الواقع الأسري في العالم العربي

حذرت الداعية الأزهرية د . آمنة نصير، الأستاذة بجامعة الأزهر والعميدة السابقة لكلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات بالإسكندرية، من تيار التشدد والغلو الذي يتنامى في عدد من الدول العربية ويحرم المرأة من كثير من حقوقها تحت ستار “الالتزام الديني” . وأوضحت العالمة الأزهرية أن الإسلام ضد حبس المرأة في البيت، ولا يقر التمييز بينها وبين الرجل في العمل، ويدين حرمانها من المشاركة الإيجابية في كل مجالات الحياة وفق قدراتها والضوابط الشرعية لاختلاطها بالرجال . وأشارت د . آمنة إلى أن آراء وأفكار وسلوكيات أنصار تيار التشدد والغلو حول المرأة المسلمة هي السبب الحقيقي وراء تطاول الغربيين على الإسلام واتهامه بقهر المرأة وحرمانها من حقوقها وتمييز الرجل عليها . وفي ما يلي نص حوارنا معها:

كيف تنظرين إلى واقع المرأة العربية في ظل الفتاوى التي تحاصرها وتحرم عليها الانصهار في الحياة العامة؟ وكيف تنظرين إلى واقعنا الأسري وما فيه من مشكلات زوجية وعقوق وتقطيع لصلات الرحم؟

- للأسف، المرأة العربية تواجه الآن تحديات كثيرة وخطرة، فالمرأة تواجه الآن بموجات غير مسبوقة من فتاوى التحريم تحظر عليها المشاركة في كثير من مجالات الحياة، ورغم محاولات المقاومة للأفكار والفتاوى المتشددة التي تحاصر المرأة، والتي تحرم عليها كثيراً مما أباحته لها شريعة الإسلام فإن صوت المتشددين يعلو في كثير من البلاد العربية، الأمر الذي يضع المرأة دائماً في موقف الدفاع عن النفس .

أما واقعنا الأسري في عالمنا العربي فهو لا يسر رغم ما فيه من بقايا تماسك وآداب وأخلاقيات، فالخلافات الزوجية، كما تشير الدراسات والإحصاءات وكما يكشف لنا واقع الحياة، في تزايد مستمر، وبالتالي ترتفع معدلات الطلاق وتتضاعف تداعياته النفسية والاجتماعية والتربوية، وهناك أيضاً ارتفاع معدلات العنوسة وتأخر الشباب في الزواج اللذين يجسدان واقعاً غير صحي، فالزواج كما نعلم عصمة من كل الخطايا والآثام والأمراض النفسية .

أضف إلى ذلك ما نعانيه من عقوق وجحود الأبناء ومعاملة آبائهم بقسوة وعنف، وصفحات الحوادث في الصحف العربية تكشف لنا عن جزء من هذا الواقع المؤلم .

إن ما نعانيه من مشكلات سببه انصرافنا في حياتنا العامة والخاصة عن هداية السماء، وتقليد الغرب في كل شيء، وتجاهلنا تعاليم ديننا وأحكام شريعتنا، فكانت هذه هي النتيجة وأنا على ثقة من أننا لو عدنا إلى الطريق الصحيح، والتزمنا بتعاليم ديننا، واهتدينا بهدي ربنا، وعملنا بنصائح وتوجيهات نبينا صلى الله عليه وسلم، فسوف نتخلص من كثير من مشكلاتنا .

تيار التشدد

ما ملاحظاتك على ما يردده المتشددون في التعامل مع المرأة الآن؟

- أنصار هذا التيار أفكارهم المتشددة والمغلوطة واضحة، فهم يحاولون حبس المرأة في البيت تحت مسميات وشعارات كثيرة، ويحملون خروج المرأة للعمل أو للتعليم أو للتجارة ومشاركتها للرجل في ميادين الحياة العامة مسؤولية كل ما أصاب مجتمعاتنا من انحدار سلوكي وانهيار قيمي، فصوت المرأة في نظر هؤلاء عورة، وجسدها كله بما في ذلك الوجه والكفان عورة، فلا يجوز لها أن تختلط بالرجل، ولا أن تصافحه، ولا أن تخرج للعمل إلا إذا كانت في حاجة ماسة إليه ولا يوجد لها عائل ينفق عليها، وقوامة الرجل على المرأة في نظر هؤلاء تفرض عليها طاعته في كل ما يطلب، فهو صاحب القرار وحده، وعليها أن تلبي رغباته ونزواته وألا تتحرك من مكانها ولا تبرح بيتها إلا بعد الرجوع إليه، بل إن بعض أنصار هذا التيار أعطى الرجل حق منع زوجته من السفر للعلاج في الخارج، وحق منعها من زيارة والدها المسن أو المريض إلا بعد تفضل زوجها عليها وسماحه لها بذلك وأنصار هذا التيار أيضاً حرموا الفتاة من اختيار شريك حياتها .

لكن المرأة العربية تتصدى الآن بشجاعة للفتاوى والتيارات المتشددة وتدافع عن المكاسب التي حققتها خلال السنوات الماضية، أليس هذا مؤشراً جيداً؟

- جميل أن تدافع المرأة العربية عن حقوقها وأن تقاتل للحفاظ على ما حصلت عليه من مكاسب خلال السنوات الماضية، لكن هناك محاولات مستميتة للعودة بها إلى الوراء وحبسها في البيت وحرمان المجتمع من جهودها، بسبب الثقافة المتوارثة التي تحاول بعض التيارات الدينية إحياءها من جديد لتجر المرأة إلى الوراء وتحرمها من حقوقها باسم الإسلام والالتزام الإسلامي .

ثقافة ذكورية

حصلت المرأة المسلمة في بعض البلاد العربية على حقوقها السياسية ودخلت البرلمانات، لكنها لم تثبت جدارتها ولم تحظ بثقة الجماهير ولم تفز بمقاعد مرضية في المجالس النيابية والتشريعية . . ما سبب ذلك من وجهة نظرك؟

- السبب واضح وهو أن المجتمع العربي لا تزال تسيطر عليه ثقافة ذكورية تعتبر العمل السياسي حقا للرجل وحده، وإذا كانت المرأة العربية قد كسبت أرضاً لا بأس بها في هذه المعركة تتمثل في قناعة كثير من الحكومات العربية بضرورة مشاركتها في العمل السياسي والحياة العامة إلا أنها تخوض معركة أشرس الآن لإقناع الجماهير العربية بقدرتها على القيام بالواجبات السياسية، وهي مهمة صعبة في ظل قناعة كثير من الرجال بعدم قدرتها أو عدم صلاحيتها لممارسة هذا العمل، والقيام بهذه المسؤوليات .

لكن ما يحزنني في هذا الأمر هو أن البعض يزعم أن الإسلام قد حرم المرأة المسلمة من العمل، وقال بعدم صلاحيتها له، وهو كلام غير صحيح، فالإسلام أعطى المرأة حق ممارسة هذا العمل مثلها مثل الرجل تماماً . . كل ما في الأمر هو أنه ألزمها بآداب وأخلاقيات في ملابسها وسلوكياتها تحت قبة البرلمان ووسط الجماهير التي أعطتها ثقتها، وهي آداب وأخلاقيات تطالب المرأة بها عندما تخرج من بيتها لأداء أي عمل أو قضاء أية مصلحة .

مقولات ظالمة

الغربيون يتهمون الإسلام دائماً بإهدار حقوق المرأة . . لماذا يركزون في مواجهتهم للإسلام على قضايا المرأة بالذات؟

- كثير من الباحثين والمفكرين الغربيين المنصفين درسوا موقف الإسلام من المرأة دراسة واعية واعترفوا بإنصافه للمرأة وإقراره لكل حقوقها الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية، كما أن الكثيرات من الغربيات يعتنقن الإسلام، رغم حملات تشويه صورته وتخويف الناس منه، لكن للأسف لا يتوقف الكتاب والباحثون السطحيون في الغرب عن التطاول على الإسلام بزعم أنه أهدر حقوق المرأة وهو زعم باطل، ولو وقف المرددون لهذه المقولات الظالمة على حقيقة التشريعات الإسلامية، ومقاصد الأحكام المتعلقة بحقوق المرأة ومكانتها في ظل التشريع الإسلامي لغيروا مواقفهم إلى النقيض ولاعترفوا بعظمة الإسلام وفضله وحرصه على المرأة ولطالبوا بتطبيق تشريعات الإسلام على المرأة في الغرب . والغربيون لا يتعرفون على الإسلام من مصادره الصحيحة ولا يحكمون عليه من خلال ما توارثوه عنه من مقولات ظالمة فقط، بل هم يحكمون عليه من خلال سلوكياتنا نحن وفهمنا له وتطبيقنا لأحكامه، ولذلك تجد وسائل الإعلام الغربية تبرز كل السلوكيات الخاطئة من المسلمين تجاه نسائهم لتقول للغربيين وللمسلمين معاً: هذا هو الإسلام، ولذلك أرى أن تصحيح صورة الإسلام في الغرب ينبغي أن ينطلق من داخل العالم الإسلامي، إذ يجب أن نصحح نحن أولا علاقتنا بنسائنا، وأن نقر حقوقهن ونعترف بفضلهن، ونبادر بتوفير الحماية لهن، ونتوقف عن كل أشكال العدوان عليهن . . وعندما نفعل ذلك نكون قد قطعنا نصف الطريق .     

دار الخليج

إضافة تعليق

5 + 11 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.