ثقافة الكراهية

فقد الكاتب الفرنسي ريشارد ميلي صوابه حينما كتب (مديح من أجل أندريس بريفيك).. هذا تعبير معظم الأدباء الفرنسيين الذين رأوا في هذا الكتاب خطاباً عنصرياً ومحرضاً على التطرف. نص صغير لكنه مزروع بالألغام. ربما بهذا الشكل رأى ريشارد أن تكون إطلالته الثقافية أشد إثارة وتطرفاً. منذ سنوات لم تشهد الساحة الثقافية الفرنسية نقاشاً ساخناً. ربما باستثناء ما تعرفه روايات هويلبيك بين دخول ثقافي وآخر من حراك عنصري ضد الإسلام.
هذه السنة دشن ريشارد ميلي الدخول الثقافي بوصمة عار، فقد نجح الكاتب في إخراج عدد من الكتاب عن صمتهم. أولاً بعريضة مساندة وقعها بعض النقاد والصحفيين مساندة لحرية التعبير التي تسمح لكاتب كبير له أكثر من خمسين كتاباً وناشر مشهور لدى غاليمار مشهود له باقتناص التحف الأدبية ونشرها مثلما فعل مع الكاتبين الشهيرين صاحبا جائزة الغونكور جونتان ليتل وألكسيس جيني، أن يمجد في كتاب قاتلاً للأبرياء يدعى أندريس بريفيك. صاحب مجزرة النرويج التي دامت 90 دقيقة، وأودت بحياة 76 شخصاً. وثانياً بمساهمته في تأجيج موجة من التنديد العارم شمل كتاباً مرموقين رفضوا رفضاً باتاً أفكاره العنصرية. في مقدمتهم صاحب نوبل جان ماري لوكليزيو. والروائية آني آرنو.
عندما نقرأ كتاب ريشارد ميلي نجد أن لا علاقة له بالأدب ولا بالخيال، وأن ادعاءه بأن فعل أندريس هو فعل سوريالي خارج عن المألوف وبلغ درجة من الإتقان لا نجد مثيلاً لها إلا في الأدب، إنما هو ادعاء مرعب يساوي المشاركة في الجريمة أو التستر عليها. ماذا لو كان أندريس يملك قنبلة نووية؟ ماذا كان سيحدث؟
يدافع ريشارد عن نفسه برد واهٍ مفاده أن القارئ ليس في مستوى نصه (18 صفحة فقط بينما بقية الكتاب فمخصص لما يسميه اللغة الشبح)، أي أن القارئ لم يصل بسطحيته إلى جوهر كتابته. أين هم إذن قراؤه الذين يقدرون بمئات الآلاف ويهافتون على رواياته في المكتبات؟ هل كان ترتيبه الرابع في المبيعات مجرد كذبة أخرى تنضاف إلى خرافاته الكثيرة. الآن فقط أصبح قراؤه سطحيون؟! والخطير في الأمر أن أسلوبه في هذا الكتاب المطبوخ على السريع لا يمت بصلة إلى أسلوبه لا الأدبي ولا الصحفي. هو عبارة عن روبورتاج إيديلوجي متطرف، والأدهى من ذلك أن ريشارد في طلاته الإعلامية التلفزيونية على الخصوص يظهر أمام محاوريه ومناقشيه لا يعرف عما يتحدث. لم يكن مقنعاً بتاتاً ليطهر كتابه من دم الأبرياء الذين قتلوا ببرودة دم على يد طاغية صغير. إن ريشارد الأديب ينتحر لصالح ريشارد اليميني المتطرف.
الأدب في خدمة القتلة
الروائية الفرنسية آني آرنو تصدت لكتاب: مديح لأندريس بريفيك. عبرت آني في بداية مقالتها عن رفضها الصمت عما ورد في هذا الكتاب من أفكار عنصرية، مؤكدة عدم خوفها من جوقة النقاد والصحفيين المتعاطفين الذين، للأسف، ساندوا الكاتب بحجة الدفاع عن حرية التعبير. تقول آرنو إن ريشارد يعرف تماماً ما يكتبه، ويعلم أيضاً نتائجه الخطيرة على التوافق والسلم الاجتماعي في فرنسا وأوروبا. منبهة إلى أن خطورة الكتاب لا تقف عند هذا الحد، لأن الكاتب تعمد أن يجعل الأدب في خدمة القتلة. مبرراً ادعاءه بأن الإتقان والشر كانا دائماً ضمن اهتمامات الأدب.أندرس بريفيك حمل بجريمته الشر إلى درجة الإتقان الذي يوازي الأدب والبعد الأدبي للجريمة هو ما يثير اهتماماته الأدبية.
يقول ريشارد إن الأدب الحقيقي مات. من قتله؟ يجيب ريشارد السبب هو (تعمير أوروبا بواسطة شعوب مختلفة ثقافياً عن ثقافتنا) بمعنى آخر أن من قتل الأدب هم المهاجرون من غير الأوروبيين الذين تسببوا في مسخ الهوية الأوروبية.
واضح أن خطاب ريشارد ميلي خطاب يميني ومتطرف يغذي بجرعة زائدة التيارات الأيديلوجية العنصرية ويمنحها أفقاً أدبياً وإعلامياً لم تحظ بمثله من قبل. خصوصاً وأن أوروبا في السنين الأخيرة تعيش أحلى أيامها العنصرية المعارضة للتنوع الثقافي والمعادية للديموقراطية. أما جان ماري لوكليزيو فلم يكن رحيماً ولا متسامحاً مع كتاب ريشارد فقد كتب مقالة في مجلة (الملاحظ الجديد) النوفيل أوبسيرفتير، نترجمها فيما يلي كاملة: الهذيان الكئيب للسيد ميلي في 22 يوليو 2011، قرر شاب عادي، تحت تأثير الكراهية العمياء ضد معاصريه، أن يقتل ببرود ببندقية أتوماتيكية 76 شخصاً (أغلبهم من الشباب اليافع) تجمعوا في جزيرة Utøya للمشاركة في مظاهرة ضد العنصرية في النرويج.
وبعد ذلك بعام، في الوقت الذي حكم فيه على بريفيك بإحدى وعشرين عاماً سجناً من قبل المحاكم النرويجية، قام مثقف فرنسي يدعى ريشارد ميلي المعروف كناشر أكثر منه ككاتب، بكتابة ونشر (مديح لأجل أندريس بريفيك) باسم أية حرية تعبير ولأية غاية أو منفعة اختار عقل بكامل قواه (على الأقل هذا ما نفترضه) أن يكتب نصاً مثيراً للاشمئزاز؟ هذا السؤال يقودنا إلى آخر: باسم أية فلسفة أو جهة يقودها الجشع تدفع ناشراً إلى نشر هذا الكتيب الممجد لأكبر مجرمي بداية هذا القرن، ومستهزئاً بأهالي الضحايا؟
كان الأدب دائماً مفتوناً بالوحوش، نعلم هذا، لكن إلى حدود ساعة وقوع هذه الجريمة الدموية، يحق لكل شخص أن يتساءل: ماذا لوحدث هذا بالقرب أمام بيتي؟ وماذا لو حدث هذا لي؟
مع ذلك، فالقضية ليست فقط قضية بريفيك. هي أيضاً قضية السيد ميلي، وبصفة عامة هي قضية فساد الفكر المعاصر ومسؤولية الكتاب في الدعاية للعنصرية وكراهية الأجانب. قد يقال إن ذلك نتيجة الأزمة الاقتصادية والبطالة وانعدام الأمن المحلي والدولي. في فرنسا انبعثت من الرماد الأيديولوجيات المقززة لسنوات الثلاثينيات. عندما كان اليمين المتطرف (القناعة: حركة فرنسية) مرتعاً للنازية (معداً فرنسا للهزيمة) موظفاً كراهية الأجانب ومعاداة السامية.
أصبحت هذه الموضوعات رائجة، وشيئاً فشيئاً أكثر علانية: صورة العداء للسامية هي اليوم الإسلامفوبيا، الدعاية تستعمل المصطلحات نفسها، الشعارات نفسها، الهواجس نفسها: الاجتياح القادم من الأجانب، فقدان المعالم المسيحية، النقاء العرقي. أصبحت هذه الموضوعات مستغلة من طرف الطبقة السياسية، ومن طرف عدد متزايد من المثقفين والفنانين. حججهم بلا قيمة لأنهم يتغذون على الأكاذيب والخوف، يصوغون نظريات غامضة أشهرها للكاتب صمويل هنتينغتون.
انطبع كل هذا بكم لا بأس به من التفاهات، لأن هذه الأيدولوجيا لا معنى لها، وهي لا تنشر غير الفكر الأكثر ابتذالاً، ولا تتغذى إلا على الغرائز الفارغة. لكن هذه التفاهة أصبحت خطيرة، يمكنها أن تتحول إلى مرض، كما هو حال بريفيك.
يبدو أن سؤال الهوية أصبح هوس بعض من سياسيينا وبعض فلاسفتنا المزعومين. هذا سؤال عفا عليه الزمن. نحن نعيش في عالم التلاقي، والاختلاط والتحديات. كان التمازج وامتدادات الهجرة موجودين منذ الأزل. بل إنهما أصل الجنس البشري (الجنس الوحيد). كما أن التعدد الثقافي كما نطلق عليه الآن لم يعد كافياً. لأنه يصنع الفضاءات المعزولة، ويعزل الثقافات ويعمل على تشجيع التشدد والتطرف.
الأمل الوحيد المتبقي لدينا ليس بالحنين إلى أي نوع من النقاء العرقي الأصلي الوهمي من أساسه، إذا فكرنا في التهجين الذي خلق فرنسا أو النرويج، لكن في الانفتاح بين الثقافات. ويعتبر الأدب إحدى وسائل هذا التبادل. الأدب بوتقة تنصهر فيها التيارات القادمة من الجهات الأربع للتاريخ. لكن الحلم بهوية وطنية جامدة وهو مجرد خديعة. في لقاء الثقافات والحضارات، تصبح لكل علاقة أهمية كبرى، ولا يمكننا أن نطلب من أي شخص أن يتخلى عن حصته من إرثه.
فلنعد إلى السيد ميلي: كيف يمكننا أن نقتنع بكلامه؟ فهو لم يوجد إلا من أجل الفضيحة، وهذا ما يجعله تافهاً في نظرنا. بلا ريب توجد في فرنسا متلازمة سيلينية. إذا كان سيلين عبقرياً ومستفزاً، هل من الضروري أن نكون مستفزين كي نصير عباقرة؟
تعتبر الفضيحة والريبة وطعم المرارة عناصر لا تنفصل عن الأدب الجيد، غير أن الكاتب الذي لا يحفزه غير طعم الفضيحة يستسلم لمرض التفاهة. إن سلطة الإغراء لما هو خسيس وغادر، يفرز سخرية نشوانة وماكرة يمكن أن تقود بعض العقول الضعيفة إلى القتل.
لفهم هذا الإغراء، لا حاجة لقراءة الهذيان الكئيب للسيد ميلي. أوصي بدلاً منه بقراءة رواية قصيرة (Sebunteen) نشرت قبل خمسين عاماً للياباني كينزابورو اوي، الذي يتحدث بعمق عن الإغراء والحنين لعظمة الوطنية اليابانية، بحيث تصور شاباً عادياً دفعته حالة الإحباط إلى اعتناق أفكار متطرفة إلى درجة القتل بلا رحمة.

إضافة تعليق