المقاومة المنعطف الكبير في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي

عندما تتعرض أمة (أية أمة) لعدوان خارجي (أي عدوان)، فلسوف تعمد تلقائياً إلى مواجهته بواسطة جيشها النظامي الذي تقوده الدولة ، ونجاحها يتوقف على مدى تفوقها في التسلح والتخطيط والمبادرة وقدراتها الذاتية على المباغتة وقوة الاحتمال.
فإذا أخفقت الدولة وجيشها النظامي في صد العُدوان، لم يبق أمام الأمة إلا أن تتولى بنفسها عبء الدفاع عن نفسها عن طريق المقاومة المسلحة التي تقودها الشعوب متجاوزة بها حكامها. وهو ما يعبر عنه في تراثنا الفقهي بفرض العين الذي يتوجب على كل فرد (من أفراد الشعب) عندما يعجز فرض الكفاية (جيش الدولة) عن النهوض بعبء هذا الدفاع.

هشاشة النظام العربي
وها نحن نرى في حالة الصراع العربي الإسرائيلي طويل الأمد، أن الأنظمة العربية الحاكمة قد أخفقت في تحقيق أي نصر عسكري أو سياسي؛ عن طريق الحرب أو عن طريق السلام، ولم تفلح في تحقيق الحد الأدنى من وحدة الكلمة ووحدة الصف اللذين يشكلان الشرط الأساسي للانتصار في المواجهة، فتشرذمت وتخلت عن قضيتها المحورية المشتركة (فلسطين)، وراح كل منها يتفرد باتخاذ المواقف، وغاب شعار التضامن العربي، وتعطل دور الجامعة العربية، وبلغت القمم العربية من الفشل الذريع حد السخرية في الداخل والخارج، وبلغ إحباط الشعوب العربية ذروته وهو يرى أعلام السفارات الإسرائيلية ترتفع في بعض عواصمها، وأيدي بعض قادتها تصافح اليد الملطخة بدماء إخوانهم وأبناء جلدتهم، قبل أن تجف أو يغسلها من العار، وتستمع إلى ألسنتهم تتجاوز حالة الصمت التي رانت عليها زمناً، لتجهر بخطاب العدو ذاته من دون خجل ولا تأثم.

هكذا نرى العدو قد نجح في ترويض الأنظمة العربية واحتوائها وإلحاقها به وعزلها وتعميق الهوة بينها وبين شعوبها إلا من عصم ربك.
الحرب المستحيلة
ومن دون التورط في توجيه اللوم أو الاتهام إلى الأنظمة العربية، فإننا ندرك تماماً أن النظام الدولي الجديد- نظام القطب الواحد بعد انتهاء الحرب الباردة- قد أخرج الأنظمة العربية وجيوشها من المعركة، وشل فاعليتها، وأحكم قبضته عليها؛ سياسياً من خلال هيمنته على الأمم المتحدة- المحكومة أصلاً (بديمقراطية حق الفيتو!!) -، وعسكرياً من خلال إمساكه بزمام التسلح، وإعلانه عدم السماح للدول العربية مجتمعة أن تحقق تفوقاً تكنولوجياً على إسرائيل. لم تعد أمريكا (النظام الدولي الجديد) تشعر بأي حاجة لتغطية انحيازها الكامل للمشروع الصهيوني، وتضحيتها بكل القيم والمكتسبات التي أحرزتها الإنسانية عبر تجاربها المريرة، ولم تعد تشعر بأي حاجة للتستر وراء دور الوسيط المحايد، أو الصديق الناصح، بل اتخذت لها موقعاً متقدماً في الصف المعادي؛ تأمر وتنهي وتتدخل وتدعم العدوان ، وتمارسه بشكل مباشر؛ مستغلة تفردها وتفوقها التكنولوجي، مصطنعةً الذرائع والمسوغات، مبتكرة نظرياتها عن صراع الحضارات و المطرقة الثقيلة والضربات الاستباقية، لتصول وتجول وتهدد وتزمجر، منكفئةً إلى ثقافة (الكاوبوي) التي ورثتها عن أجدادها. ولم يعد أمام الأنظمة العربية إزاء هذا التفرد والاحتكار المنحاز، غير الإذعان والاستسلام. فحين يكون عدوك مصدرك الوحيد للتسلح ، فمن المنطقي أنه لن يبيعك السلاح الذي تقتله به، وإنما يبيعك السلاح الذي تقتل به جيرانك وأصدقاءك وأهلك، ثم تقتل به نفسك في نهاية المطاف. ولسوف يثير النـزاعات الإقليمية والمحلية التي تستدعي استخدام هذه الأسلحة، ولسوف يشعر- حين يتكرم بالموافقة على إبرام صفقة سلاح معك- بسعادة غامرة؛ مرة لأنه تخلص من أسلحة تقليدية منسقة لديه، فات أوانها، كان يبحث عن مكان يدفنها فيه، ومرة لأنه قبض ثمنها مليارات يغذي بها مصانعه المنهمكة في إنتاج أسلحة متطورة؛ تضاعف من قدراته على إخضاعك وتليين عريكتك، وتزيد من هيبته لديك. ومرة ثالثة يقف فيها مقهقهاً وهو يرى فرائسه التي أغرى العداوة والبغضاء بينها، تقتتل وينهك بعضها بعضاً لتكفيه بعض مؤونة القتال.
ولقد كنتُ بين جمهور المفكر الجزائري مالك بن نبي، بُعَيْد النكسة، وهو يقدم في جامعة الخرطوم نظريته في أن " تكديس منتجات حضارة لا يبني حضارة، وإنما الحضارة هي التي تلد منتجاتها" حين ختم محاضرته بقوله: " لذلك فإن الأسلحة التي تكدست في أيدينا عام 1967 أبت أن تطيع غير صانعيها". فلئن كانت دولنا في مرحلتنا الحضارية الراهنة عاجزة عن إنتاج السلاح لجيوشها، فعلام تبدد ثرواتها في تكديس سلاح لا ينفع؟!
هل بقي أمام شعوبنا إزاء هذا العجز إلا أن تمارس حقها في المقاومة؛ خيارها الوحيد دفاعاً عن الأرض والعرض؟!
المقاومة؛ الأمل والرهان
? خياراتها أوسع من ضرورات الأنظمة؛ فلئن كانت الأنظمة مرتبطة بقوانينها ودساتيرها و (روتينها) وإمكاناتها في الداخل، وباتفاقياتها الدولية والتزاماتها تجاه الأسرة الدولية وقراراتها في الخارج، فإن المقاومة سيدة قرارها، غير مرتبطة بغير عقيدتها ومبادئها وسندها الوطني في الداخل والخارج معاً. ولئن كانت الأنظمة مرهونة فيما يتعلق بتسليح جيوشها وتحقيق التفوق التكنولوجي لها،لمصادر التسلح الاحتكارية الانتهازية المنحازة كلياً لعدوها. فإن سلاح المقاومة منبثق من ذاتها وإيمانها العميق بعدالة قضيتها؛ توفره بدءاً من الحجر الذي تلتقطه من بقايا بيتها المهدم ، والبندقية التي تنتزعها من يد عدوها، والصاروخ الذي تصنعه في ورش الحدادة.
? وشرعيتها مستمدة من القيم الإنسانية العليا، ومن حق الإنسان الطبيعي في الدفاع عن النفس، ومن الإذن الإلهي ]للذين يقاتَلون بأنهم ظُلموا[ ومن ثقتهم المطلقة بأن {الله على نصرهم لقدير }.
المقاومة قلبت الموازين
فلم يكد النظام الدولي (القديم والجديد)؛ يطمئن إلى تثبيت أكذوبة " حق إسرائيل في الوجود"، التي فرضها عبر المنظمات الإرهابية الصهيونية (الهاغاناه، وشتيرن، والأراغون)، ومذابح التهجير التي نفذتها في دير ياسين وقبية ودير البلح، وقانا وصبرا وشاتيلا، وعبر قرارات الأمم المتحدة التي نجت من (الفيتو الأمريكي) ، وما كان لها أن تنجو لو لم تكن منحازة للعدو الإسرائيلي محققة لمصالحه وطموحاته، وعبر تهميش الشعوب وشل فاعليتها، واحتواء الأنظمة وتوفير الحماية لها، ثم استدراج الجميع إلى طاولة المفاوضات لوضع اللمسات الأخيرة على اتفاقيات التطبيع وسلام الإذعان.

يرقب المجتمع الدولي المتحضر ذلك كله من دون أن تطرف له عين. ولتؤكد للإنسانية أن النظام الدولي الجديد الذي تقوده أمريكا، قد أفقدها جل مكتسباتها التي أحرزتها من تجاربها المريرة عبر القرون. ولئن نجح في تزويد عصر المعرفة

فماذا بعدُ؟!
لسوف يستخدم العدو كل ذكائه الطبيعي والاصطناعي، من أجل:
- زعزعة الاستقرار الداخلي في الوطن العربي، وإثارة الفتن الطائفية والمذهبية والعرقية، لتمزيق وحدة الصف التي تجلت إبان المعركة.
- توسيع الشقة بين الحكومات والشعوب، وتأجيج أوهام التناقض بينهما، لممارسة مزيد من القمع، وتوجيه السلاح الرسمي (سلاح الحكومة)، والشعبي (سلاح المقاومة) نحو الداخل، وصرفه عن وجهته الحقيقية (عدوهما المشترك).
- الترويج لفكرة تسييس المقاومة، وإلباسها الزي الرسمي، وإجلاسها على مقاعد الحكم، تمهيداً لاحتوائها وإلزامها بما لم تكن تلتزم به من اتفاقيات وقرارات دولية، أو غير دولية.
- والترويج كذلك لفكرة عسكرة المقاومة، وضمها إلى الجيش النظامي، فالسلاح -بزعمها- لا ينبغي أن يكون إلا في يد الدولة، ليمكن احتواؤه، والسيطرة عليه، وتجريده من حرية القرار، وإخضاعه لموازين التسليح التي يهيمن عليها العدو الذي يقرر سلفاً صلاحيتها ووجهتها وشروط استخدامها.ذلكم هو رهان العدو بعد المعركة.
وماذا عن المنعطف؟!
إنه لمنعطف كبير ، في مستوى صراعنا الإقليمي:
- يتحول بشبابنا من حالة اليأس، وما تستتبعه من شعور بالإحباط والعجز عن فعل أي شيء، إلى حالة الأمل والثقة بالنفس وإمكانات الفعل الكثيرة المتاحة لنا بامتياز.
- وتبدو فيه من بعيد ملامح عصر جديد تستلم فيه الشعوب المقود، ومفاتح التشغيل، مع حزام الأمان وسائر الوسائل الواقية من هزة المنعطف ومخاطر الصدمات.
- وينتهي عنده حلم إسرائيل الكبرى، وعصر النبوءات التوراتية المفعمة بالحقد والكراهية والتمييز والتعصب، ليبدأ عصر جديد تستعيد فيه الإنسانية رشدها و قيمها التي ضاعت في غمرة الصراع والتفرد؛ قيم الحق والخير والعدل والمساواة.
? ومنعطف آخر في مستوى التداول الحضاري الإنساني:
- تبلغ فيه حضارة الغرب ذروة تقدمها التكنولوجي، الذي سخرته لخدمة آلة الحرب والتدمير والقتل والخراب، لتبدأ هبوطها التدريجي في هاوية انحدارها الأخلاقي غير المسبوق، تحف بها لعنات غوانتنامو وأبو غريب والفلوجة وقانا وجنين وغزة.
- ويبلغ فيه العرب والمسلمون حضيض تخلفهم الحضاري، ليبدؤوا الصعود منخرطين في دورة حضارية جديدة؛ تتوق الإنسانية إليها محتفظة لها في ذاكرتها بتجربة تاريخية فذة كان سداها {اقرأ} ولحمتها {ولا يجرمنَّكم شنآن قوم على ألا تعدلوا} .
وعي المقاومة
لم يبق إلا أن تعي المقاومة رسالتها، وتشق طريقها مدركة وعورته وعوائقه، آخذة حِذرها من ألغامه المبثوثة لحرفها عن مسارها، وتحويلها عن أهدافها، وتغيير وجهة سلاحها. ولتدرك المقاومة أنها لن تظفر بمباركة النظام الدولي لعملها وأنها تخطئ كثيراً إن هي انتظرت إذن الدولة لها بالمقاومة، فتفقد بذلك هويتها وشخصيتها. فإنما هي حركة شعبية مرجعيتها الشعب، هو ملاذها الآمن. وعليها أن تحيط بثقافة المقاومة، وتستفيد من تجاربها، وعلى علمائها أن يقدحوا زناد أفكارهم لتنمية هذه الثقافة وللإبداع المتواصل فيها، والتغيير المستمر في الخطط والأساليب والأماكن والأزمنة؛ فلا يقتل المقاومة شيء كالرتابة والتكرار والاطمئنان. وعليها كذلك أن تدرك أن المقاومة ليست بندقية فقط، وإنما هي علم وإعلام واقتصاد واجتماع ومعلومات، يجب أن تحيط بها جميعاً. ولقد برهنت المقاومة في لبنان عن وعي لذلك كله، ولم يكن أداؤها الإعلامي أقل من أدائها العسكري. وقامت قناة الجزيرة بدور فاعل مميز في تغطية الأحداث، وتسليط الضوء على خفاياها، وتوجيهها في خدمة الحقيقة؛ فلا يخدم الحقيقة ويجليها مثل الحوار وتعدد الآراء وعرض وجهات النظر المتباينة، وتقديم الصورة من زواياها المختلفة، وترك الحكم عليها للمشاهد، الذي سيكون قادراً على فرز الحق عن الباطل، وتنحية الزبَد والغثاء، وفقاً لقانون المخض (الإلهي): {كذلك يضرب الله الحق والباطل؛ فأما الزبد فيذهب جفاءً، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض }.
محمد عدنان سالم

إضافة تعليق