يا حكماء العرب! غزة تحترق بين أيديكم وأمام أنظاركم

يا حكماء العرب المعتدلين، وقادتَهم الأشاوس؛ خُدّامَ القيم الأصيلة لأمتكم!! لقد جربناكم سنين دأباً، وجنينا الكثير من حكمتكم وبأسكم، وبتنا نعرف يقيناً حسن نواياكم، ونبل مقاصدكم، وبعد أنظاركم ومراميكم..
لم يفُتنا أن ليفني لم تطرق بابكم عشية المحرقة لتعلمكم بعزمها على قصف غزة، وهدمِ منازلها، وقتلِ أطفالها، وتحويلها إلى أرض محروقة، تعهدُ بعدها إلى أبرع معمارييها المدنيين والعسكريين الإسرائيليين بإعادة بناء حجرها وبشرها؛ وفق أحدث التصاميم التي ستوفر الأمن والسلام للشعبين المتصارعيْن صراع البقاء.. لم نكن بحاجة إلى أن تبوحوا لنا بالسر الذي كتمتُموه عنا أربعة أيام منذ بداية المحرقة؛ في أنكم استدعيتموها لتحذيرها من المساس بأهل غزة، فنحن نعرف رقة قلبكم وشفقتكم ورهافة حسِّكم وشفافيتكم..
لم نكن بحاجة إلى أن تكشفوا لنا سر إحكامكم إغلاق معبر رفح، وسماحكم بفتحه لاستقبال بضع عشرات من مئات الجرحى، و لتمرير بضع شاحنات تحمل بعض المؤن والأدوية؛ لا تسمن ولا تغني من جوع ولا ترقأ من جرح ولا توقف من نزيف..
لقد كنا نعرف يقيناً حرصكم على توحيد الصف الفلسطيني؛ على طريقتكم الحكيمة في إقصاء كل الفصائل والفئات المتشبثة بأرضها وحقها الإنساني الطبيعي في مقاومة الاغتصاب والعدوان، والتمكين للطرف المعتدل المسـاوم اللاهث وراء سـراب مدريد و أوسلو و آنا بوليس، وفتح المعبر له بعد تسليمه الأرض المحروقة. نعرف ذلك، مثلما نعرف حرصكم على توحيد الصف العربي، وتعطيل اجتماعات قمته، حتى على مستوى وزراء خارجيته، إلى أن تفرغوا من ترتيب البيت العربي الداخلي، وإسكات كل صوت نشازٍ؛يعزف على قيثارةٍ تحكي آلام شعوبكم وأحزانها، فتزعج أسماعكم، وتقلق راحتكم. الآن.. يا حكماء العرب! غزة تحترق.. صاروخ أهلها؛ ليس أكثر من صراخ جريح في وجه قنابل الإجرام التي تتساقط فوق رأسه.. ليس أكثر من صراخ الأم الثكلى التي فقدت بناتها الخمس دفعة واحدة، ثم راحت تبحث عن باقي أولادها لتنتشلهم من تحت الركام.. صراخ بنت الرابعة وشقيقتها ابنة الحادية عشرة قبل أن تلفظا أنفاسهما.. يا حكماء العرب!! نعرف أن أسلحتكم التي شددنا على بطوننا لنبتاعها لكم، قد أسكتُّموها وادخرتموها لعدوٍّ مفترض رحتم تستعْدونه، بديلاً عن عدوكم الذي انقلب فجأة إلى صديق تستقبلونه بالأحضان، فماذا عن ألسنتكم التي أسكتموها، وانكفأتم إلى شعوبكم تكمون أفواهها، وتحرمونها حتى من حق الأنين؟! الآن- يا حكماء العرب!! غزة تحترق.. ولهيبها – إن استمر- لا بد أنه سيلفح وجوهكم ويهز عروشكم.. تحركوا فوراً!! استنفروا ضمائركم!! استعيدوا نخوتكم ومروءتكم وشهامتكم!! اذكروا عروبتكم وقيمها الإنسانية الرفيعة!! افعلوا أي شيء لإنقاذ غزة!! افعلوا أي شيء لحقن دماء أطفالها ونسائها وشيوخها وشبابها!! لا تغرنكم غطرسة إسرائيل وصعودها الراهن، فإنما هي عرض زائل، وإن التاريخ حافل بأمثالها من الطغاة والمغامرين المستبدين العابثين بأمن الشعوب وكبريائها، قد طواهم في حاوياته، وتجاوزهم ليعيد للإنسانية توازنها، ويتيح للشعوب المقهورة استئناف تقدمها وحضارتها.. يا حكماء العرب!! إذا لم تتقوا الله في شعوبكم، فاتقوا نقمة التاريخ الذي لا يرحم!! وتخيروا مكانكم في سجلاته بين أبطاله الرواد الخالدين الذين سلكوا بشعوبهم سبل النصر والكرامة والازدهار، أو بين حثالته الذين أوردوا شعوبهم موارد الذل والهوان، وأسلموهم إلى أعدائهم ليكونوا لهم خدماً تابعين.. ولتثقوا أن الشعوب لا تستسلم. محمد عدنان سالم رئيس اتحاد الناشرين السوريين

إضافة تعليق