لا إصلاح لمجتمعاتنا . . بلا أمل وطموح

درج الخطاب الديني منذ عصور التراجع الحضاري للأمة الإسلامية على التركيز على الأمور الغيبية والانشغال بأمور الآخرة على حساب الأمور الدنيوية . . واهتم اهتماماً مبالغاً فيه بالحديث عن عذاب القبر وأهوال يوم القيامة . . وانشغل الخطاب الديني بصفة أساسية بالترهيب بدلاً من الترغيب، والتشدد في أمور الدين بدلاً من التيسير . . واهتم بالأمور الهامشية والشكلية بدلاً من الاهتمام بمقاصد الشريعة وجوهر الدين والقيم الإسلامية الدافعة لتقدم المجتمع وترقية الحياة .

وقد كان من نتيجة ذلك أن ساد التواكل بين الناس والخوف من المصير المجهول، وانتشر الفهم المغلوط للقضاء والقدر، وتلاشت المبادرات الذاتية اعتماداً على معجزات غيبية، وقد آن الأوان لأن يتخلى الخطاب الديني المعاصر عن هذا التوجه الذي ورثناه من عصور التراجع الحضاري . . فالأمة الإسلامية اليوم في أشد الحاجة إلى صحوة حضارية, وعالمنا المعاصر عالم مختلف اختلافاً جذرياً عن العوالم السابقة بفضل ثورة المعلومات والاتصالات والثورة العلمية والتكنولوجية .

وهذه الصحوة الحضارية تتطلب خطاباً دينياً مختلفاً يبعث الأمل في النفوس لينطلق المسلمون إلى العمل والإنتاج من أجل هذه الدنيا التي نعيش فيها، فمَنْ لا خير له في دنياه لا خير له في آخرته، وقد كان من دعاء النبي  صلى الله عليه وسلم  “اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، واجعل الموت راحة لي من كل شر”.

والمسلمون اليوم في أشد الحاجة إلى العمل من أجل الدنيا من دون إهمال لأمور الآخرة بطبيعة الحال، والخطاب الديني اليوم مطالب بالتجديد في أسلوبه وفي موضوعاته، وبصفة خاصة في بث روح الأمل والتفاؤل في النفوس، فالإنسان المحبط اليائس لا يُنتظر منه أن يفعل شيئاً لتغيير أوضاعه أما النفوس المملوءة بالأمل فهي المؤهلة للانفتاح على الحياة وعلى العمل والإنتاج .

والدين من شأنه أن يغرس الأمل في النفوس، ومن هنا يرتبط الإيمان بالأمل ارتباطاً وثيقاً ويشكلان وحدة واحدة، فالمؤمن لا يمكن أن ييأس أو يصاب بالإحباط والقنوط، ويؤكد القرآن الكريم أن المؤمن لا يعرف اليأس: “إِنهُ لا يَيأسُ مِن رَوُحِ اللهِ إِلا القَومُ الكَافِرُونَ«، (يوسف:87)، ومن ذلك يتضح أن الأمل يُعد نتيجة طبيعية للإيمان، ومن هنا فإنه نعمة كبرى ومِنة إلهية، ورحمة من عند الله لعباده، فلولا الأمل “ما أرضعت أم ولداً ولا غرس غارسٌ شجراً«، كما جاء في بعض الآثار الإسلامية المروية عن أنس بن مالك .

والله يفتح للمذنبين الذين أسرفوا على أنفسهم باب الأمل في التوبة على مصراعيه، وهذا ما يؤكده القرآن الكريم في قوله تعالى: “قُلْ يَا عِبَادِي الذين أسرفوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقنَطُوا مِن رحْمَةِ اللهِ إن الله يغفِرُ الذنُوبَ جَمِيعاً إنه هُوَ الغَفُورُ الرحِيمُ”.

 وزيادة في مد حبال الأمل لمن يتسرب اليأس إلى قلوبهم يعلن الرسول  صلى الله عليه وسلم  أن الإنسان من شأنه أن يخطئ، والخطأ في حد ذاته ليس عيباً، ولكن الإصرار على الخطأ هو الذي يبعد الإنسان عن الله، ف”كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون«، كما يقول النبي عليه الصلاة والسلام .

وتشجيعاً لهم على التوبة وعدم فقدان الأمل يخبرنا القرآن الكريم بأن الله يحب التوابين، ويخبرنا الحديث النبوي بأن الله يفرح بتوبة عبده، وهذا كله يبين لنا  بما لا يدع مجالاً للشك  أن باب الأمل مفتوح لا يُغلق أبداً، وهذا من شأنه تأكيد الثقة في الله وفي عدله، وإحياء الأمل في النفوس وإنعاشها بالرجاء في الاستجابة .

ومن أجل ذلك يحطم الدين كل الحواجز التي تفصل بين الله والإنسان، فالله قريب من الإنسان يجيب دعوة من يدعوه، بل هو أقرب إليه من حبل الوريد، ولذلك يطلب الله من الإنسان أن يدعوه مباشرة من دون وساطة: “ادعُونِي أَستَجِبْ لَكُم”(غافر:60) .

* وزير الأوقاف المصري الأسبق

إضافة تعليق

1 + 15 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.