أدواتنا والنشر الإلكتروني

البعض يتعامل معه كأنه أمر خيالي، أو مستقبلي، يمكن للإنسان الاختيار بينه وبين شيء آخر. ولكن نكتشف أن التعامل معه يشبه إلى حد كبير مناقشتنا حول هل ندخل العولمة أم لا؟ في الوقت الذي كان يؤكد كل المفكرين أن دخول العولمة أمر مفروغ منه، والسؤال المهم: ماذا تمتلك من أدوات في الطريق إلى العولمة؟
هكذا يتعامل البعض مع النشر الإلكتروني أو استخدام الوسائل الذكية في نشر الكتب، متخوفين على مستقبل الكتاب الورقي، متوهمين أنه يجوز التغافل عن تلك الوسائل، ولكن معظم الناشرين يؤكدون أن الكتاب الإلكتروني قادم قادم لا محالة، وأن العرش القادم سيجلس عليه بعض شاشات إلكترونية بها وميض ملون.
|
البعض يتعامل معه كأنه أمر خيالي، أو مستقبلي، يمكن للإنسان الاختيار بينه وبين شيء آخر. ولكن نكتشف أن التعامل معه يشبه إلى حد كبير مناقشتنا حول هل ندخل العولمة أم لا؟ في الوقت الذي كان يؤكد كل المفكرين أن دخول العولمة أمر مفروغ منه، والسؤال المهم: ماذا تمتلك من أدوات في الطريق إلى العولمة؟ هكذا يتعامل البعض مع النشر الإلكتروني أو استخدام الوسائل الذكية في نشر الكتب، متخوفين على مستقبل الكتاب الورقي، متوهمين أنه يجوز التغافل عن تلك الوسائل، ولكن معظم الناشرين يؤكدون أن الكتاب الإلكتروني قادم قادم لا محالة، وأن العرش القادم سيجلس عليه بعض شاشات إلكترونية بها وميض ملون. ومن هنا تبرز أسئلة حول مدى تأييد الكتّاب للنشر مؤلفاتهم عبر الأجهزة الذكية, وكذلك موقف دور النشر من التوجه لهذا النوع من النشر, ومدى تشجيع ذلك على القراءة وانتشار الثقافة. نستشف الإجابة عنها من خلال آراء عدد من المتخصصين: الأديب المصري محمد المخزنجي قال: «أراهن على استمرار الكتاب الورقي؛ لأن وجوده المحسوس يستدعي المحتوى، أما الكتاب الإلكتروني مطوي. ولكن أنا استخدم الأجهزة الذكية وعندي بعض الولع الشديد بهذه الأجهزة»، ويأسف المخزنجي على حال البرمجيات العربية التي لم تتطور لمجاراة تطور الكتاب الإلكتروني. وحول توجه دور النشر يقول المخزنجي إن دور النشر العربية التي لا تنظر إلى الأفق ستفوتها الفرصة باستخدام الأجهزة الذكية في صناعة الكتاب. المخزنجي شارك من قبل في ندوة للبحث عن أحدث ما توصلت إليه التكنولوجيا الحديثة العالمية في صناعة النشر، قال فيها إن: «هناك ملايين البشر مثلي، أسميهم بشر الكتب، والكتب التي أعنيها تحديداً هي الكتب المطبوعة. نحن بشر الكتب، لماذا ارتبطنا نفسياً وذهنياً بالكتب على هذا النحو؟ وماذا لو اختفت الكتب من عالمنا لتحل مكانها أخرى رقمية أو إلكترونية؟ ما الذي سنخسره؟ أو نكسبه؟ وما الذي سيخسره أو يكسبه غيرنا من أجيال تالية، موعودة أو مهددة بزوال أو أفول الكتاب المطبوع؟». وأشار المخزنجي في حديثه مع (المجلة العربية)، إلى العالم والترج أونج في كتابه الأهم (الشفاهية والكتابية)، حيث قال: إن الطباعة أحلت الكلمات في الفراغ بصورة أكثر صرامة مما فعلته الكتابة في تاريخها كله. فعلى حين تحرك الكتابة الكلمات من عالم الصوت إلى عالم الفراغ المرئي، تحبس الطباعة الكلمات في موضعها داخل هذا الفراغ. المخزنجي، طبيب نفسي، مهموم بالحواس والتأثيرات النفسية، قال إنه مع الكتاب المطبوع، حيث يكرر ما فعله ويفعله بلايين البشر منذ ستة قرون: أتناول الكتاب بيدي، وقد أتحسس غلافه وأنا أقرأ ما طبع عليه في صمت، أو بهمس لا يتجاوز سمعي. وعندما طالعت ما نشرته إحدى المجلات العلمية في أواخر عام 1999 عن الكتاب الإلكتروني، تحت عنوان (اقرأ شاشتي)، متحدثة عن أزمة ناشري الكتب المطبوعة والخسائر المادية الهائلة التي يتكبدونها في حالات انكماش التوزيع. وبشر بأن ذلك كله سيتلاشى مع بزوغ العصر الجديد للكتاب الإلكتروني الواقف فعلياً على الأبواب. فلن تنفد طبعة من كتاب، ولن يتراكم في المخازن، ولن يعسر على القارئ العثور على أي كتاب يريده خلال بضع دقائق ليحمّله على جهازه خلال دقائق أقل، ويقرؤه في النور أو في الظلمة، أو حتى وهو مغمض العينين باللجوء إلى برنامج صغير للقراءة الصوتية ضمن بعض هذه الكتب الأجهزة الإلكترونية. وأشار المخزنجي إلى النماذج التي عرضتها تلك المجلة، النموذج الأول، واسمه الكتاب الإلكتروني الصاروخي (Rockete Book) من إنتاج نوفوميديا بكاليفورنيا. وهو جهاز بحجم قاموس متوسط يعرض مخزونه من الكتب على شاشة كمبيوتر من البلورات السائلة LCD بمساحة صفحة كتاب صغير، وجوانبه الملفوفة تتيح لليد أن تمسكه بارتياح، وهذه الجوانب ذاتها هي غرف للبطاريات القابلة لإعادة الشحن التي تشغل الجهاز، والتي تكفي لعمله 33 ساعة في كل مرة شحن. وذاكرته تتسع لتخزين أربعة آلاف صفحة، أي ما يعادل عشر روايات دفعة واحدة. وكما في الكتاب المطبوع تأتي النصوص بحروف سوداء على خلفية بيضاء. والجهاز مزود بأزرار يتيح الضغط عليها قلب الصفحات والبحث عن فقرات بعينها، مع إمكانية فتح قاموس خاص يشرح التعبيرات الصعبة في النص. وعلى هذا النموذج علقت المجلة باستدراك سلبي واحد هو أن عرض الصفحات على شاشته يفتقر إلى ذلك البياض الثابت الذي تمثله صفحات الكتاب المطبوع الورقية خلف كلمات النص السوداء أو الملونة، وأن أقصى ما تم تجريبه لم يزد على شاشة تقارب مواصفات شاشات لعب الأولاد. النموذج الثاني من الكتاب الإلكتروني كان جهازاً يسمى Soft Book ويشبه في شكله العام النموذج السابق، لكن شاشته مضيئة تمكن الإنسان من القراءة ليلاً. وهو جهاز يعمل خمس ساعات متواصلة مقابل كل ساعة شحن، وقدرته التخزينية 10 آلاف صفحة مما يعتبره مسوقوه مناسباً للقراءة الاحترافية, واسم الكتاب نابع من ملمسه الناعم لأنه مكسو بغطاء جلدي داكن ووثير. وأكمل المخزنجي، الذي كان يتذكر أثناء حديثه معنا، إحدى الندوات العربية التي ناقشت مستقبل الكتاب الورقي: في معرض فرانكفورت مكثت أتردد على جناح النشر الإلكتروني يومياً، لأتابع الجديد، وأتحقق مما وصل إليه الكتاب الإلكتروني تحديداً. ثم رأيت ما يسمّى قارئ مايكروسوفت ذا الحرف الواضح، وهو برنامج لأجهزة الكمبيوتر الشخصي. مصمم لجعل القراءة على شاشات الكمبيوتر، ولأول مرة، تقترب من مواصفات القراءة في الصفحات المطبوعة، بتوظيف تقنية جديدة هي تقنية عرض الحرف الواضح. وقال المخزنجي إن هناك خلطاً بين ما يسمى Electronic Book وبين الكتب المخزنة على أقراص مدمجة. وحول تشجيع هذه النماذج الحديثة على القراءة وانتشار الثقافة يقول المخزنجي: هناك أمور كثيرة تشجع على القراءة وانتشارها قبل النشر عبر الأجهزة الذكية، بالطبع التكنولوجيا الحديثة وخدمتها لرفاهية الإنسان تشجع على انتشار الكتاب الإلكتروني ومن ثم انتشار الثقافة. فالأجهزة الذكية وفرت العبء الجسدي والمادي لحمل الكتب من مكان إلى مكان، كما يمكن القراءة في الظلام وأنت نائم، خاصة بعد التقارب الشديد بين شكل الكتاب الورقي وبين ما تقدمه الأجهزة الذكية. التغير الإلكتروني والاتصالات الحديثة سألنا الكاتب عادل فرج الناشر ومدير دار (بيت الحياة) هل تؤيد نشر الكتاب عبر الأجهزة الذكية؟ فأجاب: «الحقيقة أن الأمر لم يعد رهن أرائنا بالتأييد أو المعارضة، إنها التكنولوجيا الحديثة وأسلوب جديد دخل إلى حياتنا، دون استئذان من أحد, فهي موجة عالية، لا أحد يستطيع مواجهتها إلا أن يحاول أن يتفهمها ويستفيد منها.. ويوظفها للاستفادة بها». ويبين: ثمة أنواع من الكتب لاحظت أنه يمكن الإقبال عليها متى نشرت على الأجهزة الذكية مثل: المعارف العامة، الروايات، التنمية البشرية، كتب الإدارة، كتب الصحة، كتب المشورة ، بعض الكتب الدينية، والموسوعات. وحول مدى مساهمة نشر الكتب عبر الأجهزة الذكية في تشجيع القراءة وانتشار الثقافة؛ يجيب عادل فرج، وهو مترجم وناشر متخصص في كتب الأطفال: «بدون شك, إضافة رافد جديد للمعرفة يدعو نوعية جديدة من القراء. فمثلا الأجيال الشابة بل الأطفال يتعاملون مع الأجهزة الذكية ويفضلونها في قراءة الكتب. ولكن قد تكون تلك الثقافة سطحية وتتوقف عند القشور، لذا يلزم معه التوعية بخطورة التوقف عند المعرفة السطحية، والقراءة للتسلية فقط، والدعوة لقراءة تدعم بناء الشخصية وإدراك الحياة على نحو أكثر عمقًا». أما عن توجه دور النشر لهذا النوع من التقنية فيؤكد فرج أنه عاجلاً أو آجلاً فإن دور النشر في منطقتنا العربية سوف تتوجه لهذا النوع من النشر، ولكن لن ينتهي عصر الكتاب المطبوع كما يظن البعض، ولكن سوف يتوجه الناشر لبعض الكتب التي تناسب النشر على الأجهزة الذكية، لا كل الموضوعات. وقد التقيت بشباب كثيرين ممن يتقنون التكنولوجيا الحديثة والأجهزة الذكية، لكنهم مازالوا يفضلون الكتب المطبوعة، وهم يوجهون قراءاتهم للكتب على الكمبيوتر بنسب محدودة. وهذا يعكس ما كنت أتوقعه منذ نحو عشر سنوات، بأنه لن يستطيع أحد أن ينزل الكتاب المطبوع عن عرشه وإن اهتز قليلاً. ويضيف فرج: إن النشر الإلكتروني يواكب التغير الحادث على صعيد التغير الإلكتروني، والاتصالات الحديثة.. ولا نستطيع إلا أن نؤكد على ذلك, فلقد تأثر السلوك البشري تأثراً كبيراً بذلك التغير، فقد احتجبت فعلاً بعض المنشورات، مثل مجلة نيوزويك الأمريكية الأسبوعية عن الظهور كمطبوعة ورقية، وغيرها. وثمة برنامج زمني للمطبوعات، سواء مطبوعات يومية أو أسبوعية، لكي تكون تلك المطبوعات إلكترونية فحسب. ومغريات النشر الإلكتروني عديدة. فإذا بدأنا بالمكان.. فيمكن الاستغناء عن المكان، واستبداله بموقع على الشبكة العنكبوتية. ويمكن إدارتها من أي مكان.. (فيمكن إدارتها من البيت مثلاً). ولا داعي لوجود مكان مستقل, وهكذا يمكن للمحررين العمل من البيت. وبذلك يمكن توفير مصاريف إدارة مكان، ومصاريف انتقال المحررين. كذلك يمكن إذا ما تحدثنا عن الكتاب.. يمكن إدارة دار نشر من البيت ولا داعي للانتقال ويمكن لمصممي الأغلفة والتصميم الداخلي للكتاب العمل من البيت، وهكذا. ويكمل عادل فرج: ومن بين مغريات النشر الإلكتروني الأخرى، أنه يوفر مصاريف الطباعة عن الورق، وذلك له مردوده البيئي أيضاً. فلذلك يمكن توفير آلاف وملايين الأشجار التي تقوم عليها صناعة الورق.. وكذلك يمكن تجنب ما يحدث من خلال تلوث البيئة الناتج من استخدام أحبار الطباعة، كذلك فإن استخدام أسلوب التحميل على الكمبيوتر أو استخدام القارئ الإلكتروني (kindle)، فإن سعرها معقول جداً مع سهولة تداولها، فضلاً عن سهولة استنساخها. وسهولة تخزنيها مع عدم إضافة مصاريف للتخزين يتم دفعها في حالة الطباعة على الورق (الطباعة) التقليدية. كذلك فإن النشر الإلكتروني يتميز بسهولة التحديث والتغير، إضافة وحذف. ولا يكلف كثيراً أو قليلاً، كذلك يمكنك إن تتحكم في حجم الخط ونوعه.. والإضاءة. أما المآخذ على النشر الإلكتروني فيمكن إدراكها في أنها لا توفر – أي وسائط النشر الإلكتروني- الراحة والحميمية التي يوفرها الكتاب، سواء بإمكانية استخدامه في ظروف كثيرة وفي أوضاع عديدة، فلا نخشى عليه إذا سقط أن ينكسر أو أن تنفد الطاقة وأنت بعيد عن مصدر الطاقة، سهل النقل، فيمكن للكتاب أن تنقله في رحلاتك بسهولة، وهكذا. يحتاج الاحتفاظ بالكتب أو المعلومات على الأقراص المدمجة إلى الاحتفاظ بأكثر من نسخة لسهولة تلفها.. كذلك يحتاج إعادة نسخها كل مرة عدة سنوات.. للسبب ذاته. مشروع شركة نشر إلكتروني أما المهندس عاصم شلبي رئيس اتحاد الناشرين المصريين، فأكد أن الاتحاد يدرس مشروعاً لإقامة شركة للنشر الإلكتروني لتنظيم عملية النشر وحماية حقوق الملكية الفكرية للكاتب والمؤلف، موضحاً أن قضية النشر الإلكتروني قضية إستراتيجية، وأن وجود مثل تلك الشركة سيستفيد منه كل المتعلقين بعملية النشر, وهي دراسة أعدها د. عادل خليفة، ونحن بالاتحاد نستكمل دراستها من النواحي الإدارية والمالية، وعرضنا المشروع على الناشرين عرضاً فنياً ولاقى استحساناً منهم، لأن النشر الورقي أصبح مهدداً لصالح النشر الإلكتروني. وأشار إلى أنه لابد أن يتوحد كل الناشرين المصريين في مكان واحد للنشر الإلكتروني، لأن هذا سيحافظ على المهنة، فكل الأشكال القانونية للنشر الإلكتروني لها جوانب إيجابية وجوانب سلبية مما يؤثر على العملية نفسها، فيصبح من الأفضل أن نقوم بإنشاء دار نشر إلكترونية يكون الاتحاد جزءاً منها. وعن مدى تقبل دور النشر لهذا التوجه يبين رئيس اتحاد الناشرين المصريين أن هذا الأمر ليس رهن إرادة دور النشر، ولكنه أمر واقع، وبخاصة أن حجم النشر الإلكتروني تعدى حجم النشر الورقي, ومن المتوقع بعد 8 سنوات أن تصل نسبة النشر الورقي إلى 20 %، والإلكتروني 80 %، لذا نحن أمام تحد كبير وهو وجود الكتاب على شبكة الإنترنت، فهذا يحتاج حماية خاصة وقانونية، كما أن من أكبر التحديات التي تواجهنا في هذا المجال هي القرصنة على الكتب الموجودة على شبكة الإنترنت, وهي أكثر من القرصنة على الكتب الورقية، لذا نحتاج حماية قانونية وفنية، وتلك الإجراءات ليست جديدة ولا نخترعها ولكنها موجودة في العالم كله. وأشار شلبي إلى أهمية النشر الإلكتروني وما سيعود على دور النشر من فوائد مادية ومعنوية وسهولة تسويق وتوزيع المحتوى الإلكتروني على شبكة الإنترنت أو على السيرفرات الخاصة بتنظيم المكتبات الرقمية، موضحاً أن الوطن العربي يعاني من ضعف المحتوى الرقمي, وهناك حاجة لتفاعل دور النشر لكي نلحق بدور النشر العالمية. |

إضافة تعليق