عباس بن فرناس مواهب بالجملة

لم يقتصر عباس بن فرناس على معالجة البحوث العلمية التي كانت سائدة في عصره، بل جنح إلى أنواع فريدة لم يفكر فيها إنسان من قبله، وامتاز بصفات عديدة، قلما تجتمع في شخصية علمية أخرى . فهو فيلسوف، وعالم رياضي وطبيعي وكيميائي وفلكي من الطراز الأول، كما أنه موسيقي بارع، وأديب وشاعر فذ، وهو فوق كل ذلك أول عالم حاول أن يغزو الجو وأن يخترع أداة للطيران .

ولد أبو القاسم، عباس بن فرناس بن ورداس سنة 190هـ - 805م، وأصله من كورة (رندة) بجنوب الأندلس، وينتمي إلى أسرة من البربر، ونشأ بقرطبة في أواخر القرن الثاني من الهجرة (أواخر القرن الثامن الميلادي) ودرس بها، وبرع منذ شبابه في الفلسفة والكيمياء والطبيعة والفلك، وكذلك برع في الشعر والأدب والموسيقا، وظهر منذ أيام الحكم بن هشام أمير الأندلس المتوفي سنة 206هـ (832م) . وعاصر من بعده ولده عبد الرحمن بن الحكم، ثم حفيده محمد بن عبد الرحمن، وحظي بمكانة فريدة لدى هؤلاء الأمراء الثلاثة، وأتحفهم بمدائحه وأدهشهم بمخترعاته، وتوفي في أواخر أيام الأمير محمد سنة 260هـ- 873م وقد أربى على الثمانين .

العلوم الطبيعية

 عرف ابن فرناس أولاً ببراعته في الحكمة والشعر والأدب، وانتظم بين أعلام العلماء والشعراء الذين يضمهم بلاط الحكم بن هشام، بيد أنه ما لبث أن ظهر في ميدان آخر، هو ميدان العلوم الطبيعية، وهو الميدان الحقيقي الذي تفتحت فيه مواهبه المدهشة، ولم يقتصر في معالجته، مثل كثير من أسلافه، على النواحي النظرية والتجريبية، بل اندفع إلى الميدان العملي، وانتهت تجاربه في ميدان الكيمياء الصناعية إلى صنع الزجاج من الرمال والحجارة، وكان لهذا الاكتشاف دوي عظيم، وكانت له فيما بعد نتائج عملية باهرة، وطارت شهرته إلى سائر أنحاء الأندلس .

 عكف ابن فرناس على الدراسات والبحوث الرياضية والفلكية، وانتهى فيها إلى اختراع عدد من الآلات الفلكية الدقيقة، وذكر لنا منها مؤرخ ذلك العصر آلتين، الأولى اسمها “ذات الحلق” وقد رفعها ابن فرناس إلى الأمير عبد الرحمن بن الحكم (206- 238هـ) مرفقة بعدد من الأبيات الشعرية، والثانية: هي آلة لمقياس الزمن، سماها ابن فرناس “الميقاتة” ورفعها إلى الأمير محمد بن عبدالرحمن (238- 273هـ) .

 وجاء في “تراجم إسلامية” للمؤرخ محمد عبد الله، أن ابن فرناس قد برع في الموسيقا وصياغة الألحان، وفي الغناء، وكان الأمير محمد بن عبد الرحمن يستدعيه إلى مجالس أنسه . فكان يقدم إليه أناشيد من رقيق نظمه ويغنيها بحضرته .

على أن أشهر ما اقترن باسم ابن فرناس، هي محاولته اختراع آلة يستطيع الإنسان أن يطير بها في الجو، وقد انتهى بالفعل إلى القيام بتجربته الخطيرة على مشهد من أهل قرطبة، فكسا نفسه بالريش، ومد لنفسه جناحين، ثم صعد إلى ربوة عالية بناحية الرصافة، واندفع منها في الهواء طائراً فحلق فيه حتى وقع على مسافة بعيدة، واشتهر ابن فرناس بهذه التجربة المدهشة التي ملأت مشاهديه من أهل قرطبة إعجاباً .

ومن الغريب أن ابن فرناس على تفرده في ميادين الاختراعات العلمية على هذا النحو المدهش، كان يحتل بين شعراء العصر مكانة ممتازة، وكان، إلى جانب معاصريه، الشاعرين الكبيرين مؤمن بن سعيد، وأبي عمر بن عبد ربه صاحب “العقد الفريد”، من خواص شعراء الأمير محمد، وله في مديح الأمير، وفي الإشادة بحوادث العصر قصائد رنانة، ومنها قصيدته الشهيرة في موقعة وادي سليط التي انتصر فيها الأمير محمد على ثوار طليطلة وحلفائهم الإسبان (240هـ- 854م) وكان من شهودها إلى جانب الأمير .

محاكمة ظالمة

 

على أن أعجب صفحة في حياة ابن فرناس، وأكثرها إيلاماً هي محاكمته الشهيرة بتهمة الزندقة والكفر، فقد أثار هذا العلامة الفذ ببحوثه واختراعاته العلمية الفريدة، حسد الفقهاء وشكوكهم، كما أثارت بحوثه الكيمائية والفلكية بداره بالربض الغربي من قرطبة، ثم محاولته للطيران، ظنون الكافة ودهشتهم، واعتقادهم أن الرجل مارق، يتمتع بقوى شيطانية خارقة، وقد أثمرت سعاية خصومه من الفقهاء وغيرهم اتهامه بالكفر والزندقة، وإتيان الخوارق الشيطانية، فاعتقل وقدم للمحاكمة، أمام قاضي قرطبة سليمان بن أسود الغافقي، وعقدت المحاكمة في المسجد الجامع، وهرع الناس لشهودها، واجتمع حشد من العامة للشهادة عليه، فمنهم من قال: سمعت ابن فرناس يقول: “مفاعيل مفاعيل”، ومنهم من قال: “رأيت الدم تفور من قناة داره” إلى غير ذلك مما يوصف “بأحموقات من شهود عليه ذوي جهل” .

 

وكان القاضي سليمان بن أسود بالرغم من صرامته، ذهناً مستنيراً، فلم ترقه تلك الترهات، ولم يجد فيها طائلاً، فشاور جماعة الفقهاء، فيما قيد منها، ولم يجد سبيلاً إلى مؤاخذة ابن فرناس، وقضى ببراءته وإطلاق سراحه . وهكذا نجا ابن فرناس من محنة كانت تهدد حريته وحياته.

 

إضافة تعليق

1 + 15 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.