الإنسان الاقتصادي

أعطت العولمة بنسختها الليبرالية السائدة قيمة كبيرة للأسواق. وبالتالي انتشرت إلى حد كبير "ثقافة الأرقام" وأصبح الجميع يبحث عن الحصول على المراتب الأولى في مختلف التصنيفات من المدارس إلى المستشفيات ومراكز الأبحاث والشركات، إلخ. الجميع يبحثون عن احتلال "الرقم واحد" في ميدان نشاطاتهم. ولا يتردد الاقتصادي الفرنسي الأبرز في مجال الفكر الاقتصادي الفرنسي، دانييل كوهن، في الحديث عن "الإنسان الاقتصادي"، كما جاء في عنوان كتابه الجديد.

ويصف المؤلف "الإنسان الاقتصادي" وكأنه "سيد العالم" اليوم. وهو يروي بداية حكاية صغيرة مفادها أن مدير أحد مراكز نقل الدم أراد زيادة مخزونه منه وعرض على المتبرّعين مكافأة. ولكن كم كانت دهشته كبيرة عندما رأى أن عدد المتبرعين تراجع كثيراً. ما يشرحه دانييل كوهن، نقلاً عن مؤلفه كتاب "الإستراتيجيات العبثية"، مايا بوفاليه، هو أن البشر يتصرفون إمّا يدافع المصلحة أو بدافع أخلاقي ولكن لا يتصرفون أبداً بـ"الدافعين معاً".

لقد أراد مدير مركز نقـــل الدم أن يضيف "دافعاً أخلاقياً"، هو أن يتبرع الإنسان للآخرين، ودافعاً مادياً، بتقديم مكافأة ماليـــة. وعلى أساس النتيجة التي توصل إليهـــا المؤلف اعتبر أنه كان على المدير "المعنـــي" أن يختار بيـــن زيادة المكافـــأة أو العودة إلى ممارساتـــه قبلهـــا القائمـــة على الدافع الأخلاقي. وخيـــار "زيادة المكافـــأة" .

هو الذي لجأت إليه الرأسماليـــــة ابتـــداء من سنـــوات الثمانينــــات المنصرمـة. لقد لجأت إلى زيادة المكافآت، لكنها شددت بالوقتـــ نفســه على بذل الجهود. هكذا قامت الشركات بتنظيــم منافسات بين العاملين فيها، ولم تتــردد في أن "تصـــرف" من العمــــل أولئك الذيـــن لا يثبتـــــون كفاءتهـــم في المنافســـة.

بهذا المعنى غدت "المنافسة" هي المعيار الأساسي في النشاط الاقتصادي وليس "التعاون". وتوسع مجال هذا التوصيف كي يشمل المجتمع الذي أصبح هو الآخر "ذا طابع تنافسي أكبر"، مجتمع البحث عن تحقيق "الأرقام القياسية" في جميع الميادين. بهذا المعنى أيضاً انتصرت "روح المنافسة" على "روح التعاون" هذا في الوقت الذي "ينبغي على كل مجتمع أن يجد الروابط بين الاثنين".

ما يشرح المؤلف هو أن الرأسمالية نفسها تقوم على دعامتين أساسيتين، على "مؤسستين" يحكمهما "منطقان مختلفان تماماً". الأولى هي الأسواق التي تقوم على "المنافسة" والثانية هي "المؤسسات" التي تقوم على "التعاون".

بالمقابل يؤكد المؤلـــف القول أنه لا يمكن فصل مسألة السعادة الفرديـــة عن الفكر الاقتصادي بشكل كامل. لكن إجمالي الإنتاج الداخلي لأي بلد لا يمكن قياسه بـ"السلع المادية" فقـــط، فهذا جزء فقط من المسألة. هنـــاك فئة أخرى من "المتع الصامتة" كتلك التي يولّدهـــا نقاش مـــع صديق أو قراءة كتاب أو حرارة الأسرة. لكـــن المشكلـــة هي أن مجتمع المنافســـة و"إنسانه الاقتصـــادي" يقلل من متعة "السعادة الداخلية".

ويؤكد المؤلف في تحليلاته على معطى جديد هو أن النمو الاقتصادي العالمي يتحقـــق منـــذ مطلع القرن الحالي بنسبة 70 بالمائـــة من قبل البلدان الصاعدة، هذا بعد أن تساوت نسبة زيادته بين هذه البلدان الصاعدة والبلـــدان الغنية في عام 2001 بينما كانت هذه الأخيرة، أي البلدان الغنية، تساهم بنسبة 70 بالمائة في سنوات التسعينات المنصرمة مقابل 30 بالمائـــة فقط من قبل البلدان الصاعدة آنذاك. ويرى المؤلف في هذا نوعاً من إعادة التوازن في الثروات العالمية على أساس الوزن السكاني، الديموغرافي، وما يفرضه من قوانين.

بالمقابل لا يرى المؤلــف المسألة في إطار نزاع أبدي، يقول به محللون عديدون، بين "حضارات تتقهقر" و"برابرة غزاة". بل يؤكد أن تاريخ المستقبل مفتوح. والصين، تعاني من شيخوخة سكانها، وهي تواجه نفس الرهانات التي يواجهها الأميركيون من حيث التفاوت الاجتماعي الكبير والمشاكل الاجتماعية.

الكتاب: الإنسان الاقتصادي

تأليف: دانييل كوهن

الناشر: البان ميشيل - باريس- 2012

إضافة تعليق

1 + 15 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.