الكندي – مؤلفاته ورسائله العلمية

هو ابو يوسف بن اسحاق الكندي الملقب بـ (فيلسوف العرب) وهو من اقطاب الفكر في القرن التاسع للميلاد، وقد اشتهر في عصره بالتبحر في فنون الحكمة اليونانية والفارسية والهندية، وكان له اثر بعيد في تطور الثقافة من بعده، وقد اشتهر بالكندي لانه كان من ابناء قبيلة (كندة) العربية احدى، القبائل العريقة في التاريخ، واصل كنده من بلاد اليمن، ولكن قسم منهم نزحوا عنها الى مناطق اخرى فصارت ذات فروع في العراق والشام والاندلس، كما تولى بعض اجداد الكندي الملك في حضرموت واليمامة والبحرين والحيرة، ومنهم من عاش قبل الاسلام ومنهم من نشأ بعده وكانوا في ايام جاهليتهم واسلامهم من ذوي المجد واليسار.
ولد الكندي (فيلسوف العرب) في الكوفة حيث كان ابوه اميرها ، وترعرع في بغداد عاصمة الدولة العباسية يومئذ وتوفي سنة 873م وكان معاصرا للمامون والمعتصم والواثق والمتوكل، الا انه في هذه الفترة من الزمن سادت الامة الاسلامية وبغداد خاصة حركة علمية كبرى، فكان حامل لواء العلوم في هذه الحركة الكبرى (التي وضع اساسها ابو جعفر المنصور وهارون الرشيد) الخليفة العباسي المأمون، ولم يكتف المأمون بما كان منها في حياته بل اوصى اخاه المعتصم الذي استخلفه بعده ان يسير على سيرته ويشجع تلك الحركة العلمية الكبرى، وكذلك سار الواثق على منوال ابيه وعمه.
الا ان هناك بعض الروايات قيل فيها ان الكندي ولد في البصرة، ولكن الارجح انه ولد في الكوفة وكان ابوه عاملا على الكوفة زهاء عشرين عاما، وقد ولد الكندي في اخريات حياة ابيه الذي توفي زمن الخليفة العباسي هارون الرشيد، وكان الكندي طفلا حين توفي والده فنشأ في الكوفة في رعاية امه التي لم تأل جهدا في تنشئته على حب العلم والاقبال عليه،بعد ان انست منه ذكاء متوقدا وميلا متزايدا الى اكتساب فنون المعرفة من مناهلها، وبعد ان حصل الكندي على قسط من علوم الدين والكلام قصد بغداد عاصمة الدولة العباسية، وما من شك في ان بغداد كانت يومذاك منارا للعلم، ومباءة للعلماء، ففيها يجدون امهات الكتب ونفائس المراجع المتوفرة في خزائن مدارسها ومساجدها وقصورها وبيوت جمهرة من علمائها واعيان رجالها، وفي بغداد يومذاك يلقون التشجيع على المضي في شعاب العلم والنبوغ في كثير من فروع المعرفة، فلا عجب ان يأخذ الكندي ، بعد انتقاله الى بغداد ، بالتوغل في العلوم العقلية حين اقبل بنفسه على مدارسة ماانتهى اليه من كتب تتمثل فيها خلاصة تلك العلوم ، وفي هذه الفترة كثرت الكتب المترجمة عن الاغريق والفرس والهنود والسريان والكلدان، في جميع العلوم الطبيعية والصناعية. ولما نقلت الى العربية اهتم بها الناس كثيرا علما وعملا ففسروا مغلقها واصلحوا خللها ووجد منهم فلاسفة عظام ألفوا كتبا قيمة في هذه العلوم ومنهم الكندي، فكان عظيم المنزلة عند المأمون والمعتصم والواثق والمتوكل، كما ان هناك مجموعة من الكتب قد ترجمت او لخصت عن امهات لغات العلم يومذاك، فهي مستقاة من تآليف يونانية او فارسية او هندية، حيث ان مؤلفي تلك الكتب هم (اساتذة) الكندي الحقيقيون واليهم يرجع اكبر الفضل في كيانه العلمي.
لذا يعتبر الكندي في الدرجة الاولى فيلسوفا طبيعيا حذا في مؤلفاته حذو ارسطو طاليس وبرع في الطب والفلسفة والرياضيات والموسيقى وعلم الفلك، ومما يؤسف له انه بسبب النكبات المختلفة على الامة الاسلامية لاسيما غزو التتر لبغداد، ضاع اكثر مؤلفاته التي بلغ عددها 270 ولم يبق منها الا مايقارب العشرين مخطوطة اكثرها في المتاحف ودور الكتب الاوربية.
وقد برع الكندي في مؤلفات عديدة منها في الطبيعيات والعلوم المختلفة منها: الفلسفة الطبيعية، والرياضيات في الحساب والجبر والهندسة، وكذلك في المساحة والجغرافية الطبيعية، والجيولوجيا والجيوفيزياء والميترولوجيا، والكيمياء والفيزياء والطب والفلك.
ودفع الكندي في تطلبه تلك العلوم التي كانت حينذاك تسمى (العلوم الدخيلة) وتطلعه الى ان يستقيها من مناهلها الى تعلم اللغة اليونانية، كما كان عارفا باللغة السريانية ولايبعد ان يكون قد نقل الى العربية ألواناً من ذخائرها النفيسة، بل لقد عمد الى ما نقله غيره من المترجمين القدامى ، فاجاد فيه قلمه وتناول بالاصلاح والتعديل فهو جدير بان ينعت بالمنقح للفلسفة اليونانية عند العرب.
وقد كان لمؤلفات الكندي اثر في نهضة اوروبا ففي القرون الوسطى نقل (جيرالد اوف كريمونا) وغيره اهم ماحفظ من مؤلفات الكندي الى اللاتينية (لغة العلم عند الاوربيين يومئذ) فأثرت تأثيرا كبيرا في نهضة اوربا واصبحت كتبه ورسائله في العلوم المختلفة مرجع كل باحث من الاوربيين في الرياضيات والطب والفلك والعلوم الاخرى، فاحتل الكندي مكانة مرموقة في اوربا، واعتبر من اعظم الفلك والكيمياء والرياضيات والطب، كما اقتبس علماء الغرب من الكندي وغيره من العلماء العرب الارقام العربية والصفر والجبر والاصطلاحات الجبرية والنظام العشري والمثلثات وفكرة العلاقة المتينة بين الجبر والهندسة، وفكرة تطبيق الرياضيات على العلوم الطبيعية، واستفادوا من علم الفلك والكيمياء والطب عند العرب، كما اعتمد عليها علماء اوربا زمنا طويلا.
لذا يعتبر الكندي اول من برهن على كروية الارض، ففي رسالته الى احمد بن المعتصم في ان العناصر و الجرم الاقصى كروية الشكل وتدور حول مركزها وان الماء حول الارض كروي الشكل، وذكر القطبين الشمالي والجنوبي.
اما اهم رسالة من رسائل الكندي فهي رسالته في العلة الفاعلة للمد والجزر، لامن حيث موضوعها الاساسي ففط، بل من حيث ماتحتويه من طريقة الكندي في البحث العلمي. الا ان اهم مانجده في هذه الرسالة هو روح الطريقة العلمية الموضوعية والوصف الدقيق للظواهر، والتمحيص لها بالاستناد الى التجارب التي اجراها او بين الكندي منهجه الايجابي في البحث بقوله(ان الشيء اذا كان خبرا عن محسوس، لم يكن نقضه الا بخبر عن محسوس، ولاتصديق الا بخبر عن محسوس).
ذلك هو الكندي الفيلسوف الكبير (فيلسوف العرب) والذي كان يحتفل بذكراه في بغداد لخدمته العظيمة لحضارة العرب).

إضافة تعليق