مبدأ الأمن

قدّم أستاذ الفلسفة في جامعة شرق باريس، فريدريك غرو، كتاباً في عام 2009 تحت عنوان :"المشي.. فلسفة"، بقي لأسابيع عديدة في عداد الكتب الأكثر انتشاراً في فرنسا. وهو يقدّم اليوم كتاباً جديداً عن "مبدأ الأمن".يشرح المؤلف في الكتاب، الأسباب العميقة التي جعلت مفهوم الأمن حاضراً في تفاصيل حياة البشر اليوم، وعلى رأس قائمة اهتماماتهم. وكذلك، كيف أصبح الأمن رهاناً سياسياً ـ إعلامياً بامتياز، في مختلف بلدان العالم؛ الأمر الذي يبدو بوضوح في الحملات الانتخابية، بكل مستوياتها، في البلدان الغربية. بل ان بعض الأحزاب السياسية، وخاصّة اليمينية المتطرّفة منها، جعل مسألة الأمن بمثابة المحور الرئيسي في برامجه الانتخابية.

يوضح المؤلف أنه يتردد في الخطاب السائد اليوم، الحديث عن: الأمن الغذائي وأمن التزوّد بالطاقة والأمن على الحدود والأمن العام والأمن الوطني والأمن المالي. وهذه المشارب كلّها، من الأمن، غدت في طليعة اهتمام الدول، على خلفية ارتباطها الوثيق بالمستقبل، مثل ما هو في الحاضر. ولكن، رغم وجودها الشامل، لم يبحث في مسارها التاريخي ومدلولها الفلسفي.

ويلفت غرو إلى أن مبدأ الأمن الموجود في مختلف مناحي الحياة، هو ثمرة أربعة مفاهيم تاريخية كبرى، والأول يكمن في النظر إلى الأمن كـ "حالة ذهنية" في رأس صاحبها. ويشرح المؤلف، تحت عنوان "الأمن حالة ذهنية هادئة"، الأصول الفلسفية لمفهوم الأمن منذ عصر اليونانيين، والذين وجدوا الأمن في: "السيطرة" أو في "الهروب إلى المتعة" أو في "العزلة عن الآخرين".

 وفي المفهوم الثاني، يبدو الأمن كـحالة موضوعية ومنظومة ماديّة تتسم بغياب المخاطر، طبقاً لما يبينه المؤلف في قسم يحمل عنوان "تباطؤ التاريخ".

 وأما الثالث فيتأتّى من دور الدولة في "حماية الحقوق الأساسية الخاصّة بحماية الممتلكات والأشخاص والنظام العام وسلامة التراب الوطني"، وهو ما يبينه المؤلف تحت عنوان "الدولة الضامنة" التي تعمل بالضرورة على إزالة المخاطر المهددة لحياة مواطنيها ورعاياها، وتضمن حريّتهم وحقوقهم الجماعية والفردية.

 وفي المفهوم الرابع والأخير، يرى الأمن في "الرقابة على الهجرة" والحد من تدفّقها. وما يعرّفه المؤلف بالأمن الذي يسمح بتأمين آلية عمل طبيعية لأي نشاط يقوم فيه البشر، كما يسمح بضبط الدينامية الاجتماعية بكل مشاربها وتداخلاتها وتفرعّاتها، لضمان حسن سير المجتمع كلّه. ويشير في هذا السياق إلى أن العولمة الليبرالية الراهنة وسيادة قوانين اقتصادية، باتا يضمنان "أمن السوق والمنافسة"، ما دفع نحو اضمحلال دور الدولة "المانحة، الضامنة".

 وهكذا أدّى نموذج أمن السوق، إلى فرض مجموعة من القواعد التي تذهب باتجاه تقهقر السياسات الداعية إلى دعم إجراءات تحسين رعاية الصحّة العامّة، والتي انتهجتها الدول لفترة طويلة. وكان الوجه الآخر لسيادة قواعد السوق، زوال كبير لمنطق التضامن الاجتماعي.

 ويبين المؤلف أن كل مفهوم من هذه المفاهيم الأربعة، عرف عصره الذهبي في مرحلة ما من مراحل التاريخ.

 ويؤكّد غرو أن الخوف من المستقبل ومن الكوارث التي ترتسم في الأفق، بسبب التهديدات بأسلحة الدمار الشامل، يجعل من "مبدأ الأمن" ذا حضور كبير في حياة الناس وفي اهتماماتهم. وهذا على حساب "مبدأ الأمل" الذي كان قد ساد بفعل التطورات الكبرى التي خلقها تقدّم العلوم والتكنولوجيات، إذ وعد بالسيطرة على الطبيعة وسبر أسرارها. ولكن المطلوب اليوم، السيطرة على العلم وثمراته التي تشكل مصدر تهديد لـ "أمن الإنسان".

 وكذلك جرى الانتقال من مخاوف الحروب إلى وساوس الأمن لدى الأمن. ويفسر المؤلف السبب: "عرف جيلنا سقوط جدار برلين الذي وضع حدّاً للخوف من الحروب الشاملة ـ في أوروبا ـ وفي الوقت نفسه، جاءت تفجيرات 11 سبتمبر كي تعلن عن أشكال جديدة من العنف. كما أن التناوب بين الحرب والسلام لم يعد موجوداً، إذ حلّ محلّه مفهوم التدخّل، ليس باسم المصالح الوطنية، ولكن تحت عنوان القيم العليا للإنسانية، وضمان أمن السكان والمحافظة على حياتهم.


الكتاب: مبدأ الأمن

 تأليف: فريدريك غرو

 الناشر: غاليمار باريس 2012

 

إضافة تعليق

1 + 15 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.