الآداب الاسلامية للتزاور قمة الرقي الانساني

القيم والأخلاقيات الإسلامية تحمي المجتمع أفراداً وجماعات من كثير من المصائب وتنظم العلاقات الاجتماعية، وتضبط السلوكيات الإنسانية بما يحقق الألفة والمحبة والمودة بين الناس .
هذه الحقيقة تؤكدها الآداب الإسلامية للتزاور بين الناس، سواء أكانوا من الأقارب أم من الأصدقاء أم من الجيران أم من زملاء العمل أو حتى عابر الطريق . . فالكل مطالب شرعاً باحترام خصوصيات الآخرين وعدم التطفل عليهم أو إزعاجهم أو جرح مشاعرهم .
يقول الداعية الأزهري الشيخ خالد الجندي: من أكبر النعم على الإنسان أن يعيش مطمئن القلب راضي النفس، والطريق إلى تحقيق هذا الهدف هو حسن علاقته بالآخرين، والحفاظ على مشاعرهم واحترام خصوصياتهم، وعدم التلصص عليهم، وتجنب البحث عن مساوئهم وتجاوزاتهم .
والإسلام هو دين الترابط والتعاطف والتواد والتحاب، حريص كل الحرص على إقرار كل ما يؤدي إلى تقوية العلاقة بين كل أفراد المجتمع، وأول خطوة يقرها الإسلام ويحث عليها في هذا الطريق هي الحث على التزاور والتلاقي وتبادل التحيات والهدايا والتهاني، وبخاصة في الأعياد ومواسم الخير وسائر المناسبات الطيبة .
توطيد العلاقات
د .أحمد عمر هاشم الرئيس الأسبق لجامعة الأزهر وعضو مجمع البحوث الإسلامية يؤكد أن الإسلام ألزم المسلم بآداب وتعاليم وأخلاقيات عندما يذهب إلى أحد لزيارته في منزله، وهذه الآداب والأخلاقيات من شأنها تدعيم العلاقات بين الناس، وزيادة مساحة المودة والمحبة بينهم، وهي في الوقت نفسه تحمي المجتمع من نزاعات ومشاحنات وضغائن تأتى من تجاوز حدود الأدب والأخلاق في التزاور، وواقع حياة الناس الآن حافل بالمشاحنات والخلافات والجرائم التي تنتج عن تجاهل قيم وأخلاقيات الإسلام في التزاور .
ورغم حرص الإسلام على دفع الناس إلى التزاور من أجل تقوية العلاقات بينهم، فقد وضع لهذه الزيارات آداباً وأخلاقيات حرصاً على مشاعر الناس وتقوية للعلاقات بينهم، وتربية لأذواقهم، فالله سبحانه وتعالى كما أخبرنا رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم كتب الإحسان على كل شيء .
ومن أبرز مظاهر حرص الإسلام على تنظيم العلاقات الاجتماعية والإنسانية بين كل أتباعه كما يقول د . هاشم إقراره لمجموعة من الآداب يجب أن يلتزم بها كل زائر لأخيه قريباً كان أم من غير الأقارب حتى لا تأتي هذه الزيارات بنتائج عكسية وتؤثر سلباً في مشاعره وتفسد العلاقة بين الطرفين . . يقول الحق سبحانه وتعالى: “يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون، فإن لم تجدوا فيها أحداً فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم والله بما تعملون عليم” .
هذه الآيات الكريمة توضح كما يقول د . هاشم كيف يبدأ المسلم زيارته لأسر الآخرين، وتضع جملة من الآداب والسلوكيات الراقية التي تصون الأعراض، وتهذب النفوس، وتحفظ للبيوت أسرارها .
المطلوب والمرفوض
فالمطلوب شرعاً من الزائر أن يستأنس أولاً من أهل البيت بمعنى أن يطلب الأنس والأمان لنفسه وللمزورين فلا يوغر صدورهم بمفاجأتهم ولا يضع نفسه موضع التهمة . . ويكون الاستئناس بأن يستأذن ثلاث مرات بقرع الباب أو بالنداء عليهم أو ما شابه ذلك، الأولى: لإعلامهم أن بالباب طارقاً، والثانية: ليتهيأوا . . والثالثة: ليفتحوا له الباب، ويراعى التباعد بين هذه المرات الثلاث لإفساح المجال لأهل البيت، وينبغي أن تكون بحيث يسمعونها، ولا يزاد عليها إلا إذا غلب على الظن أنهم لم يتمكنوا من السماع .
ومن الآداب ومظاهر الذوق التي ألزم بها الإسلام كل زائر ألا يقف في مواجهة الباب، ولكن ليكن الباب عن يمينه أو يساره حتى لا تقع عينه على من خلفه مباشرة فإنما الاستئذان من النظر كما ورد في الحديث أي خشية فجاءة النظر، فإذا سئل: من الطارق؟ أو: من على الباب؟ فليكن الرد بالاسم واضحاً “أنا فلان” ولا يكفي هنا كما يحدث غالباً قوله “أنا” فقد جاء في الحديث الصحيح أن جابر رضي الله عنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في دين كان على أبي فدققت الباب فقال: “من ذا”؟ قلت: أنا، فقال: “أنا، أنا” كأنه كرهها .
ولا يليق بمن بالباب أن يتجسس على أهل البيت فينظر من ثقب الباب إذا لم يرد احد، فقد جاء في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لو أن امرأ اطلع عليك بغير إذن فحدفته أي رميته بحصاة ففقأت عينه ما كان عليك جناح” .
وبعد أن يستأذن الرجل من أهل البيت يلقي عليهم السلام قائلا: السلام عليكم، فهي تحية الإسلام وشعار المسلمين في الأولى والآخرة، فإن أذن له بالدخول دخل، فإن لم يجد فيه أحداً أو لم يسمح له بالدخول، أو لم يجد صاحب الإذن المعتبر شرعاً بأن وجد امرأة لا يصح الخلوة بها، أو وجد طفلاً لا يعبر عن أهل البيت فليرجع ولا يحق له الدخول .
وهنا لا ينبغي للزائر أن يسخط على أهل الدار فإن للناس أعذاراً وإن للبيوت أسراراً، وخير الناس الذين يلتمسون الأعذار لإخوانهم .
الاستئذان داخل الأسرة
وآداب التزاور ليست مطلوبة بين الجيران والأصدقاء فحسب، بل هي مطلوبة أيضاً بين الأهل والأقارب . .
يقول د .داود الباز الأستاذ في كلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر: الإسلام حريص كل الحرص على أن يسود الود والتفاهم بين الناس حتى داخل الأسرة الواحدة، وهناك آداب وضوابط للحفاظ على الأسرار واحترام الخصوصيات وعدم إزعاج أحد ولذلك كان من عظمة الشريعة الإسلامية حرصها على إقرار الآداب التي تنمي الذوق العام ووضعها آداباً للتعامل بين الآباء والأبناء داخل الأسرة، وهذه الآداب تقررها الآية القرآنية الكريمة: “يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء ثلاث عورات لكم ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم بعضكم على بعض كذلك يبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم” .
هذه الآية الكريمة كما قال المفسرون توضح أدب الاستئذان داخل الأسرة المسلمة بين فريقين هما: فريق رب الأسرة وزوجه، وفريق الأطفال والخدم .
ويقول: ما جاءت به شريعة الإسلام أدب كريم غفل عنه كثير من الناس لأن طبيعة علاقة الطفل بأبويه وطبيعة علاقة الخادم بمخدومه تقتضي دوام الاتصال وسرعة اللقاء، وهذا ما يمنع إقامة الحواجز في العلاقة بينهما ولكن هناك أوقاتاً معينة يخلو فيها المرء بنفسه أو بأهله، وقد يكون في أوضاع لا يليق بأحد أن يطلع عليها، وهذا يحتم التمهل في الدخول .
جمعاً بين النظرتين رخص الله سبحانه للأطفال والخدم بالدخول على كبار الأسرة من دون استئذان إلا في أوقات ثلاثة:
من قبل صلاة الفجر لأن الناس حينئذ يكونون في فراش النوم .
وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة أي في وقت القيلولة .
ومن بعد صلاة العشاء وقت الاستعداد للنوم وارتداء ملابسه .
هذه الأوقات الثلاثة ينبغي لرب الأسرة أن يؤدب أطفاله وخدمه على الاستئذان فيها لأن الطفل قد يتطبع في نفسه موقف من مواقف الخلوة فيترك آثاراً نفسية، وخلقية سيئة، ولأن الخادم قد يصف عورات مخدومه للأجانب .

إضافة تعليق