منهج الطبري في تاريخه

بدأ الإمام الطبري حياته العلمية بدراسة الحديث، فكان حريًّا أن يتأثر بمنهج المحدثين في جمع الرواية التاريخية والاهتمام بسندها، فكان يجمع مأثور الروايات ويدونها مع إسنادها إلى مصدرها مثل: شيخ تتلمذ عليه، أو عدل شارك في الحادثة أو كان له علم بها، أو كتاب تدارسه بالسند المتصل قراءة وسماعًا وإجازة. فكان في الغالب يلتزم وجهة المحدثين في الاهتمام الذي ينصب على الإسناد، حيث يثبته في معظم الأحيان في الروايات.
يقول في هذا الشأن في مقدمة تاريخه: "وليعلم الناظر في كتابنا هذا أن اعتمادي في كل ما أحضرت ذكره فيه، إنما هو على ما رويت من الأخبار التي أنا ذاكرها فيه، والآثار التي أنا مسندها إلى رواتها فيه دون ما أدرك بحجج العقول واستنبط بفكر النفوس.. إلا القليل اليسير منه".

وهكذا أكد الإمام الطبري حرصه على إسناد كل خبر إلى قائله، وأنه لن يسمح لحجج العقول وفكر النفوس أن تتدخل في التفسير والاستنباط، في الكتابة والتدوين أثناء جمع المادة، وما ذاك إلا حرصًا منه على جمع ما قيل كله أو جله من وجهات نظر متعددة إن كانت، وبعد ذلك تحصل الموازنة والمقارنة، والاستنباط والقبول والرد لمن يريد.

ولما كان تاريخ صدر الإسلام -خصوصًا فترة الفتنة- أكثر حساسية من غيره؛ إذ فيه روايات أملتها عاطفة الرواة أو الاتجاهات السياسية أو اختلاف وجهات النظر والفهم، ونظرًا لأن الروايات تتأثر بعوامل مختلفة كالنسيان والميول والنزعات فيصعب الجزم بدقتها وسلامتها، فإن هذا مما يجعل إبداء الرأي فيها أو إصدار حكم بشأنها يبدو معقدًا للغاية.

ولهذا قام الإمام الطبري -رحمه الله- وهو يعرض وجهات النظر المختلفة لرواته ومصادره باتباع طريقة جمع الأصول وتدوينها على صورة روايات، المسئول عنها رجال السند، أي الرواة الإخباريون. وقد برهن على ذلك في قوله:

"فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما ينكره قارئه أو يستشنعه سامعه، من أجل أنه لم يعرف له وجهًا في الصحة ولا معنى في الحقيقة، فليعلم أنه لم يؤت في ذلك من قبلنا، وإنما أتى من قبل بعض ناقليه إلينا، وأنَّا إنما أدينا ذلك عن نحو ما أدي إلينا".

ومن منهجه أيضًا الحياد، فهو يعرض مختلف وجهات النظر دون تحزب أو تعصب، وإن كان له رأي خاص فيظهر أحيانًا في اختياره للروايات وإيراد بعضها وترك البعض الآخر، متجنبًا إعطاء حكم قاطع في القضايا التي يتعرض لها، حتى إنه لا يفضل رواية على أخرى إلا نادرًا.

وقد أدى به التزام هذا المنهج إلى الحرص على إيراد الروايات المختلفة للحادث أو الخبر الواحد، وعند المقابلة بين الروايات يستعمل تعبير: "واختلف في كذا" ثم يعقبه باستعراض الروايات المختلفة لرواته كقوله: فقال بعضهم.. وقال بعضهم.. وقال هشام بن الكلبي..، وكقوله: وذكر عن فلان أنه قال.. وحدثنا فلان.. وقال آخرون.. وقال بعضهم.. (4/174).

إلا أن النقد والمقابلة يظهر جليًّا في عدد من الأخبار التي ترد في نهاية الحوليات كالوفيات والصوائف وتعيين ولاة الأقاليم وأمراء الحج، ومثال ذلك في قوله: "وفي سنة كذا توفي أبو العباس يوم.. بالجدري. وقال هشام بن محمد الكلبي: توفي يوم.. واختلف في مبلغ سنه يوم وفاته. قال بعضهم.. وقال بعضهم.. وقال الواقدي.. (4/470)، وقوله: "وغزا الصائفة في سنة كذا فلان، وقال الواقدي إن الذي غزا الصائفة في هذه السنة فلان" (8/241).

وهكذا إذا كان للحادث روايات مختلفة اعتقد الإمام الطبري بوجوب ذكرها لتكتمل الرؤية عنه. لكن مع اجتهاده في تدوين كل ما يمكن تدوينه من الروايات والأقوال من الخبر الواحد، فإذا وصل إلى موضوع مطول مختلف فيه قطعه ليذكر مواضع الاختلاف مشيرًا إليها (4/466، 468، 469). فإذا ما انتهى منها عاد إلى المتن -أي إلى الموضع الذي وقف عنه- فيمهد للكلام بإشارة تدل على استئنافه كأن يقول: "رجع الحديث إلى حديث فلان.." (4/470).

وما يلاحظ أن هذه الطريقة تربك القارئ، فتنسيه الحادث الأصلي، إذ تشكل عقبة أمام الوحدة الموضوعية للحادثة التاريخية، وربما كان الأفضل عرض كل رواية عرضًا متكاملاً من أوَّلها إلى آخرها، الواحدة تلو الأخرى، وبهذا العرض الكامل تتكون لدى القارئ فكرة واضحة عن الموضوع وعن الأوجه المختلفة فيه، فيستطيع أن يوازن بين جميع الآراء، ويرجع بعضها على بعض، فتتكون بذلك لديه نظرة إيجابية عن الموضوع.

وقد راعى الإمام الطبري في ترتيب تاريخه تسلسل الحوادث، فرتبها على حسب وقوعها عامًا بعد عام منذ الهجرة إلى نهاية عام 202هـ (914م). فذكر في كل سنة ما وقع فيها من الأحداث التي رأى أنها تستحق الذكر.

ويختلف حجم الحوليات لديه حسب كثرة وقوع الحوادث فيها أو قلتها وأهميتها وبلوغ أخبارها إليه، فيطيل ويقصر وفق ذلك، فبعض الحوليات لا تعدو أسطرًا (سنة 25)، وبعضها صفحة أو صفحتان (سنة 29، 48، 70)، والبعض الآخر يزيد طوله على مائة صفحة (سنة 35، 36)، وإذا كانت الحادثة طويلة، فيجزِّئها حسب السنين التي تستغرقها.

أما طريقته في سرد أحداث كل حولية فليست على نسق واحد، فتارة يذكر الحادث التاريخي ثم يبدأ في ذكر تفصيله والروايات فيه (4/442)، وتارة يذكر جملة الأحداث التي كانت هذه الحولية ثم يعود إلى تفصيل بعضها (4/317)، وتارة ثالثة تقتصر الحولية على جملة من الأحداث في بضعة أسطر (4/250)، وفي ختام الحولية يذكر بعض من توفي في تلك السنة من المشهورين، لكن هذا ليس مضطردًا، أما الذي لا يكاد يتركه غالبًا في ختام كل حولية فذكر أسماء عمال الأقاليم أو أمراء الحج أو هما معًا في تلك السنة، وفي الحوليات التي أعقبت حركة الفتوح يحرص على ذكر أخبار المرابطين على الثغور للجهاد، كما يسمي الصوائف والشواتي، والحصون والمدن التي استولى عليها المسلمون.

وبالنسبة للأخبار التي لا ترتبط بزمن معين كالسير مثلاً، فقد كان يختم بها الحديث عن كل خليفة عند وفاته، فبعد أن يذكر الأحداث في عهده مرتبة على السنين يختمها باستعراض سيرته دون التقيد بعامل الزمن.

ومما ينبغي أن يذكر أن الإمام الطبري لم يتقيد بطريقة الحوليات في كل كتابه، وإنما اتّبعها في الحوادث الخاصة بتاريخ الإسلام.

أما في القسم الرابع -أي منذ الخليقة إلى الهجرة- فقد اتبع منهجًا آخر في عرض الحوادث، فلم يرتبها على حسب وقوعها عامًا بعد عام، إذ كان ذلك متعذرًا، ولكن سار على النهج الذي سلكه أكثر المؤرخين القدماء بالبدء بالخليقة ثم بالأنبياء ثم التعرض للحوادث التي وقعت في أيامهم، وذكر الملوك الذين كانوا يعاصرونهم وأخبارهم، وكذلك الأمم المعاصرة لهم والتي جاءت بعدهم إلى ظهور الإسلام وبعثة المصطفى Description: http://islamstory.com/sites/all/themes/islamstory/images/r_20.jpg

إضافة تعليق

1 + 2 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.