الديمقراطية الدّرداء

هي نقيض الديمقراطية التي تسمى ذات أنياب أو متوحشة، يفرزها التاريخ في لحظات حرجه، تتخفى فيها الديكتاتوريات والنظم البطريركية والثيوقراطية خلف واجهات تعرض عينات أنيقة لا علاقة لها بالمنتج الحقيقي . والديمقراطية الدرداء تحتاج إلى من يمضغ لها الطعام وينوب عنها حتى في هضمه وتمثله، لأنها لا ترتبط بأي سياق عضوي أو نمط إنتاج يحدد إطارها . وحين كتب هنري لوفيفر عن الحداثة، كان يضيف ضمير الجماعة والمتكلم إلى المصطلح، ما أثار استغراب بعض الأوروبيين خارج فرنسا، وكأنه يقول لكل مجتمع حداثته وما من حداثة مطلقة، وكذلك الديمقراطية . لهذا يقول مؤرخ ألماني إن بيان نعي الحداثة صدر في برلين العام ،1815 أي قبل قرنين وما بعد ذلك التاريخ هو ما بعد الحداثة، هذا بالرغم من أن هناك مجتمعات تعيش حتى الآن ما قبل الحداثة بمعناها الحقيقي، وبعيداً عن البهرجة والاستعراضات الشكلية وحشد القرائن المصاحبة لمفهوم الحداثة .
والديمقراطية أساساً، كما وصفها ونستون تشرتشل، هي شرّ لابد منه، وهو الوصف الذي قدمه الخطيب الروماني الشهير شيشرون للزواج .
لهذا ما من ديمقراطية ناجحة تماماً وما من زواج كله سعادة، بل العكس هو الصحيح، فالديمقراطية التي لا تفرز مشكلات ليست فاعلة، بل هي ممنوعة من الصرف ومنزوعة الدسم السياسي، كما أن الزواج الذي لا تتخلله توترات هو طلاق صامت .
ومعظم ما يكتب اليوم عن الديمقراطية في مجتمعات حرمت منها طويلاً وبالغت في التعويل عليها كوصفة سحرية لإنهاء الشقاء والفقر وحتى المرض، هو على طريقة: “لا تقربوا الصلاة . .” لأن هذه الأطروحات لا تقيم وزناً للثقافات والأعراف وأنماط الإنتاج الاقتصادية، وتعزل الديمقراطية كمولود عضوي لتطور ثقافي ومدني عن سياقاتها التاريخية، والغرب الذي طالما زعم أنه صانع الديمقراطية ومصدّرها، يعرف أن كثيراً من أباطرته وطغاته جاؤوا من خلال صناديقها، فهي ليست أيقونة أو تعويذة بقدر ما هي منتج تاريخي وثقافي مشروط ببيئات وموروثات ومكونات سيكولوجية .
ويطرح بعض المؤرخين المعاصرين نموذج الديمقراطية الدرداء مقترناً بتجارب منها تجربة سلفادور أللندي في تشيلي وبالمقابل ثمة ديمقراطيات متوحشة سرعان ما أعادت المجتعمات إلى النقيض، والحل ليس توفيقياً أو تلفيقياً بحيث نبحث عن متوسط حسابي لهذين النمطين من الديمقراطية . بل هو تربوي بامتياز .
وحين تقتصر الديمقراطية على بُعد واحد هو المتعلق بالحاكم والمحكوم فقط تبقى أشبه بصقر أو نسر بلا جناحين، وأحياناً يكون لها جناحان كالدجاج . . لكنهما لا يحلقان بل يعوقان هذا الكائن المسكين حتى عن المشي .
وذات يوم تساءل الفيلسوف سارتر عن موقف الديمقراطيين من أعداء الديمقراطية، وكان ذلك التساؤل ضمن سجال نظري يقترب من الفنتازيا . . فإن فتكوا بأعدائهم يصبحون طغاة وغير ديمقراطيين، وإن تسامحوا معهم عرّضوا ديمقراطيتهم للخطر والزوال .
نحتاج نحن العرب إلى مقاربات أقل سطحية من هذه المتداولة إعلامياً عن الديمقراطية، فهي ليست وصفة لدواء يتناوله الجميع، وحتى لو كانت كذلك فثمة أدوية تقترن بوصفات خاصة لمن يتعاطونها في بيئات جغرافية مختلفة، وليس معنى ذلك أن لكل كائن ديمقراطيته الخاصة، فالقاسم المشترك موجود وكذلك الشروط الضرورية لهذا المنجز الحضاري .
ما نخشاه هو أن تكون الديمقراطية بطبعتها العربية الآن، وسيلة أسرع إلى الاحتكار كأن تكون طائرة بدلاً من سيارة أو قطار .

إضافة تعليق