ثمن غياب المساواة

يقرع جوزيف ستيغلتز صاحب جائزة نوبل للاقتصاد عام 2001 في كتابه "ثمن غياب المساواة" ناقوس الخطر، بكل ما يحمله هذا التعبير من معنى على خلفية اعتقاده العميق أن العولمة السائدة التي أعطت سلطة كاملة للأسواق وهمّشت، بل كسرت، مفهوم سيادة الدول إنما عرّضت للخطر القيم التي يسميها العالم الغربي "قيم كونية، يونيفرسال". ويشرح ستيغلتز أن هناك مفهوما شائعا في أميركا هو "لكل ناخب صوت"، ولكن "لا أحد يقول ان النتائج الملموسة للسياسة الأميركية تعكس حقيقة مصالح الناخب المتوسط، العادي"، كما يكتب. ثم يضيف: "إن هذا الناخب المتوسط- لا مصلحة له أبدا في المساعدة المقدمة للشركات. ولم يربح معركة إصلاح النظام المالي".

ويبدي المؤلف رؤية نقدية واضحة للعولمة اللبرالية السائدة. ويشرح أن جذور الأزمة وما يترتب عليها من "شرور" يعاني منها المجتمع الأميركي اليوم، تتجاوز كثيرا ما هو اقتصادي. ويجدها في البنية الاجتماعية بمجملها حيث الأعراض الأكثر خطورة تتمثل في "تعاظم اللامساواة" بالولايات المتحدة التي تمثل برأيه، نوعا من "المخبر الكوني" لهذه الظاهرة، وهذا ما يدل عليه بوضوح العنوان الفرعي للكتاب الذي يشير فيه المؤلف إلى "كيفية تعريض المستقبل للخطر بسبب وجود مجتمع منقسم".

 ومن الواضح أن مؤلف هذا الكتاب يتبنّى، إلى هذه الدرجة أو تلك، المقولات التي رفعها أولئك الذين أرادوا "احتلال وول ستريت" في أميركا، أو "الغاضبون" في أوروبا عندما يعلنون رفضهم لواقع أن واحد بالمائة فقط من الأكثر ثراء يستفيدون من عملية "فتح أسواق السلع ورؤوس الأموال".

 ويحدد المؤلف القول ان "الخضوع" أمام الأسواق المالية لا يخص فقط البلدان التي تبدو على شفى الهاوية، مثل اليونان، ولكن يخصّ أيضا أولئك الذين عليهم "الاقتراض"، من هذه الأسواق. والبلدان التي لا تخضع ولا تنفذ "ما يروق" للأسواق المالية العالمية، فإن هذه تقوم بتهديدها وتزيد من "معدّل الفائدة على القروض" التي تطلبها. ويؤكد جوزيف ستيغلتز أن "التهديدات - الصادرة عن الأسواق المالية- تتسم عامة بقدر كبير من الفاعلية. فهذه الأسواق تحصل على ما تريد".

 وما يؤكده المؤلف هو أن القوة العالمية لأميركا تتمثل في "سلطتها الهادئة"، ويقصد بذلك، كما يقول، "سلطة أفكارها" بالإضافة إلى "منظومة تربوية" يفترض أن يتعلّم منها قادة العالم أجمع. ثم إن "العراق وأفغانستان" أظهرا للعيان وبوضوح "محدودية قوتها العسكرية".

  هذان المثلان بيّنا أنه "حتى بلاد كبيرة تنفق على جيوشها ما يعادل كل ما تنفقه جميع بلدان العالم الأخرى لا يمكنها أن تخضع أو تحتل بلاداً لا يتجاوز إجمالي دخلها القومي 0,1 بالمائة من إجمالي الدخل الأميركي"، كما نقرأ. أما النفوذ الذي مارسته الولايات المتحدة على مدى عقود عديدة ومديدة فيجده المؤلف في "قوة الجذب" التي مارسها اقتصادها ونظامها السياسي.

 يؤكد المؤلف ان الصين أصبحت اليوم القوة الاقتصادية الثانية في العالم، الثانية في "الاقتصاد التجاري" و"الأولى على صعيد الاقتصاد الصناعي"، والقوة التي "تزيد أكثر فأكثر من وفرها"، كما أنها المصدر الأول في العالم لثاني أكسيد الكربون.

 وينقل ستيغلتز عن ابراهام لنكولن جملة قالها عام 1863 ومفادها أن الحرب الأهلية قامت كي "لا تختفي حكومة الشعب عن سطح الأرض". ويعلق المؤلف على هذا بالقول: "إذا استمر ما يجري اليوم فهذا الحلم معرّض للخطر".

 الكتاب: ثمن غياب المساواة

 تأليف: جوزيف ستيغلتز

 الناشر: دبليو نورتون وشركاه- نيويورك 2012

 

إضافة تعليق

1 + 2 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.