معرض فرانكفورت.. 500 عام في ريادة عوالم النشر والكتاب

في عصر الظلمات، وتحديداً في القرن الخامس عشر، أقيم أول معرض للكتب بتاريخ العالم، وذلك بعد فترة وجيزة من تطوير الألماني يوهان غوتنبرغ (1395 1468) أسلوب الطباعة بالأحرف المتحركة في قريته مينيسي. وفي فرانكفورت وعلى مسافة بضعة كليومترات من مينيسي، نظم أول معرض متحركة للكتاب، وبذا اضحت المدينة المركز الرئيسي للكتاب على صعيد أوروبا، من دون منازع، حتى القرن السابع عشر.
وفي ذاك القرن القرن، نتيجة الاضطرابات السياسية ومحاكم التفتيش والقمع الفكري والرقابة، تحول مركز الكتاب، مؤقتاً، إلى مدينة لايبزغ. ومع انتهاء الحرب العالمية الثانية، واجهت صناعة الكتاب في ألمانيا ركوداً، ما دفع القائمين على صناعة النشر، إلى إحياء معرض فرانكفورت للكتاب، ليقام في الفترة من 18 إلى 23 سبتمبر عام 1949، بمشاركة 205 داور نشر ومكتبة من ألمانية.
وما أسهم في إكسابه صفة العالمية، مشاركة فرنسا فيه. ونتبين الدليل على ذلك، في ما قاله الناشر هنريك كوبيه (1904 1994)، في إحدى المقابلات الأرشيفية: "من حسن الحظ، أن السيد مارتن الفرنسي نظم معرضاً للكتب الفرنسية في قاعة رومان ضمن المعرض. وهذه المشاركة أكسبت المعرض اسماً عالمياً". وفي الدورة التالية، شارك الأميركيون والسويسريون والنمساويون والإيطاليون. وكانت ألمانيا حريصة على أن يبقى معرض فرانكفورت للكتاب، المركز الأول للتواصل الفكري والترويج العالمي.
"جائزة السلام"
أطلق كوبيه، مؤسس المكتبة الألمانية العامة بفرانكفورت، في الدورة الثانية من المعرض "جائزة السلام من رابطة تجارة الكتب الألمانية"، إلى جانب تأسيسه لجمعية تحويل العملات الخاصة بالناشرين وباعة الكتب الألمان. ومع مضي 500 عام، أضحى معرض فرانكفورت للكتاب، الأضخم من نوعه في العالم، والمركز الأبرز للأنشطة الثقافية وحوار الحضارات.
ونستطيع التثبت من أهمية ومكانة الدورة الاولى للمعرض، من خلال مجموعة تصريحات في مجموع ذكريات كوبيه، والذي قال في مقابلة إذاعية عام 1982: "كان باعة الكتب الذين لم ينضموا إلى الحزب النازي، يجتمعون بصورة يومية ليستغرقوا في نقاشات طويلة.
وكان تصنيف باعة الكتب مهم جداً بالنسبة لنا، حيث كان التصنيف يتعامل مع الأدب المناهض لهتلر، الذي كان مركز اهتمام الأميركيين. ما من شيء كان أهم من الناس الذين قاوموا. ومثلهم التصنيف الذي كان هاجسه تأمين وحدة الكتاب الألماني".
كان نجاح الدورة الأولى من المعرض، بمثابة مفاجأة حيث قال الكاتب الألماني ستيفان فوسيل (1952) المتخصص في علم الكتاب الألماني: "كانت حصيلة طلبات الشراء 2.6 مليون مارك، أما عدد الضيوف فكان 10 آلاف. وكان التفاعل، في المعرض، مميزاً، على كافة الأصعدة، من حركة البيع إلى التجاوب والتواصل ضمن أنشطة الثقافة العامة".
كسر العزلة
كان هدف الناشرين وباعة الكتب، من إطلاق "جائزة السلام من رابطة تجارة الكتب الألمانية"، كسر حاجز العزلة بين ألمانيا والعالم، وجعلها رمزاً للمصالحة، على أن تمنح الجائزة لمن ترتبط أعمالهم بالقيم الإنسانية أو الأدب الإنساني عموما، بصرف النظر عن جنسيتهم أو ديانتهم. . وعليه، منحت الجائزة الأولى في عام 1950 إلى الكاتب الألماني النرويجي ماكس تاو، لإسهاماته في نقل الأدب الألماني إلى النرويج، وبالعكس.
كما نالت الجائزة لدى الإعلان عن الفائز الأول، اهتماماً كبيراً من الإعلام في مختلف البلدان، خاصة الاسكندنافية. وفارز بالجائزة الثانية الموسيقار والطبيب والفيلسوف الألماني الأصل، الفرنسي الجنسية، ألبرت شويتزر (1875 1965) في عام 1951، ليحصل في العام التالي على جائزة نوبل عن أعماله الإنسانية، إذ درس الطب وسافر إلى إفيريقا لينشئ مستشفى لمعالجة الفقراء، وذلك بعد الشهرة والنجاح الكبيرين له، كموسيقار.
الدورة الخامسة
حققت الدورة الخامسة من المعرض في عام 1953، أرقاماً قياسية في سياق دفع عجلة شهرة حضور "فرانكفورت للكتاب"، إذ فاق عدد الناشرين الأجانب المشاركين، الناشرين الألمان. وبذا عزز المعرض مكانته كمركز عالمي لصناع الكتب، ولترويج وإطلاق أحدث الإصدارات وحفلات التوقيع. والأهم من كل ذلك، ترسخ كمقر حيوي نوعي لمناقشة حقوق الفكر والنشر، وكذا لدراسة أفضل السبل المفضية إلى مواجهة قرصنة الكتب الالكترونية.
كما أبدى القائمون على المعرض، منذ تلك الفترة، اهتماماً كبيرا بالجانب التقني والرقمي، فعقدت جلسات بعنوان "سباركس"، اعتنت بتناول هذا الجانب، والتاكيد على ضرورة التزام كافة الجهات بركائزه، سواء من قبل رجال الأعمال أو هيئات النشر او مؤسسات حفظ الحقوق والإنتاج. وذلك مع الشديد على أهمية تدريس مناهج هذا التوجه، في حقول عولم التسويق والإعلام.
حقائق وأرقام
لم ينقطع معرض فرانكفورت للكتالب، عن تحقيق مفاجآت وقفزات فريدة لافتة، على صعيد نجاحاته في الجوانب كافة. وكان بارزا ما حصده من نتائج في دورة العام 2006. إذ زاره أكثر من 11 ألف صحافي، من 66 دولة، وشملت التغطية مشاركة 7,272 عارض من 113 بلد، وأكثر من 183 ألف زائر. وفي عام 2009، شارك 7,314 عارض، من 100 دولة، بواقع 400 ألف كتاب، و300 ألف زائر.
زمالة المعرض
تأسس برنامج زمالة فرانكفورت في الدورة الخمسين من المعرض، عام 1998. ويقدم برنامج الزمالة معلومة وشبكة من التواصل مع دور النشر في مختلف بلدان العالم. وخلال السنوات التالية، اكتسب أكثر من 220 فردا من 44 دولة، الخبرات اللازمة في هذا المجال.
وتتضح، طبقا لتحليلات وآراء نقاد ومتخصصين عديدين، أهمية حضور وتأثير "فرانكفورت للكتاب"، في ساحة الفكر والثقافة العالميين، عبر تعزيزه مساقات التواصل والانفتاح الحضاري بين الشعوب. وكذا ترسيخه قيمة الكتاب وجدواه، في ظل طغيان التقانة الرقمية، حاليا، ليؤكد بهذا قوة تأثير الكتاب على الرغم من الظروف والأزمات والأوضاع السياسية غير المستقرة، ودوره كوسيلة للتفاهم بين الشعوب.
وجدير بالذكر في هذه المحطة، أن المعرض في هذا المسار، يعزز من قيمته ورسالته التاريخية، التي بقي معها بؤرة استقطاب وجذب لقادة السياسة والفكر في العالم أجمع. فها هي صفحات التاريخ تفتح بطونها لتنبئنا أن الملك هنري الثامن (1491 1547)، ملك انجلترا، كان قد أوفد الدبلوماسي والباحث، سير توماس بودلي (1545 1613)، بمهمة رسمية، كمبعوث خاص، لشراء مؤلفات لمكتبة جامعة أوكسفورد الجديدة.
جائزة طريفة
أطلقت من خلال المعرض، جائزة "أغرب عنوان كتاب للعام"، من مجموعة داياغرام و"بوكسيلر"، وهي شركة معلومات وغرافيكس في لندن.. وكان الهدف من إطلاق الجائزة عام 1978، تنظيم فعالية ترفيهية. وكان اختيار العنوان الفائز، يجري من قبل لجنة تحكيم، ذلك حتى عام 2000، إذ بات، بعدها، مرهونا بنتائج تصويت الجمهور، والذي أصبح يحدد العنوان الفائز.
ضيوف الشرف
بدأ الاهتمام بتقديم إحدى الدول المشاركة، كضيف شرف في المعرض، منذ دورة العام 1976. ويحظى البلد المستضاف، بمقتضى هذا، بقاعة واسعة تضم أعمال كبرى دور النشر فيها، إلى جانب تنظيم برامج فنية أدبية ثقافية، مع جلسات نقاش تشارك فيها برامج مجموعة وسائل إعلامية، إذاعية وتلفزيونية.
أهمية خاصة
1953
تحوز الدورة الخامسة للمعرض، عام 1953، أهمية خاصة، بفضل النجاحات المحققة فيها. إذ فاق عدد الناشرين الأجانب، الألمان. وبذا عزز المعرض مكانته كمركز عالمي لصناع الكتب، ولترويج وإطلاق أحدث الإصدارات وحفلات التوقيع. والأهم من كل ذلك أنه غدا مقراً لمناقشة حقوق الفكر والنشر، ولدراسة أفضل السبل لمواجهة قرصنة
قائمة
تضم قائمة ضيوف شرف معرض فرانكفورت للكتاب، منذ بداية هذا البرنامج، دولاً وجهات عديدة، وهي:
العام ضيف الشرف
1976 أميركا اللاتينية
1978 طفل وكتاب
1980 عبر الصحارى الأفيريقية
1982 الأديان
1984 جورج أورويل
1986 الهند
1988 إيطاليا
1989 فرنسا
1990 اليابان
1991 اسبانيا
1992 مكسيكو
1993 هولندا
1994 برازيل
1995 النمسا
1996 إيرلندا
1997 برتغال
1998 سويسرا
1999 هنغاريا
2000 بولندا
2001 اليونان
2002 ليتوانيا
2003 روسيا
2004 العالم العربي
2005 كوريا
2006 الهند
2007 البلدان القشتالية
2008 تركيا
2009 الصين
2010 الأرجنتين
2011 ايسلندا
2012 نيوزلندا
2013 البرازيل
2014 فنلندا

إضافة تعليق