أنشطة المعـرض... بيـروت لم تعد تصنع نجومـاً

لم يكن معرض بيروت العربي الدولي للكتاب منذ تأسيسه مجرد سوق لبيع الكتب، بقدر ما كان أبرز محطة ثقافية سنوية في لبنان. فيها ننتصر لجديد المعرفة والسجال الثقافي وفنون الإبداع. وهو لم يكن مفخرة النادي الثقافي العربي، بقدر ما كان محطة ينتظرها المثقفون اللبنانيون وعدد لا بأس به من المثقفين العرب الذين كانوا مقيمين في عاصمتهم الثقافية بيروت، أو الذين يفدون إليها للاحتفال بعميد المعارض العربية، عنوان الحرية والانفتاح على أفكار العالم.

العديد من المثقفين كانوا يأتون إلى المعرض لا ليقطفوا الكتاب طازجاً وحسب، إنما ليشاركوا في الأنشطة التي كانت تشهد حضوراً مميزاً، بل كانت تستقطب رموزاً ثقافية عربية، تشهد لها المنابر الجريئة وصفحات الكتب. وقد جمعت في البداية أسماء ثقافية بارزة. حينها كان المثقفون يحتقرون المسؤولين السياسيين، فالمعرض في دورته الأولى، مثلاً، كان برعاية المفكر الراحل قسطنطين زريق، وفي دورته الثانية كان برعاية الأديب ميخائيل نعيمة. إن حضور هذين الكاتبين وسواهما من الوجوه التي كانت في صدارة المشهد الثقافي كان يرفع من المستوى الثقافي للمعرض. وإذا كان للشعر جمهوره المتوهج، فإن المعرض شهد أمسيات حاشدة لنزار قباني ومحمود درويش، وشهد حضور أدونيس ومثقفين عرب كبار قد لا نستطيع إحصاءهم هنا.

كان معرض الكتاب في لبنان قبلة المثقفين، مثلما كانت دور النشر اللبنانية قبلة المؤلفين، وكان مهماً بالنسبة لهؤلاء أن يطلوا على جمهورهم من بيروت، في تلك التظاهرة الثقافية التي تصل أصداؤها أرجاء دنيا العرب الواسعة. كان ذلك في زمن كانت فيه بيروت تصنع نجوماً.

نتذكر أيام المجد أو السنوات التي عاشها هذا المعرض، ونهرب قدر الإمكان من المقارنة بين ما مضى وما هو حاضر اليوم. بين برنامج «دسم» تغنيه أسماء مثقفين لبنانيين وعرب كبيرة، وبرنامج منعوت بالفقر، وفاقد للجاذبية التي كانت ذات يوم. ولا أتهم بالمسؤولية عن التراجع النادي الثقافي العربي أو اتحاد الناشرين اللبنانيين، لكني لا أعفيهما من المسؤولية، بالإضافة إلى فهمنا لتراجع دور بيروت الثقافي من جهة، وتراجع القدرة الشرائية لدى المثقف اللبناني والعربي من جهة ثانية، بعد إلغاء الطبقة المتوسطة، ما أحدث شرخاً بين المعرض والمهتمين بالثقافة، أو شرخاً بين الكتاب والقارئ لا تزال مظاهره حاضرة حتى الآن.

قد تمر حركة النشر في لبنان بين مدّ وجزر، إلا أنها لا تزال تحافظ على مستوى مهم في العالم العربي، وبالتالي فإن تراجع الأنشطة في المعرض يضعنا أمام الحلقة الأضعف في هذه التظاهرة المهمة. والطريف في الأمر أن العديد من حفلات التوقيع تشهد حشوداً لافتة للنظر، في حين نجد القاعات التي تقام فيها الندوات والأنشطة الثقافية شبه خاوية إلا من المنتدين أنفسهم وعدد مواز من الحاضرين أو أكثر بقليل، على أن بعض الأنشطة تشهد حضوراً لا بأس به، لكن المعدل العام لا يفوق عشرين شخصاً للجلسة الواحدة. إذا هناك ثمة صلة وثيقة بين مأزق المعرض ومأزق البلد والوضع الأمني الذي يكون في بعض السنوات مترافقاً وموعد المعرض، ويكون أحياناً بالغ الخطورة، ما يشكل سبباً في غياب مثقفين عرب على الأقل، ورفضهم الدعوات التي توجه إليهم، ثم إن الإمكانيات المالية المحدودة تمثل سبباً آخر في إهمال برنامج الأنشطة وتردي معظمها، وبالتالي لا بأس بدفع أسماء هابطة ومجهولة إلى الواجهة.

والأهم من ذلك أن النادي الثقافي العربي، مع اعترافنا بأهمية ما يملك من معرفة واسعة بأسماء المثقفين اللبنانيين والعرب، لا يزال يستأثر باختيار الأسماء، بعيداً عن مساهمة مثقفين لهم حضور على المستوى المحلي والعربي، ثم يدير الظهر لكل الاقتراحات التي تضمنت تشكيل لجنة ثقافية للمعرض، تتناسب وكونه تظاهرة وطنية عامة تتخطى حجم النادي الثقافي العربي، وتساهم، ولو تحت جناح النادي، بدفع الأنشطة والمعرض عموماً، ما أمكن من خطوات إلى الأمام، فننأى بذلك عن كون المعرض سوقاً سنوية للكتاب اللبناني والعربي.

إن اعتبار المعرض تظاهرة وطنية لا تخص نادياً أو اتحاد ناشرين وحسب، يفتح الطريق أمام مطالبة الدولة بإغناء برنامج المعرض، وتحويل الرعاية الرسمية سنوياً إلى دعم مالي ثابت، يتيح للمسؤولين عن المعرض رفع مستوى الأنشطة الثقافية العربية والدولية، كي يستعاد دور بيروت الثقافي الريادي، ودور الكتاب في أن يكون سلعة لبنانية وطنية مطلوبة في الخارج، ورسالة حضارة منفتحة على العالم.

كثيرون يختصرون هذا المعرض بأنه تظاهرة ثقافية سنوية شاملة، أو محطة جميلة ينتظرها القراء، وسوى ذلك من تعابير المديح التي يستحقها المعرض في الأساس... إلا أن سؤالا يوجهه إلينا كل من نلتقيه في المعرض تقريباً وهو: ما جديد هذا العام؟ والجديد لا يعني العناوين الجديدة فقط، التي قد تكون كثيرة، إنما أيضاً الأنشطة الجديدة وأسماء المساهمين فيها، ويسألون دائماً عن نجوم الثقافة العربية، أين هم؟ حتى انه يلفتنا أحياناً تكرار بعض الأسماء بين سنة وسنة، أو حتى في السنة نفسها، بين ندوة وأخرى، مع اننا لا نشكو من فقر في عدد المثقفين، لا اللبنانيين ولا العرب.

حدث الدمج بين النادي والنقابة، الذي حصل من سنوات، لم يكن له تأثير إيجابي في برامج الأنشطة، ولم ينسحب على التخطيط لتظاهرة أكثر إشراقاً، إذ يوزع النادي برنامجه الخاص وتوزع النقابة برنامجها الخاص أيضاً. وحتى لو اندمج البرنامجان في ورقة واحدة فإن لكلٍّ برنامجه، ما يبقيهما أمام شكل من أشكال الانقسام الناعم داخل الوحدة، حيث كل يقوم بمهمته، ولكل طرف مصلحته في تقديم أنشطة خاصة به، فبرنامج النادي يأخذ بعين الاعتبار الدول التي تساهم باستئجار مساحة واسعة في المعرض، لا سيما السعودية والكويت، فنشهد في الأنشطة حضوراً بارزاً لهذا الدولة أو تلك. أما الناشرون فيهمهم أن يروجوا لكتبهم وكتّابهم، فيحمل برنامجهم ما أمكن من الأسماء التي لا يهم مستواها بقدر ما يهم حضورها الاجتماعي أو السياسي، ولا يهم مستوى الندوة بقدر ما يهم عدد الحضور الذي يأتي لتوقيع كتاب الندوة. من هنا نفهم أن الدمج لم يتحول إلى تفاعل ينتج انقلاباً في آلية وبرنامج المعرض، ولا في مستوى الأنشطة السنوية.

الواضح في إطار الأنشطة، أن لا اتجاه إلى رفع مستوى الأداء، كأن هذا المعرض بات عجوزاً ومترهلاً ومسترخياً. ودائماً نسأل عن المسؤول عن تلك المسافة التي طالت وبعُدت، بين جمهور المعرض وأنشطته، أو بين مستوى البرنامج وحجم التظاهرة وتاريخها؟

 نجد سبباً آخر لإطلاق وصف العجوز على المعرض، هو غياب عنصر الشباب إلى حد بعيد عن أجنحة المعرض، إضافة إلى أنه غائب كلياً عن صالات المحاضرات والأنشطة، بل هو غائب عن بنود برنامج الأنشطة، فلا نعثر على أي عنصر من عناصر الجذب لهذه الفئة التي يتراجع اهتمامها بالقراءة يوماً بعد يوم. وهذا احتجاج طالما كررناه في المقالات وعلى مسامع المسؤولين عن المعرض، وسألنا لماذا لم يفكر القيمون على المعرض في استدراج الشبان إليه، مثلما يفعلون على الأقل في استدراج الأطفال؟

 إنها جولة عامة حول مستوى برامج المعارض السابقة وأسباب تراجعها، التي نقتنع ببعضها ولا نقتنع ببعضها الآخر. لكن جولة في برنامج المعرض لهذا العام تضعنا أمام الواقع كما هو، أو أمام واقع مقارن. فالشعر كان ولا يزال أساساً لا بد منه في برامج المعرض عموماً، وإن غابت الأمسيات الشعرية للنجوم الكبار، وازدادت الأمسيات التي تضم أسماء مجهولة، ومن برنامج إلى آخر تظهر بعض الأسماء اللامعة، فهذا العام تطالعنا أربع أمسيات شعرية بالإضافة إلى ندوتين عن الشعر، من مجموع الأنشطة البالغ 39 نشاطاً، ما يعني أن نسبة حضور الشعر من مجموع الأنشطة لا تزال عالية، وداخلها نلاحظ في أمسيات السنة حضوراً عربياً سعودياً بارزاً، إنما ليس مع أسماء شعرية معروفة. في حين أن الأنشطة التي تدور حول الرواية تبلغ خمسة. أما السياسة وفكرها فتشغل تسعة أنشطة، بينها ثلاثة أنشطة تتابع مسارات ما يسمى بـ«الربيع العربي»، وكثيراً ما تهتم إدارة المعرض بالحدث السياسي، وهذا أمر يحسب لها بالطبع.

محوران لا بد من التوقف عندهما في المعرض أيضاً: واحد تحت عنوان: «الليلة الثقافية العُمانية اللبنانية»، وتضم إسهامات لإبراهيم البوسعيدي وعبده وازن وسعيد الصقلاوي وأسماء عيسى. وثان لجريدة «السفير» ويضم ثلاثة أنشطة تكريمية لثلاثة مبدعين راحلين، كانت لهم إسهامات بارزة على صفحات الجريدة، وهم: الروائي عبد الرحمن منيف والمسرحي سعد الله ونوس ورسام الكاريكاتور ناجي العلي.

الحضور الفلسطيني لا يغيب عن البرنامج خلال سنيّ المعرض عموماً، خصوصاً أن توجهات النادي منذ تأسيسه تؤكد انحيازه إلى القضايا القومية العربية. وقد تمثل هذا الحضور ضمن الأنشطة عبر ندوتين. أما الحضور الفني فاقتصر على أمسيتين غنائيتين تراثيتين: واحدة لسحر طه وثانية لنبيل جعفر.

لا بد من أن نؤكد في النهاية خوفنا على برامج الأنشطة في معرض بيروت، وقد بات ضعيفاً جداً إذا ما قارنّاه ببرامج المعارض العربية الأخرى، وحتى تلك الحديثة الولادة، خصوصاً أن عدداً ليس بقليل من هذه المعارض يصرف على تظاهراتها مبالغ طائلة، وباب المنافسة بينها مفتوح، أما نحن فبتنا خارج المنافسة. لذا تهتم إدارات تلك المعارض بتأمين حضور مميز، بل تتضمن أنشطتها جوائز أدبية وفنية. أما معرض بيروت، عميد المعارض العربية، أو أبوه، والذي كان يحدد بدء تقويم سنة الكتاب العربي ذات يوم، فتبقيه الدولة مهملاً إلى هذا الحد، ولا تهتم الحكومة ورئيسها إلا بإلقاء كلمة الافتتاح. على أن الحرية التي تمثل عنصر الجذب الأساس لا يمكن أن تنقذ وحدها حضور المعرض البيروتي ودوره.

 

إضافة تعليق

1 + 2 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.