كيف يسكن الإنسان

ما الذي دفع مارتين توميس، مؤلف كتاب «هل مازال الموطن ممكناً؟» (دار آيزنهوت، ألمانيا)، والذي يتمحور حول أفكار هايدغر عن الموطن أو «الهايمات»، لإنهاء كتابه بتفكير حول وضع المسلمين في ألمانيا؟ ينتقد توميس ذلك الغثاء الإعلامي والسياسي، والذي ما برح يكرر بأن الإسلام يتعارض والمبادئ الغربية.
لم يتوقف أمام كلمة «المبادئ» التي تحيل إلى عكس ما يزعمه الخطاب السائد عن الإسلام، لكن كم هي مقنعة فكرته التي تقول بضرورة القبول بناس يعيشون - وبشكل متزامن - في مواطن مختلفة، بناس من حقهم أن يكون لهم أكثر من وطن وبلغة أخرى: أكثر من حقيقة. هذا ما سبق ودافع عنه الفيلسوف الألماني أودو ماركفارد وهو يتحدث عن ضرورة اجتراح «فصل للسلطات داخل المطلق» أو عن «مواطنة في عوالم مختلفة»، وفي لغة تفكيكية، عن مواطنة قادمة. يقارن توميس بين ما يعيشه المسلمون اليوم في أوروبا وما عاشه اليهود بالأمس، إذ لا يجب أن ننسى أنه حتى اليهودي الذي اعتنق المسيحية، ظل ينظر إليه بارتياب أو «كمسيحي عمّد بشكل خطأ»! أفكار توميس تحثنا وإن بشكل غير مباشر على التفكير بالديموقراطية وإلى أي حد هي قادرة على تجاوز فكر الموطن إلى فكر المواطنة الذي تحرر من «عبقرية» المكان، من أشباحه وطلاسمه.
إن فكر الموطن هو فكر تملك، يرتبط مرضياً بالأرض والأصل والأب، وحتى السماء في هذا التصور الأنوي للمكان ليست أكثر من «الموطن الأخير للمؤمن»، يقول رجل الدين الألماني كارل ليمان، حتى السماء يتم افتضاض أفقها، لغزها، تعددها واختزالها في موطن. حتى السماء يريدونها سماء لهم فقط. ففكر الموطن وإن لم يفصح عن ذلك، موجه بالأساس ضد الغريب، هذا الذي لا موطن له ولا سلالة، هذا الذي لا سماء له. كلمة «البؤس» نفسها في اللغة الألمانية القديمة، كانت مرادفاً للغريب، هذا القادم من بعيد، ناقل الأمراض والمصائب، هذا الذي يزعج سكينة الموطن ويحرج إيقاع اللغة و «يهدد» نظام الأشياء.
يتحدث المفكر الألماني هانس أولريش غومبريتش في كتابه «الكمون كأصل للحاضر» والصادر أخيراً في اللغتين الإنكليزية والألمانية عن الأجواء الثقافية العامة التي سادت ألمانيا بعد الحرب الثانية، وسيلتفت هو الآخر إلى قضية الموطن والسكن والتجذر بالأصل.
عام 1950 ينشر الشاعر غوتفريد بن نصه الشعري «سفر»، وكما يعلق غومبريتش، يحذرنا غوتفريد بن من الاستسلام لوهم أن الحياة السعيدة هبة الغربة والتغرب، ففي رأيه لا سبيل للإنسان إلى السعادة إلا في صمت أناه الداخلية. «عبث هو الرحيل» يكتب غوتفريد بن، منافحاً عن البقاء ومدافعاً عن الصمت، عن التحلي بالصمت، عن التماهي بالداخل. وليس غريباً أن يمسك غومبريتش بالمنطق نفسه في فكر هايدغر وهو يتحدث عن «السكن» و»البناء» وعن ضرورة التحام العناصر الأربعة: الأرض والسماء، الأبدي والفاني. التحام، يتحقق طبعاً كموطن، كأصلية، كأصل.

إضافة تعليق