ملاحظات أولية حول النقد الأدبي

لا شك أن موضوع العلاقة بين الأدب والنقد أو بين الأديب والناقد يمثل أحد أكثر المواضيع معالجة وتمحيصاً ودرساً، ذلك أن العلاقة الجدلية، بل وربما الإشكالية، التي تربط بين الطرفين تتطلب الكثير من الأبحاث والدراسات النظرية والتطبيقية، ناهيك عن أن وجود أحدهما شرط لوجود الآخر، فلا وجود للنقد بدون وجود نص أدبي، كما لا يمكن أن نتخيل وجود نصوص أدبية إبداعية من دون قلم الناقد، فهذا الأمر بات من البديهيات بمعزل عن مستوى النص الأدبي وكذلك مستوى النقد المواكب له.

والنقد الأدبي في أبسط تعاريفه، هو محاولة لإضاءة جوانب ملتبسة ومبهمة في النص الأدبي، ولإبراز جمالياته اللغوية والأسلوبية والبلاغية، وشرح أبعاد ودلالات المضامين الواردة في متن النصوص. ورغم وجود العديد من النظريات الجمالية والمناهج النقدية التي تضبط قلم الناقد، وتوجه بوصلة النقد في هذا الاتجاه أو ذاك، بيد أن النقد لابد له من أن يخضع لمزاج الناقد وذائقته ومرجعياته الفكرية، وبالتالي فهو يعتمد على الاجتهاد الشخصي مثلما يستعين بنظريات النقد الأدبي. ومثل هذه الممارسة النقدية؛ المعتمدة في جزء منها على الجانب الذاتي الوجداني، تفسح في المجال أمام انقسامات بين النقاد حول النص ذاته، ومن النادر أن نجد إجماعاً أو اتفاقاً بين النقاد حول اسم أدبي معين. ومثل هذا التباين يترك الباب مفتوحاً دائماً أمام معارك في ميدان الأدب لم تنته منذ العصر الجاهلي وحتى اللحظة، ويمكن أن نستخلص من ذلك بأنه لا يوجد نقد أدبي صائب وآخر خاطئ، وإنما يوجد نقد أدبي أكثر قدرة على تأويل العمل الفني وتفسيره من غيره وذلك تبعاً لذائقة الناقد والمنهج النقدي الذي يتبعه.

وثمة في المقابل مقاييس ومعايير يعتمدها الأديب حتى يتمكن من صياغة نص أدبي ذي قيمة جمالية وفنية. ومن هذه المعايير، مثلاً، طبيعة الأفكار والمضامين التي يطرحها الأديب في نصه، ومدى قدرته على استثمار طبائع الخيال والصور الشعرية الجذابة، وكيفية توظيفه للغة، والبلاغة الأسلوبية التي يعتمدها في اختيار تراكيبه ومفرداته وعباراته. ومن النافل القول إن المضامين المهمة والقضايا الكبرى المطروحة في النص الأدبي تفقد أهميتها ما لم يتمكن الأديب من طرحها ضمن قالب جمالي رشيق وسلس وبليغ يجذب القارئ، ويستطيع أن يستفز الناقد الحصيف.

وفي الحديث عن العلاقة بين النقد والأدب يطول الكلام ويتشعب، فالنقد الأدبي، من حيث المبدأ، هو إبداع يكاد يوازي في قيمته الأدب ذاته، ولنا في كتابات عبدالله الغذامي وجابر عصفور وصلاح فضل وعبدالفتاح كليطو وعبدالكبير الخطيبي وعبدالسلام المسدي وكمال أبو ديب ومحمد بنيس ومحمد برادة وأدونيس... وسواهم أمثلة تبرهن على ما نقول، وفي المقابل ثمة قامات إبداعية لا يمكن تجاهلها مثل محمود درويش ونزار قباني ونجيب محفوظ والقائمة تطول كثيراً، وإذا ما عدنا إلى الوراء، عقوداً أو قروناً، سنعثر على أسماء تضيق بها مجلدات ضخمة.

وعلى اعتبار أن هذا الملف يهتم بجدلية العلاقة بين الأديب والناقد، فإن هذه المساهمة ستركز على بعض الملاحظات الأولية التي يمكن تسجليها لدى متابعة بعض ما يكتب من نقد أدبي في العالم العربي، وبالتالي الكشف عن جوانب من تلك العلاقة الشائكة. طبعاً، قبل ذلك، لابد من التنويه بكتابات نقدية لافتة، وبأقلام عالية المستوى استطاعت بمهنية وحرفية أن تضيق الهوة بين النص والقارئ، مثلما تمكنت من تنبيه الأديب روائياً كان أم شاعراً أم كاتباً مسرحياً، إلى مواقع الخلل في نصه، أو إلى الأبعاد الجمالية والفنية فيه. لكن الملاحظ أن هؤلاء قلة ضمن المشهد النقدي الأدبي الذي بات يفرز أشباه النقاد ممن يقتاتون على زاد الآخر، ويسطون على جهود الناقد الحصيف، في ممارسة نقدية مضطربة ومرتبكة... ويمكن هنا التذكير ببعض وجوه أو أشكال هذا النقد الرديء:

- نقد النسخ واللصق (الكولاج): وهو عبارة عن نقد يستلزم من كاتبه القيام بجولة واسعة في الشبكة العنكبوتية (الإنترنت) مستعيناً بسيد محركات البحث (غوغل) الذي يعرض أمامه، وفي ثوان قليلة، كل ما كتب عن الديوان الشعري أو الرواية التي يستعد للكتابة عنها، ولأنه لا يستطيع أن يختار نصاً نقدياً معيناً وينسبه لنفسه (رغم أن ثمة استثناءات هنا أيضاً)، فإنه يضطر إلى اختيار جملة من هنا، وفقرة من هناك، وعبارة من هنالك، ويقوم بعد هذا الجهد التجميعي بعملية اللصق، ليضع توقيعه أسفل المقال ويرسله إلى المنبر الإعلامي الذي يعمل لصالحه. ولئن كشفت ألاعيبه، فإن العقوبة، في أسوأ الأحوال هي الحرمان من الكتابة في المنبر الإعلامي المعني، وإذا لم يكتشف، فسيستمر في لعبته الرخيصة مستغلاً الفوضى الطاغية في عالم النشر، وغياب قوانين حقوق الملكية الفكرية.

- نقّاد اللغات: والمقصود أولئك النقاد الذين يتقنون لغة أجنبية أو أكثر، ويستحسن هنا أن يتقن لغة غير رائجة كالفارسية أو التركية، مثلاً، لأن اللغة الأجنبية الرائجة كالإنجليزية قد تكتشف بسهولة بحكم شيوعها. لكن اللغات غير الرائجة تستعصي على الكشف. نقاد اللغات هؤلاء يقتبسون ما شاء لهم الاقتباس من دوريات وكتب وأبحاث أجنبية حول النقد الأدبي دون الإشارة إلى المصدر، ويقومون بترجمة فقرات نقدية ثم يطبقونها على النص الذي ينقدونه.

- النقد بغرض تصفية حسابات شخصية: هنا حدّث ولا حرج، فطبيعة العلاقة الشخصية التي تربط بين المبدع والناقد تتسرب إلى بنية الكتابة النقدية، فإذا كانت العلاقة جيدة ومتينة، فإن الناقد هنا يسخّر قلمه لمدح النص والإشادة به بمعزل عن مستواه الحقيقي، أما إذا كانت العلاقة متوترة، فإنه يسلك الطريق المعاكس، إذ يبحث في النص عن الهفوات والأخطاء مهما صغرت، ويحشد عبارات الذم كلها بغرض التسلح جيداً لشن هجوم عنيف على هذا الأديب الذي ارتكب خطيئة لا تغتفر. من هنا نفهم السبب وراء نشوء الانقسام الحاد بين ناقد وآخر في تقييم نص واحد، فالاختلاف في وجهات النظر إزاء نص ما مشروعة، فنحن لا نزعم أن ثمة طريقة واحدة فحسب لقراءة النص، بل تتعدد الطرائق والأساليب. ثمة من يركز في نقده على البنية السردية، وثمة من يقتصر على جماليات الصورة، وثمة من يتناول الشخصيات وثمة تباينات وفقاً لمرجعيات الناقد الفكرية والثقافية والأيديولوجية.. لكن أن يصل هذا الاختلاف إلى حد الانقسام والتعارض، فإن ذلك يدعو إلى التساؤل والبحث عن تفسير خارج النص! سنكتشف، عندئذ، أن المديح بلا حدود والهجاء بلا حدود ينطلقان من طبيعة العلاقة التي تربط بين الناقد والمبدع، والضحية هنا، دون شك، هو التحليل النقدي الرصين الذي يفترض أن يكون منزهاً عن الإغراض والأهواء الشخصية.

- النقد الأدبي الصحافي: ونعني هنا النقد الأدبي الذي يأخذ الطابع الإخباري، ويمارسه عدد من الصحافيين الذي لا يمتلكون، بما فيه الكفاية، أدوات النقد الأدبي وأساليبه وطرائقه. هنا، ثمة كتابة تبسيطية سطحية تكرر مقولات معينة، ولا تغوص إلى أعماق النص ورؤية جماليته، بل إن بعضهم يكتب بهذا الشكل العابر عن نص ما دون قراءته.

- الناقد الرقيب: من يتابع، قليلاً، كتابات النقد الأدبي العربي سيعثر على مواقف، ووقائع، وآراء محزنة؛ بل ساذجة، لأنها كتابات تبدو وكأنها تقف ضد النقد وتحارب دوره ووظيفته. من البديهي أن تمنع الرقابة نصاً روائياً أو ديواناً شعرياً فهي وُجدت لهذا الغرض. ومن الطبيعي، كذلك، أن يطلق المجتمع أحكامه على عمل أدبي. لكن الغريب، حقاً، وسط هذه القيود القادمة من فضاء خارج النص كي تكبح انطلاقته ورحابته، أن يتورط النقد الأدبي، بدوره، ويتواطأ مع من يطالب بتقييد الإبداع. وثمة أمثلة كثيرة في تاريخ الأدب العربي القديم والحديث تبرهن على وقوف بعض النقاد إلى جانب الرقيب والسلطة الرسمية بدلاً من الانحياز إلى سحر الأدب وحرية الإبداع.

على الناقد أن يحاسب الأديب على عثراته، وأخطائه، وهفواته، وأن يسترسل، ما شاء له الاسترسال، في ذم النص الركيك والمرتبك والمضطرب، أما أن يحاسبه لأنه كان جريئاً، ونبيهاً، وصادقاً، وحراً وأميناً لرسالة الأدب ودوره في الكشف والرفض والاحتجاج، فذلك ليس من طبائع النقد أصلاً، لأن النقد يكون، عندئذ، قد خان وظيفته الرئيسة المتمثلة في ذم الرديء، ومدح الجوانب المضيئة في هذا النص أو ذاك.

إضافة تعليق

1 + 2 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.