الكتاب عبر الأجهزة الذكية: الصعوبات والعوائق

أحدثت التطورات التكنولوجية الهائلة، التي شهدتها العقود الأخيرة، تغيرات وتبديلات كبيرة في مختلف الحقول التعليمية والتربوية والثقافية والفنية، بل امتدت هذه التغييرات إلى مجالات التواصل الإنساني وأنماط التفكير، وطرق المعيشة، وأسلوب التعامل.. وسواها من المجالات التي دفعت بمارشال ماكلوهان إلى اختزال كل هذه التحولات الجذرية في عبارته المعروفة التي تفيد بأن (العالم تحول إلى قرية صغيرة)، وهي عبارة ترمز إلى أن التطورات التكنولوجية، وخصوصاً على مستوى وسائط الاتصال، لم تعد تأبه بالحدود الجغرافية وبالمسافات الشاسعة التي تفصل بين بلد وآخر، فكل شيء يحدث في العالم سرعان ما يتحول إلى صورة على شاشة.
الكتاب، بوصفه الوعاء الذي يحوي عصارة الفكر الإنساني، لم يكن بمعزل عن هذه التطورات، بل ربما كان هذا (الجليس الخيّر)، وفق وصف الشاعر المتنبي، هو من أكثر الوسائل عرضة لهذا التطور، فالقائمون على صناعة الكتاب طوعوا هذا الوسيط كي يتواءم مع أسلوب الحياة العصري حيث الهواتف الذكية النقالة، وشاشات الحواسيب التي تتطور يوماً بعد يوم، في سبيل تأمين آليات لتصفح سهل ويسير يسهم في نقل الكتاب إلى أكبر عدد ممكن من القراء، والتغلب على العوائق الرقابية والجغرافية ومصاعب النقل، فضلاً عن معضلة ارتفاع سعر الكتاب الورقي، وغير ذلك من العقبات التي وقفت في وجه الكتاب الورقي التقليدي.
لاشك أن نشر الكتاب عبر الأجهزة الإلكترونية الذكية جاءت كحاجة ملحة تعكس طبيعة وملامح الحياة المعاصرة، ففي الوقت الذي يقضي فيه الأفراد، وخصوصاً شريحة الشباب، ساعات طويلة في استخدام تلك الأجهزة، كان لابد من اختراعات وابتكارات تقلل من الضرر الذي يسببه شيوع هذه الأجهزة، ذلك أن معظم مستخدمي هذه التكنولوجيا يسخرونها في الدردشة السخيفة، وفي تطبيقات ألعاب إلكترونية، وفي نشر التعليقات السطحية العابرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بل ثمة من يقضي وقتاً طويلاً في تصفح المواقع الإباحية.. كل هذه السلوكيات بدت سلبية إزاء القدرات الهائلة التي تمتلكها هذه التكنولوجيا والتي وصفت بأنها (سلاح ذو حدين) يمكن استخدامه على نحو سلبي وكذلك يمكن تسخيره بشكل إيجابي. من هنا، ظهرت الحاجة لنشر الكتب والموسوعات والمطبوعات القيمة عبر هذه الأجهزة، والسعي إلى توظيفها بشكل ينمي ثقافة المستخدمين لها، ويكرّس لعادات القراءة، ويغير تلك الرؤية النمطية القائلة بأن تلك الأجهزة هي لتزجية الوقت فحسب، إذ يمكن تسخيرها بحيث تكون هذه الأجهزة أداة بارعة في نقل الثقافة ونشرها على أوسع نطاق، وإيصالها إلى القارئ أينما كان وبأسهل الطرق.
بالطبع هناك تعقيدات تكتنف هذا الجانب، فهناك تنافس حاد بين شركات إنتاج تلك الأجهزة والمخترعات، ولعل أول ما يخطر على البال في هذا السياق هو (أمازون كيندل) وهو نظام من برامج وأجهزة وضعته شركة تابعة لموقع (أمازون) لقراءة الكتب الإلكترونية وغيرها من الوسائط الرقمية. وتستخدم أجهزة كيندل تقنية الحبر الإلكتروني لعرض الصفحة الإلكترونية، ولتنزيل المحتوى عبر شبكة لاسلكية خاصة، وتطورت هذه التقنية بالتدريج من ناحية الشكل والسعة وعمر البطارية وسواها من المسائل التقنية، وهي توفر الآن آلاف العناوين، وقد طرحت أمازون منذ فترة اللوح الإلكتروني الذكي فاير (Fire) ، ثم برز منافس له وهو جهاز (نوك) Noke الذي صنعته شركة (بارنز آند نوبلز) المنافسة لـ (أمازون).
وتعمل معظم التطبيقات بتقنية تسمى (النص الفائق الترابط 5)، ويعني ذلك أنه بدلاً من السعي إلى وضع الكتب في هيئة رقمية خاصة بها، كأن تكون ملفات (بي دي إف)، هناك حل ربما كان أكثر سهولة، يتمثّل في تحويلها إلى تطبيقات تعمل بتقنية (النص الفائق الترابط 5)، كما تتمتع بالمواصفات التي توفّرها هذه التقنية، مثل إدخال الصور والأصوات والرسوم وغيرها.
وبصورة عامة، هناك نوعان أساسيان من التطبيقات، هما (آندرويد) Android الذي ابتكره محرك البحث (غوغل)، و(آبل آبس) Apple Apps، الذي صنعته شركة (آبل) Apple.
لاشك أن الخوض في هذا الجانب التقني متشعب، وصعب، وكي لا نغرق في هذه التفاصيل التقنية المعقدة، نقول إن المهم في سرد هذه الإشارات السريعة هو أن الكتاب الإلكتروني ونشره عبر الأجهزة الذكية (بات واقعاً محتوماً)، ويشير الصحافي السوري منذر الشوفي أن «مبيعات الكتب الإلكترونية ارتفعت على نحو غير مسبوق، على الأقل في الولايات المتحدة، التي فاقت فيها، وللمرّة الأولى في تاريخها، مبيعات الكتب الإلكترونية، نظيرتها الورقية».
ويشير الشوفي في حديث لـ(المجلة العربية) إلى تقرير أصدرته (منظمة النشر الأميركية) قبل أشهر قليلة يقول «إن الذي توقعناه منذ سنوات قليلة حصل. نعم. لقد سبق الكتاب الإلكتروني نظيره الورقي في المبيعات والمطالعات».
وأوضح التقرير أن مبيعات الكتب الإلكترونية لدور النشر الأميركية الرئيسة الـ16، وصلت إلى 95.3 مليون دولار مع نهاية شتاء 2011، ما شكل ارتفاعاً بمعدل يفوق الضعفين عن شتاء 2010.
وتشير الكثير من الإحصائيات، وخصوصاً في البلدان المتقدمة، إلى انخفاض إقبال القرّاء على الكتاب الورقي لتزداد في مقابلها أعداد قرّاء الكتاب الإلكتروني. وتشهد بلدان مثل فرنسا وبريطانيا وألمانيا واليابان صراعاً حاداً بين ثقافتي الكتابين الإلكتروني والورقي، مع الاتجاه لرجحان كفة الأول، ولم يتردد ألكسندر سكيبيس، المدير التنفيذي لبورصة تجّار الكتب الألمان في فرانكفورت، في القول علانية إن «الكتب الرقمية ستتفوق على الورقية خلال الأعوام المقبلة في ألمانيا».
بهذا المعنى، فإن انتشار الكتاب الإلكتروني عبر الأجهزة الذكية لم يعد ترفاً ثقافياً، بل هو ضرورة فرضتها الحداثة، والسؤال كيف هو واقع هذه الكتب في البلاد العربية؟.
يرى الشاعر السوري طه خليل أن «جمهور الإنترنت قليل نسبياً في العالم العربي، وثمة تفاوت شاسع بين دول عربية خطت خطوات هائلة في هذا المضمار، وبين دول عربية أخرى مازالت في البدايات»، مشيراً إلى «ضعف شبكات الاتصالات العربية، وضمنها الإنترنت، فالكثير من شبكات الخليوي العربية لا تصلح للتعامل الفعّال والسريع مع التطبيقات التي تستخدمها الخليويات الذكية والألواح الرقمية».
وأكد خليل في حديث لـ(المجلة العربية) أن «ضآلة المحتوى الرقمي العربي، هي حقيقة لابد من الاعتراف بها، ناهيك عن أن هموم الكتاب الورقي من تأليف وترجمة وحقوق النشر وكل هذه القضايا تمتد لتتحكم في سوق الكتاب الإلكتروني كذلك، فمن النادر، مثلاً، أن يتعدى عدد نسخ كتاب ورقي جديد الألفي نسخة، وبالتالي ثمة عقبات كثيرة في وجه الكتاب الإلكتروني، ومنها غياب عادات القراءة لدينا».
ووفق أرقام مُتداولة على الإنترنت، تصل نسبة قراء الكتاب الإلكتروني في دولة الإمارات العربية المتحدة إلى 11 %، تليها السعودية (9.1 %)، وقطر (7.6 %) والبحرين (6 %) ولبنان (6 %)، والمغرب (5.6 %) وسلطنة عُمان (5.5 %) ومصر (5 %) والجزائر (4.5 %) والأردن (4.1 %)، والسودان (3 %).
الناشر السوري سراج عثمان يرى بأن «هذه الأرقام لا تبشر بالخير، ويمكن أن نعدد الكثير من الأسباب لذلك»، موضحاً أن «الكتاب الرقمي عبر الأجهزة الذكية بات أمراً شائعاً وإن كان العالم العربي متأخراً في هذا السياق، مثلما هو متأخر في مجالات كثيرة».
ويضيف عثمان صاحب دار الزمان في حديث لـ(المجلة العربية) أن «الناشرين لا يمكن لهم أن يتجاهلوا الواقع الجديد، وبالتالي فإن التباكي على الكتاب الورقي لن يجدي نفعاً، بل على الناشرين أن يتأقلموا مع الواقع القائم، وأن يطوروا مهاراتهم في مجال النشر الإلكتروني بحيث يجري الاهتمام بنشر الكتاب الورقي إلى جانب الاهتمام بنشر الكتاب الإلكتروني، وذلك هو الحل الوحيد».
ويعرب عثمان عن اعتقاده «أن أي وسيلة جديدة تظهر لا تلغي سابقتها، بل هي تخدمها وتدعمها، شريطة ضبط التقنيات الجديدة بما يتناسب مع قيم المجتمع وأخلاقياته، فلا يمكن للسوق الإلكتروني أن يظل سائباً، بل يجب ضبطه وتنظيمه بحيث تستفيد منه شريحة القراء، مع مراعاة حقوق الناشر والمؤلف»، مشترطاً بأنه إذا «اتفق الجميع على أن نشر المعرفة هو ضرورة، عندئذ تزول الكثير من العقبات».
ويرى عثمان «أن تعاون المؤلفين هو العامل الأهم والفاعل في عملية النشر الإلكتروني من أجل تزويد الدار بالمحتوى الإلكتروني، وما يترتب عليه من الملفات والأغلفة والأسعار بالإضافة للمعلومات الكاملة عن الجهة الناشرة، من أجل توقيع العقود وضمان الحقوق لكل من الطرفين»، لافتاً إلى أن «الكتاب الرقمي يباع بسعر متهاود مقارنة بالكتاب المطبوع، كما يتميز بسهولة الوصول إلى محتوياته بالإضافة إلى الميزات الكبيرة التي توفرها التطبيقات الحديثة أثناء القراءة والتي تجعل من تجربة القراءة الإلكترونية فريدة من نوعه».
من جانبه يرى المترجم والناقد السوري سعيد محمود «أن الثورة الرقمية أفرزت حاجة ملحة في تطوير منتجات ثقافية رقمية يمكنها التكيف مع الوسائل التي تتنامى شعبيتها»، مشيراً إلى أن «البلدان العربية مازالت متواضعة في مجال النشر الإلكتروني، وفي مجال إيجاد بيئات إلكترونية للثقافة الرقمية، رغم الإقبال المتزايد على وسائل التواصل الإلكتروني واقتناء أجهزة الهواتف الذكية، والكومبيوتر اللوحي».
ويعرب سعيد، في حديث لـ(المجلة العربية) عن اعتقاده أن «سوق النشر الإلكتروني شبيه بسوق النشر الورقي، ففي الحالتين نجد لامبالاة تجاه حقوق الملكية الفكرية وسيطرة للنزوع نحو الربح والاهتمام بالكتب الهابطة بدلاً من الكتب القيمة»، مستثنياً تجارب قليلة لافتة في هذا السياق مثل تجربة (رفوف) الإماراتية التي بدأت قبل نحو ثلاث سنوات عند ظهور الأجهزة الذكية (الآي فون)، وتعد (رفوف)، الآن، أهم مكتبة عربية في العالم العربي.
ويعرب سعيد عن اعتقاده أن «مسألة الانتشار الخجول للكتاب الإلكتروني في العالم العربي تعود إلى الصعوبة في التعامل مع الناشرين ودور النشر، ذلك أن الكتاب الإلكتروني يمثل نقلة نوعية كبيرة، فلا يمكن بسهولة إخفاء أهمية الكتاب الورقي ومدى استخدامه على طول السنين الماضية واعتماده كمصدر أساسي للقراءة»، مبيناً أن «الخبرة في مجال النشر الإلكتروني، والاهتمام بمختلف التفاصيل سيقنع القراء والناشرين بأن هذه التجربة الإلكترونية أمر يسير ومهم خصوصاً وأنه حقق نجاحات في بلدان أخرى».
ويمكن أن يشار في هذا السياق إلى موقع الكتاب الإلكتروني (سيبويه) الذي يطلق على الكتاب الآن (الجليس الرقمي)، وهدفه نشر ثقافة القراءة من خلال توفيرها على أحدث الأجهزة اللوحية والهواتف الذكية ورفع مستوى الفكر والحقوق الملكية الفكرية، ويشرح الموقع بأنه «في عصر سرعة تبادل المعلومات، تزداد الحاجة للقراءة والاطلاع يوماً بعد يوم، وهذا يجعل من الضروري البحث عن إيجاد وسائل تسهل عملية القراءة في أي زمان ومكان».
هناك، إذاً، محاولات وتجارب عربية في مجال النشر الإلكتروني هنا وهناك، وثمة رغبة خفية لدى القارئ والناشر والمؤلف في تكريس هذه الظاهرة والترويج للكتاب بمختلف السبل، غير أن هذه المحاولات تظل قليلة ومحدودة، وهي تعاني من مشاكل وعراقيل كثيرة، لكن رغم ذلك، لابد من الإقرار أن نشر الكتاب عبر الأجهزة الذكية أمر ضروري، وبدلاً من التأفف والتذمر والشكوى ينبغي تطوير هذا الجانب، فلا يمكن للبلدان العربية أن تعيش وكأنها في جزيرة معزولة بينما العالم من حولها يحقق قفزات نوعية في هذا المجال أو ذاك، ومن ضمن هذه المجالات مجال النشر الإلكتروني الذي أصبح إجراء مقبولاً ومطلوباً، في حين ينظر إليه في العالم العربي بريبة وحذر، وثمة من يعبر عن حنينه إلى رائحة الورق وسطوة الكتاب التقليدي، غير أن هذه المشاعر ليست ذات فائدة في عالم يمور بكل جديد وحديث، وعلى الناشر والقارئ والمؤلف العربي أن يسلموا بالأمر الواقع، وأن يستفيدوا من هذه القدرات التكنولوجية الهائلة التي إذا ما استخدمت بشكل صحيح، فهي، بدون شك، ستخدم الكتاب وتجعله حاضراً في حياتنا اليومية، ومتوفراً لكل قارئ حصيف.

إضافة تعليق