينها الظاهرة الإنسانية، من خلاله.
نسجل هنا أنّ هاتين النظريتين في المعرفة تؤولان فعلاً إلى نتيجة واحدة؛ هي عدْم الإله، والعياذ بالله، فقد أدى التصور في الشق المادي إلى أنّ الله يصبح عديم العين إلا إذا حلّ في مخلوقاته ليتعين، وأدى بمعنى ثانٍ إلى نفي كل قيام ذاتي للمخلوقات، جاعلاً أعيانها مجرد ظلال لأفعال الذات المطلقة. وأدى في الشق الانطوائي/ الروحي، إلى الزعم القائل بالوحدة بين العقل والوجود؛ ممّا يجعل الفلسفة سوفسطائية بالطبع. إنّ هذا التوحيد يعود إلى القول بالإنسان مقياساً للوجود؛ أي كما يزعم "بيركلي"، مثلاً:
(Everything that exists is either a mind or depends for its existence upon a mind. Matter does not exist).
وهذا هو ما يسميه ابن خلدون الوهم الأكبر؛ وَهْم حصر الوجود في الإدراك، وهو المبدأ الذي انبنت عليه الفلسفة كلها منذ بارمنيدس إلى هيجل؛ أعني الزعم القائل بالوحدة بين العقل والوجود؛ وهكذا لا يمكن التمييز عندئذٍ بين الإله والمألوه. وما تعريف الانطوائية كما جسده كثير من فلاسفة الغرب المثاليين: (Solipsism is sometimes expressed as the view that "I am the only mind which exists, " or "My mental states are the only mental states) عنّا ببعيد.
ولم نذهب بعيداً وأمامنا هذا الكتاب الصارخ بدءاً بعنوانه، وانتهاءً بما ضمه بين دفتيه من مفاهيم قاتلة تقوقع الإنسان على ذاته، وتمركزه حولها لا يعدوها؛ إنه كتاب الفيلسوف الألماني "آرثر شوبنهاور": "العالَم إرادة وفكرة"، يجمل فيه التصور بجملتين جامعتين هما قوله: "العالم فكرتي" The world is my idia))، و"العالَم إرادتي" (The world is my will)؛ فهو يرى في عبارة "العالم فكرتي" أنّها الحقيقة التي تجلب الخير لكل شيء يحيا ويعرف، لكن الإنسان وحده بوسعه أن يجعلها تعكس الوعي وتجرده. وإذا قام بهذا فعلاً فإنّه سيبلغ الحكمة الفلسفية، وسيغدو متيقناً، وجليّاً أمامه أنّ ما يعرفه ليس شمساً وأرضاً، وإنّما عيناً، فقط، ترى شمساً، ويداً تتحسس أرضاً؛ فيكون العالَم الذي يحيط به إن هو إلا فكرة فحسب(...). لذلك، لا حقيقة أكثر يقيناً، وأكثر استقلاليةً عن كل ما سواها، وأقل حاجةً للبرهنة عليها من هذه: إنّ كل ما يوجد للإدراك، ومن ثمة العالم برمته، ما هو إلّا محمول في علاقة مع موضوع، هو تصور من مدرِك، بكلمة واحدة، ما هو إلّا فكرة. وإنّه لأمر صحيح بشكل واضح بالنسبة إلى الماضي، والمستقبل، فضلاً عن الحاضر(...). فكل ما ينتمي إلى العالَم، أو يمكن أن ينتمي إليه، بشكل من الأشكال، مشروط، حتماً، من خلال الموضوع، ويوجد من أجله فقط؛ فالعالَم فكرة.
ولهذا السبب قلت إنّ مدخل الحلولية هو المدخل المناقض لمدخل التوحيد، وهو فعلا ما وجدت المؤلف يذهب إليه من أنّ ثمة تضادّاً بين التوحيد والحلولية الكمونية؛ فالتوحيد هو الإيمان بإله واحد، قادر فاعل عادل، قائم بذاته، واجب الوجود، منـزَّه عن الطبيعة والتاريخ، مباين لخلقه، مغاير للحوادث، فهو مركز الكون المفارق له الذي يمنحه التماسك، ويمنح الإنسان الاستقلال عن سائر الموجودات، والمقدرة على الاختيار، وعلى تجاوز عالم المادية، وذاته الطبيعية المادية. أمّا الحلولية الكمونية فهي الإيمان بإله حالّ كامن في الطبيعة والإنسان والتاريخ؛ أي إنّ مركز الكون كامن فيه.
يبْسط المسيري الكلام عن الحلولية، وفق مجموعة من المصطلحات الفلسفية؛ من مثل: وحدة الوجود، والكمون، والباطن والباطنية، والمحايثة، والاتحاد، والفيض، والتجسد، والمبدأ الحيوي، والقداسة... . وينظر في حقولها الدلالية ليصل بنا إلى النتيجة المهمة المركزة؛ وهي أنّ الحلولية تعبير عن النـزعة الجنينية في الإنسان، مقابل النـزعة الربانية فيه، وهذه تأخذ بيده نحو قبول الحدود والتركيب والثنائية والمقدرة على التجاوز، على عكس النـزعة الأولى التي تقوده إلى الفناء والاختزال والواحدية والعجز عن التجاوز؛ فيتجلى ذلك في مثلِ نحْتِ مصطلح "وحدة الوجود"، مثلاً، الذي يعني أنّ كل الموجودات هي الإله، وأنّ الإله هو كل الموجودات، وأنّه هو العالَم، وأنّ العالَم هو الإله، والإله والعالَم حقيقة واحدة؛ ولهذا يقول أصحاب وحدة الوجود إنّه ليس في العالَم وجودان أو جوهران، بل هناك جوهر واحد، وهو جوهر متجاوز للإنسان.
وفي نوع من النتيجة لهذا التحليل المكثف؛ فإنّ مصدر القداسة في إطار المرجعية الكامنة؛ أي الحلولية الواحدية، هو الإله، لكنّه إله حالّ في مخلوقاته، كامن فيها؛ لا يتواصل مع مخلوقاته إلّا من خلال تجسّد، وتنتقل القداسة من خلال حلول الإله في مخلوقاته؛ الفرد، أو الجماعة، أو الكون بأسره. لذا، تأخذ شكل مادة سائلة، أو شحنة كهربية متنقلة، أو موجات ضوئية تنتقل منه إلى الموجودات (التراب، أو الطعام، أو الشراب، أو النبات، أو الإنسان)؛ فتصبح القداسة كامنة فيها.
أما في المرجعية التوحيدية فإنّ مصدر القداسة هو الله الأوحد، وجوهر قداسته يعني انفصاله عن الموجودات وتنـزهه عنها. لذا حين توجد أشياء مقدسة في هذه المرجعية فإنّها تكون مقدسة بمعنى مجازي غير حرفي، أو أيقوني، وتظل قداستها مرتبطة تماماً بكونها تشير إلى الله العلي ولا تجسّده. وبمعنى مركّز؛ إنّ الشيء المقدس في المنظومة التوحيدية هو دالّ يشير إلى المدلول المتجاوِز، مع الاحتفاظ بمسافة بين الدالّ والمدلول، وهي مسافة لا يمكن تجاوزها بأية حال.
ثالثاً: مدخل العلمانية الشاملة
مفهوم العلمانية كما يؤسس له المسيري، هو المدخل الثالث الذي نلح أنّه يفك كثيراً من شِفرات كتاباته في إطار القراءة المعرفية التي تحاول الإمساك بالخيط الناظم لكتابات تنوعت، وامتدت إلى مستويات أدبية وفكرية وفلسفية؛ تلتقط عناصر الظاهرة، وتروح تسبر أغوارها في إطار علم اجتماع المعرفة الذي لا تعنيه التفاصيل إلّا في حدود أنّها تجلٍّ لخلفية معرفية تقبع خلفها، وتتحدث من خلالها، ويتيه، لا محالة، مَن تغريه المعلومة الطريفة، أو المفهوم البراق، ولكنّه لا يرقى طوراً فوقها ليدرك أنّما هي مجرد تجلٍّ لما هو أكبر منها؛ ذلك أنّنا نعلم أمراً لا يجب جهله أو تجاهله أبداً؛ وهو أنّ كل نظام معرفي، يتأسس -شئنا أم أبينا- على فلسفة، وفرضيات فلسفية، ورؤية للعالَم تحدد المكانة التي يشغلها الإنسان فيه؛ فتكون عملية التفسير (أو الاجتهاد)، كما يقرر المسيري، تأخذ داخل هذا النموذج (النموذج المعرفي المركب) شكلاً حلزونيّاً؛ فالمفسر المجتهد لن يواجه الواقع بقانون عام، أو افتراض عام يفسر به الواقع بأسره، وهو لن يقوم بمراكمة المعلومات عن الواقع بلا تمييز، بل سيصوغ نموذجاً تفسيريّاً تصوريّاً من خلال قراءة التاريخ، ومعرفة الدوافع الإنسانية، وقوانين البنية الموضوعية، والمتتاليات التفسيرية السابقة، ثمّ يختبر هذا النموذج بالعودة إلى التفاصيل التاريخية والاجتماعية. ولكن، عملية الاختبار هذه ستقوم بتعديل النموذج، ومن ثم فإن عملية التفسير عملية حلزونية لا متناهية.
إن هذا المدخل الثالث، بعد التوضيح السالف، مفهوم خلافي جدّاً، كما يرى المسيري، ويهمنا في هذا الشأن ما يخطو بالورقة خطوة إلى الأمام تبلور ما نريد إبلاغه؛ ذلك هو ما يقرره المسيري في أحد كتبه، من أنّ الواقع الإنساني يتكون من بنيتين (أو مستويين)؛ البنية الظاهرة، والبنية الكامنة، وعادة ما تكون البنية الظاهرة تبديّاً للكامنة. ويفضل بأن يراهما بوصفهما دائرتين متداخلتين: الأولى صغيرة، ويشير إليها بالجزئية، والأخرى كبيرة، ويشير إليها بالكُلية أو الشاملة، وهي تحيط بالأولى وتشملها، وهي بمنـزلة الإطار الذي ينتظمها. ويمكن القول إنّ الأولى إجراءات وأفعال تُشكِّل تجليّاً للثانية، ولا يمكن فهمها حق الفهم إلّا بالرجوع إلى أشمل الدوائر؛ لأنّ الدائرة الكبرى هي البنية الكامنة، والمرجعية النهائية.
وعند المسيري علمانيتان لا علمانية واحدة؛ الأولى جزئية، ويعني بها العلمانية بوصفها فصل الدين عن الدولة، والثانية شاملة، ولا تعني فصل الدين عن الدولة وحسب، وإنّما فصل كل القيم الإنسانية والأخلاقية والدينية، لا عن الدولة فقط، وإنّما عن الطبيعة، وعن حياة الإنسان في جانبيها العام والخاص؛ بحيث تنـزع القداسة عن العالَم، ويتحول إلى مادة استعمالية يمكن توظيفها لصالح الأقوى.
إنّ ما نكتشفه عند المسيري هو أنّ العلمانية الشاملة، وفق التعريف الذي سبق، لا تحدث دفعة واحدة؛ أي بوصفها مصطلحاً يعطي انطباعاً لدى كثيرين بأنّه محدد المعاني والأبعاد والتضمينات، إنّما هي عملية بنيوية كامنة تتحقق في ثلاث متتاليات نذكرها باقتضاب شديد.
الأولى: هي ما يسميها المسيري بـ: "الثنائية الصُّلبة"، وتنشأ في المراحل الأولى للعلمانية؛ ومفادها وجود صراع بين عالَمْين: عالَم متمركز حول الذات الإنسانية، ما يسمى بالإنجليزية (homo centric or man - centred world) المتألهة المغلقة المطلقة التي تصبح مرجعية ذاتها ومرجعية الكون بأسره، ويسميها الواحدية الإنسانية (الذاتية)، وآخر متمركز حول الموضوع الطبيعي/ المادي ((nature centred المتأله المغلق المطلق، الذي يصبح مرجعية ذاته ومرجعية الكون بأسره، وهو ما يؤدي إلى ما يسميه "الواحدية المادية" (الموضوعية)؛ فيحدث استقطاب شديد بين قطبين متماثلين أو نموذجين، ويتصارع النموذجان.
الثانية: هي ما يسميها بـ"مرحلة الصلابة"؛ فيتم "نـزع القداسة عن العالَم"، أو "نـزع السحر عنه"، أو"تحييده"، وذلك في خضم التحديث الذي يصدر عن تأكيد زمنية كل شيء ومكانيته وماديته، وإخضاع كل شيء، ومن ذلك الإنسان، لعمليات الترشيد العقلاني المادي في إطار معايير عقلانية صارمة. وتحقق التحديث التدريجي يعني تصاعد الواحدية المادية التدريجي والمستمر إلى أن تسيطر تماماً؛ ولهذا نلاحظ تراجعاً مستمرّاً عن الفلسفة الإنسانية، وعن ثنائية الإنسان والطبيعية، وعن الإيمان بالثبات والتجاوز.
الثالثة: هي ما يصطلح عليها بـ"مرحلة السيولة". لعلنا لاحظنا تفكيك مقولة الذات الإنسانية المستقلة في ظل المتتالية الثانية، ولكنّ الأمر، كما يسجل المسيري، لا يقف عند هذا الحد، بل استمرت عملية التفكيك حتى وصلت إلى مستويات أكثر عمقاً وجذريةً؛ إذ تم ضرب فكرة الواقع الموضوعي نفسها أيضاً. فالواقع (الطبيعة/ المادة)، من منظور تحديثي، هو في حالة حركة مستمرة وتغير دائم، والتغير هو الصفة الثابتة الواحدة لعالَمنا، ومن ثمّ سقطت الطبيعة نفسها في قبضة الصيرورة.
وهكذا بعد تفكيك الذات والموضوع، أجابت الحضارة الغربية عن أسئلة كانت تطرحها في ظل المتتاليتيْن؛ الأولى، والثانية، بأنّه لا يوجد أيّ أساس لظهور الكل المادي المتجاوِز (الإنساني، أو الطبيعي)، أو أيّ شكل من أشكال الثبات، ومن ثمَّ لا يوجد أيّ ثوابت أو كليات أو مطلقات معرفية وأخلاقية؛ فيقع الإنسان، وكل شيء، في قبضة الصيرورة.
ولقد عبَّر أحد الغربيين خير تعبير عن هذا العوم في العماء؛ عوم في عالَم كل ما هو صُلب فيه يتبدد ويغدو هباء؛ فقال: "فأن نكون من أبناء الحداثة أو التحديث يعني أن نجد أنفسنا في بيئة تعدنا بالمغامرة والقوة والمتعة والنمو، وبالقدرة على تحويل أنفسنا والعالَم، كما أنّه، وفي الوقت نفسه، يحمل تهديداً بتدمير كل ما لدينا، كل ما نعرفه، وكل ما نكوّنه. إنّ البيئات والتجارب الحداثية تخترق جميع حدود الجغرافيا والأمم، وجميع حدود الطبقات والدول، وجميع حدود الأديان والأيديولوجيات. وبهذا المعنى يمكن القول إنّ الحداثة تُوحِّد البشرية كلها. غير أنّ هذه الوحدة هي وحدة إشكالية، وحدة تتصف باللاوحدة! فهي تقذف بنا جميعاً في دوامة التحلل والتجدد، الصراع والتناقض، الغموض والألم الشديد بصورة أبدية. فأن تكون حديثاً يعني أن تكون جزءاً من عالَم؛ كل ما هو صُلب فيه يتبدد ويغدو أثيراً."
وقد عبَّرت عن كل هذا فلسفات كثيرة معادية للعقل والكليات والمطلقات، من مثل: البرجماتية، وفلسفات الحياة (برجسون)، ثمّ تلتها الفنومينولوجية كنوع من محاولة الوصول إلى تعريف للحقيقة يتجاوز ثنائيات؛ الذات والموضوع، والتجاوز والكمون، والثبات والحركة، والغائية والعدمية، عن طريق فكرة الوعي والقصد؛ إذ لا توجد الذات إلّا من خلال الموضوع، ولا يوجد الموضوع إلّا من خلال الذات؛ بمعنى أنّه قد يمكننا أن نصل إلى الحقيقة الكلية دون الحاجة إلى تجاوُز أو ثبات أو غائيات أو ثنائيات.
وكأنّي بهذه الإشارات المركزة بلغت، بقصد أو من دونه، إلى هذه الخلاصة المركبة التي سأسوقها من كتاب لأحد الغربيين؛ فبعد أن صدّر الفقرة بتوضيح، ختمه بتساؤل مركزي، فقرر أنّه قبل المضي قُدماً في توضيح ما يرغب في كشف اللثام عنه من مرجعيات عند جاك دريدا، تساءل: هل من الممكن أنّ استعمال مصطلحات من مثل "المقدس"، و"الإيمان" في خطاب هيئة شبه لاهوتية يُشكِّل تحكّماً في تغيير وجهتها بلا سبب وجيه؟. تحدث وقرر أنّ دوركايم يذكر بأنّ ما يدل عليه النشاط الديني أمر حقيقي، حتى وإن كان ليس بالطريقة التي يتصورها الدين نفسه. فالفينومينولوجيا، التي تشغل نفسها بظهور الحقيقة، تَعدّ قلقها حيال هذا الأمر مشروعاً، حتى وإن تم من غير التزامات دينية بالمعنى الدقيق؛ لأنّ المقدس، من وجهة نظره، ليس بالضرورة مرادفاً لعالَم آخر إلهي، غير العالم الدنيوي. فالقضية ليست قضية أنّ عوالم أخرى غيبية ولاهوتية قد تكون مقدسة، وإنّما معظم الأشياء الدنيوية المتعينة، مثل: الصخور، والأشجار، والجداول، والحصى مقدسة أيضاً.
أفليست هذه إلّا حلولية مادية كمونية؛ تُسقِط القداسة على العالَم المادي، وتعرّيه من تواصله مع عالَمه المتجاوِز؛ أي تجرده من كونه مخلوقاً لله، ويستحيل أن يحل فيه الله، أو يستغني بقانونه الداخلي بوصفه مرجعيته النهائية، كما يستحيل أن يستغرق ماهيتَه عقلُ/ إدراك أي إنسان؛ إذ إن وجوده مستقل عن ذهن هذا الإنسان، الذي ما هو إلّا جزء من كل مستويات الوجود من جهة، وما الوجود الطبيعي إلّا جزء من إدراكه من جهة ثانية.
رابعاً: مداخل القراءة المعرفية: كيفيات التجلي
كنت ذكرت في مقدمة هذه الورقة أنّ المسيري يمتلك نموذجاً معرفيّاً/(رؤية معرفية) متماسكاً ينتقل به بين خبايا كل القضايا والظواهر التي يتعرض لها بالدرس والتحليل؛ أي ما نـزعم أنّه يُشكِّل نسيج بنائه الفكري؛ أي يتخلل ثنايا ناظمه المعرفي حتى صار لحمته وسداه، ويتوصل إليه المتلقي، كما نوهت في دراسة سابقة، دون إجهاد سوى إجهاد المطالعة الجادة، والنظر الفاحص الذي لا يتيه صاحبه وراء المعلومات؛ فتستغرقه لأنّه يأخذها شذر مذر، ولا يستطيع التركيب ليمسك بالخيط الناظم الذي يلم شعثها.
ومن النتائج الفورية لذلك أنّ بعضهم يتساءل مستنكراً: ما علاقة المجاز بالتوحيد؟ مثلاً، أو ما دخل لباس (T-shirt) في البناء التركيبي للرؤية المعرفية؟ وأيّة حلولية أو علمانية تلحقه وهو يستر العورة لا غير؟ فأيّ حديث عن العلمانية، والرؤية الكامنة والتوحيد؟.
إنّ التسلح بالقراءة المعرفية هو الذي يجعلنا نحصّل الثمار المرجوة، أمّا قراءة المعلومات فتقودنا إلى متاهات التفاصيل، وتحرمنا من الإمساك بزمام هذا النموذج. وإذا كانت المداخل الثلاثة التي تعرضت لها على نحوٍ مركز ومكثف، هي المعالم الكبرى لولوج فكر هذا المفكر. فما مصداق ذلك؟ وكيف تتجلى هذه المداخل في كتابات المسيري؟ وكيف تكون هي البوصلة التي توجه القضايا الصغرى والكبرى؟
الحق أنّني لن أطيل في سرد هذه التجليات، وإنّما سأكتفي ببعض ما يفي بالغرض فحسب، وهو نصوص منتقاة من المؤلف دون تعليقات مني إلّا ما كان للربط.
يذهب المسيري إلى أنّ علاقة الدالّ بالمدلول، مثلاً، ليست كما قد تبدو مجرد إشكالية لغوية محضة عندما تناقش، إنمّا هي في واقع الأمر قضية علاقة العقل بالواقع، والإنسان بالطبيعة/المادة، والإنسان بالله؛ فهي إشكالية مرتبطة بمفهوم المدلول المتجاوِز. ولنفهم المعنى الدقيق لهذا المصطلح؛ إذ يقول المؤلف: سنطرح فكرة بسيطة جدّاً، وهي أنّ لكل شيء مركزاً، ومن دون هذا المركز، فإنّنا لن نعرف للشيء بداية، أو نهاية، أو اتجاهاً؛ أي إنّه ستسود الفوضى والنسبية. واللغة لا تختلف عن أيّة ظاهرة إنسانية؛ إذ لا بُدّ أن يكون لها مركز، وإن لم يكن لها مركز فإنّ الكلمات (الدوال) ستكون في حالة فوضى كاملة. ولنضرب مثلاً، إن قلنا جملة بسيطة، مثل: "كان يا ما كان". هذه الجملة تفترض وجود متكلم ومستمع، وماضٍ وحاضر ومستقبل، وذات وموضوع، ومن دون افتراض هذه الأبعاد فإنّنا سنضطر أن نسأل: مَن يتحدث مع مَن؟ أين كان ما كان، وأين سيكون ما سيكون؟. ولنأخذ جملة بسيطة أخرى مثل: "سأذهب إلى الكلية غداً". هذه الجملة تفترض أيضاً وجود حاضر ومستقبل، وإرادة إنسانية، وسبب ونتيجة. ولكن، ما ضمان صدق الافتراض؟ وما ضمان مطابقته للواقع؟
الضمان الوحيد هو وجود شيء متجاوِز للحاضر والمستقبل والإرادة الإنسانية والسبب والنتيجة، يضمن وجود هذه العناصر واستمرارها على الرغم من تجاوزٍ إيّاها. هذا الشيء هو "المدلول المتجاوز"، الركيزة الأساسية (المبدأ الواحد- اللوجوس) لكل الدوال، يقف خارج لعب الدوال، فهو موجود قبل وجودها، وهو "غير ملوث" بهذا اللعب، وهو ليس جزءاً من اللغة التي لا يمكن أن تصبح أداة للتواصل إلّا بتوقف لعب الدوال، وانـزلاقيتها، وانفصالها عن المدلولات. ووجود مدلول متجاوز (مفارق) هو الطريقة الوحيدة لكي نخرج من عالَم الحس والكمون والصيرورة، ونوقف لعب الدوال إلى ما لا نهاية، ونحرز التجاوز والثبات، ونؤسس منظومات فلسفية ومعرفية وأخلاقية.
يمكننا في هذا المقام أن نسرد مئات النصوص لنمثّل لما زعمناه، لكنّ ذلك سيضطرنا إلى إعادة كتابة كل مؤلفات المسيري. لذلك، سنمضي إلى تمثيلٍ آخر عن العلمانية، ومن مجال العلمنة الشاملة للسلوك؛ ففي هذا الإطار تتم العلمنة الشاملة للملابس، بل ويمكن، كما يذكر المؤلف، الحديث عن تاريخ هذه العلمنة ومتتالياتها؛ إذ تبدأ عملية العلمنة (في العالَم الثالث) بعملية تغريب الزي، ويصبح ارتداء الزي الغربي علامة على اتساع الأفق، والحس الواقعي والعملي(...). وبدلاً من أن يكون هدف الرداء تغطية الجسد، أصبح هدفه؛ إمّا جذب الأنظار إلى الجسد، وتعميق الإحساس باللذة، والتسخين الجنسي، أو مساعدة الإنسان على أداء وظيفته. كما أنّه بدلاً من الفستان والبدلة، بدأ الاتجاه نحو"التبسيط" إلى أن يصل إلى "التي شيرت" الذي يحوّل الإنسان إلى حيّز يمكن الإعلان من خلاله، وبنطال "الجينـز" الذي ليس له أيّ انتماء حضاري، و"الميني سكيرت" التي تقترب من حالة الطبيعة، ثمّ أخيراً "الميكرو سكيرت" التي تعلن نهاية التاريخ والحضارة والملابس. ثمّ يضيف المؤلف ملاحظته: لاحظت أنّه قد ظهرت أشكال أكثر عريّاً من الملابس النسائية في الغرب مثل ما يسمى "فوق البطن" (بالفرنسية demi ventre) التي أخذت تنتشر في بلاد العالَم الثالث، وأصبحت علامة على سعة الأفق والتفتح ومواكبة التطور!.
ومفهوم التقاليع (الموضة) يُعَدّ من أهم آليات العلمنة؛ فالتقاليع تعني التغيير الدائم، والتطلع نحو الاستهلاك، وهي تجسد رؤية العالم كمادة متحركة وآلية كبرى للترانسفير.
خاتمة:
عندما يقول أحد نقاد الأدب أو مبدعيه، والأدب للتمثيل فحسب، عن الرومانسي أو الحداثي؛ إنّه أصبح مركز الكون، ومنبع القيم جميعها، وإنّه يجعل من نفسه مقياس كل شيء في الوجود، وينطلق وراء اللامحدود والمطلق حتى يمتلكه؛ يُهلَّل لمثل هذا الكلام في كثير من الكتابات العربية، ويُدرّس لتلامذتنا وطلابنا، وكأننا لا نرى فيه، عند حَسنِي النوايا منا؛ إلا صياغته المنتشية المُنشية، وتعبيره الأدبي الذي ينبغي إبعاد الفكر والفلسفة عن النظر فيه، وممارسة العملية النقدية الحقة حوله. أو نرى فيه، عند مَن يعنون ما يقولون؛ إنّه الحرية الأدبية، والاكتناه، والإبداع، والمغامرة الفردية المتمردة.... ونطمس، عند هؤلاء، وهؤلاء، الخلفيات والنماذج المعرفية الكامنة التي تحرك مثل هذه الأقاويل، بلغة حازم القرطاجني، ونغفل عن أنّ هذا الكلام عند أهله؛ أي المنظومة الفلسفية والمعرفية الغربية، إنّما أطلقته حناجر أبنائها؛ لأنّها فعلاً كانت إبانه تعلن موت القيمي، وتيه الإنسان، وتمرده، وتألهه...، وزعمت أنّها إنّما تدرك طبائع الموجودات علماً، وتدرك قيمها عملاً، ناسية أنّ ذلك فوق طورها، وأنّه طمع في محال.
ونغفل عن أنّ ذلك عند كثير من أصحاب التبعية من أهلنا، إنّما أطلقته حناجرهم وهم يجهلون أبعاده الكامنة تلك، أو يكتفون بقول: إنّ الشاعر يحق له أن يكتب ما يشاء، بالطريقة التي يشاء، ولا يتقيد بالقيم التي تواضع الناس عليها.
عند هذا الحد من طرق التفكير المختزِلة جمّاعة المعلومات؛ لا بُدّ من الإعلان عن أنّنا في حاجة إلى مثل ما ندب المسيري نفسه من أجله، وتحديد أنّ القضية أكبر ممّا تبدو عليه، وهي فعلاً نـزعات تكمن خلفها رؤى حلولية، أو علمانية كُلية تحركها، فوجب التنبيه لاستحضار خلفية توحيدية كامنة هي التي تضع أيدينا على الحقيقة النسبية التي لا تَختزِل، ولا تقول بامتلاك المطلق؛ إذ الإحاطة ليست من طور الإنسان. ومن زعمها؛ فبناؤه على باطل، وطمع في محال؛ وبذلك يكون في مقدورنا أن نرى وراء التنوع وحدة تحرِّك، ونلمّ ما يبدو لقصّار النظر مبعثراً لا رابط بين جزره، وننسبه إلى خلفيته الكامنة، وإلى كليّه المختبئ في الظلال، وتلتقطه العين البصيرة، وتكشفه للمتلقين، وتتيحه لهم، وتعْلمهم أنّه حلولية قابعة، أو استخلاف يشد العضد.

إضافة تعليق

12 + 2 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.