انتقام التاريخ

كتاب «انتقام التاريخ... المعركة من أجل القرن الحادي والعشرين»، عبارة عن خلاصة للمقالات التي كتبها سيوماس ميلني، كاتب العمود ورئيس التحرير المشارك لصحيفة «الجارديان» البريطانية ومؤلف كتاب «العدو الداخلي». والمقالات في مجملها تمثل نموذجاً باهراً، نظراً لما تتميز به من عمق التحليل والوضوح الأسلوبي، والصياغة المحكمة، ما يجعلها في مجملها إضافة قيمة لمهنة التأليف والكتابة كما يرى العديد من النقاد. ومن خلال تغطيته للموضوعات الداخلية والدولية المهمة لذلك العقد الذي كان من أكثر العقود توتراً واضطراباً من الناحية السياسية والاجتماعية منذ أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها.
والحقيقة أن ميلني نجح في الشيء الذي كان يخفق فيه العديد من المؤلفين فتأتي كتاباتهم مهلهلة، يعوزها التماسك والإحكام. هذا الشيء هو الربط بين السبب والنتيجة، بين الفعل ورد الفعل، في سياق فضحه للأكاذيب، والرشاوى، وعمليات التدليس، والأساليب العنصرية، والمواقف المتغطرسة... التي اتسمت بها الحروب التي خاضتها القوى الغربية وخاصة الولايات المتحدة.
الأهم من ذلك أن المؤلف يعرف النيوليبرالية والعولمة باعتبارهما نوعاً من الحتمية الاقتصادية، وراء هذا العصر من عصور التوسع الإمبريالي في مختلف أنحاء المعمورة، وهو يفند قصائد المديح التي تتردد بشكل متكرر، متغنيةً بالديمقراطية، والحرية، وحقوق الإنسان، من جانب القائمين على عملية «التوسع الاستعماري».
وفي فترة مبكرة لم تتجاوز اليومين بعد وقوع أحداث الحادي عشر من سبتمبر التي مثلت فصلاً دامياً ومأساوياً في التاريخ الأميركي، حذّر ميلني بعض المسؤولين البريطانيين من العواقب التي ستترتب على دعم السياسة الخارجية الأميركية، وخصوصاً تلك المتعلقة بغزو العراق، وكيف أن ذلك قد يسهم في زيادة حجم التهديد الموجه للمدن البريطانية، ويؤدي لمفاقمة المشاعر المناوئة للغرب في العالم الإسلامي برمته، وهو ما تحقق في السابع من يوليو 2005 عندما شن متطرفون إسلاميون هجوماً على شبكة مترو لندن أدى إلى مصرع 56 شخصاً في أسوأ هجوم تشهده العاصمة البريطانية منذ عقود طويلة. فكأن ميلني، وهو يتنبأ بذلك، كان ينظر لكرة بلورية سحرية أو يقرأ من كتاب مفتوح.
وهذه القدرة على التنبؤ ليس لها أي علاقة بالشفافية الروحية، أو بالمعارف الباطنية، وإنما هي نتيجة طبيعية لفهم عميق للعالم، وما يدور فيه، فهم مبني على تفسير دقيق للأحداث التاريخية، ومعرفة بالطبيعة الحقيقة للصفوة التي تعتبر الهيمنة شرطاً لازماً لوجودها.
وعند تناوله لسنوات حكم توني بلير، يقدم المؤلف عرضا تذكيرياً شاملاً للدور الذي لعبه ذلك الرجل في أحداث «دمرت حياة الملايين»، وكذلك دوره في تقويض مفهوم القانون الدولي، وإحلال قانون القوة الذي أصبح العامل الحاسم في الأفعال التي قامت بها الولايات المتحدة وقام بها بعض الحكام الطغاة ممن كانت تضفي عليهم حمايتها ورعايتها في العديد من دول العالم. ويستخدم المؤلف تلك الأدوار والمواقف كدليل دامغ وبيان مفحم يرد به على المؤسسة السياسية البريطانية التي كانت قد بدأت بالفعل في اتخاذ بعض الخطوات «التمهيدية» نحو إعادة تأهيل بلير وتبرئته مما ارتكبه من «جرائم»، كما يرد على الشخصيات البريطانية والمنظمات والهيئات التي لم تعد المطالب المستمرة لمحاكمة بلير بتهمة ارتكاب جرائم حرب تجد صدى عندها، وهو «موقف يفتقر للنزاهة والأخلاق».
وأبرز ما يلفت النظر في الكتاب ذلك الإحكام والتماسك اللذان يتميز به تحليل المؤلف لأحداث امتدت عبر فترة زمنية طويلة. وهو ينجح باستمرار في تخطى الدعاية الخاصة بالرواية السائدة في مقالاته، ويعمل على تبديد ضباب الخلط والبلبلة، المقصود به التغطية على الجرائم الجاري ارتكابها تحت مسمى «التدخل الإنساني»، وهي الجرائم المسؤولة عن الأزمة الاقتصادية التي ضربت الغرب، والتي ما زال يعاني تأثيراتها حتى الآن.
كما يكشف المؤلف الغطاء عن النفاق الذي اتسم به الغرب، في تعامله مع ما يعرف بـحراك «الربيع العربي».
ولاشك أن الرصانة والعمق اللذين اتسم بهما الكتاب، وهما يساعدان القارئ على فهم عالم يبدو في حالة من الفوضى العارمة، وهو يترنح بين أزمة وأخرى، يعتبران من الأسباب التي دعت الكثير من النقاد إلى اعتبار ميلني -وعن حق- واحداً من رموز الجدية والرصانة الفكرية خلال العقد الأخير.
سعيد كامل
-------
الكتاب: انتقام التاريخ... المعركة من أجل القرن الحادي والعشرين
المؤلف: سيوماس ميلني
الناشر: فيرسو
تاريخ النشر: 2013
جريدة الاتحاد

إضافة تعليق