المسلم السوي يحترم النظام ولا يهدر الوقت

كل من يعرف “ألف باء الإسلام” يدرك جيداً أن هذا الدين العظيم دين نظام وانضباط سلوكي وأخلاقي، وهو يفرض على المسلم أن يكون منضبطاً في كل أفعاله، ملتزماً سلوكه، مقدراً لكل خطوة يخطوها، مدركاً لعواقب كل تصرف يصدر عنه، وكل كلمة ينطق بها، ولذلك فإن الفوضى والعشوائية اللتين تنتشران في كثير من بلادنا العربية والإسلامية تمثلان عدواناً صارخاً على قيم الإسلام وأخلاقياته .
يقول المفكر الإسلامي د .أحمد كمال أبوالمجد: رقي الأمم وتحضرها ليسا شعارات تتردد هنا وهناك، بل هما سلوك وأسلوب حياة يرتقي بالإنسان ويدفعه إلى العمل والإنتاج . فالإسلام دين فرض على كل من يؤمن به أن يكون منظماً يؤدي الواجبات الدينية والوظيفية والاجتماعية والإنسانية بحرص وإخلاص وتفان قبل أن يطالب بحقوقه، وألزمه باحترام النظام الذي ارتضاه المجتمع والقانون الذي يطبق على الجميع، وهذا جانب مهم للغاية من السلوك الإنساني الذي يقود صاحبه إلى الرقى والتحضر . ويضيف د . أبوالمجد: إن كل دارس لمنظومة الإسلام القانونية والأخلاقية يدرك جيداً أن هذا الدين العظيم ربى أتباعه على احترام النظم والقوانين والتشريعات التي ارتضاها المجتمع شريطة ألا تحمل هذه النظم أو تلك التشريعات ما يخالف الشريعة الإسلامية وما يلحق الضرر بالناس حيث يحرص الإسلام دائماً على كل ما فيه مصلحة للإنسان والمجتمع .
وهنا يؤكد د . أبوالمجد أن احترام القانون والنظام العام الذي ارتضاه المجتمع قيمة إسلامية لا يجوز بأي حال التخلي عنها، وإلا تحول الأمر إلى فوضى في كل شيء . ويقول: قيمة احترام الآخرين والاعتراف بحقوقهم والتحلي بالأدب والذوق في التعامل معهم ليس أمراً غريباً على المسلمين ولسنا في حاجة إلى تعلم ذلك أو نقله عن الغربيين كمظهر من مظاهر تحضرهم ورقيهم، لأن تعاليم ديننا تفرض علينا أن نكون محترمين حيث نحترم أنفسا أولاً لكي يحترمنا الآخر .
قيمة رفيعة
ويتفق د . محمود حمدي زقزوق وزير الأوقاف المصري الأسبق مع د . أبوالمجد في ترسيخ الإسلام لقيمة النظام والانضباط السلوكي ويقول: من بين القيم التي كادت تختفي من حياتنا قيمة النظام، وغياب هذه القيمة من شأنه أن يؤدي إلى أن تصبح الحياة خليطاً عجيباً من الفوضى والاضطراب على العديد من المستويات . والفوضى بمعنى فقدان النظام تعني التخلف والانفلات من كل القيم المرعية والنظم السارية . وعندما يغيب النظام يسود الارتجال والعشوائية والتخبط والبلطجة ويؤدي ذلك إلى اختلال الموازين في المجتمع وضياع الحدود بين الحقوق والواجبات وبين ما يجوز وما لا يجوز .
وهناك مئات من الأمثلة في حياتنا الشخصية والجماعية لأساليب التملص من النظام، وبعيداً عن الأمثلة الصارخة في هذا الصدد نود أن نشير هنا إلى مثال واحد فقط لما اعتاد عليه أغلب الناس من تحديد للمواعيد التي يعطيها كل منهم للآخر لإنجاز أعمال معينة أو مصالح مشتركة أو غير ذلك من أمور حياتية . فالبعض يحدد موعداً في ساعة معينة، ولكنه غالباً لا يلتزم بالموعد المحدد، فقد يأتي بعد الموعد بساعة أو بساعتين أو أكثر، وقد لا يأتي، والبعض الآخر لا يحدد ساعة معينة، بل يعطي الموعد في جزء من اليوم: بعد الظهر أو آخر النهار أو بعد العشاء . . إلخ، حتى يعطي لنفسه فسحة من الوقت لا تقيده بالالتزام بساعة معينة، ولا يهمه بعد ذلك ما يسببه هذا التصرف للطرف الآخر من متاعب نفسية وأضرار مادية .
والحق أن الله تعالى قد خلق الوجود على نظام محكم وجعله يسير وفقاً لقوانين لا تتخلف . ومن هنا فإن الله تعالى لا يرضى لعباده الفوضى ولا الارتجال والعشوائية . والعمل الخالي من النظام خال تماماً من البركة التي يتعلل بها البعض .
احترام الوقت
ويرتبط باحترام النظام والانضباط السلوكي احترام قيمة الوقت، وقد حث الإسلام جميع المسلمين على احترام قيمة الوقت ونبههم إلى خطورة أن يهدر الإنسان عمره ويضيع شبابه في ما لا يعود عليه وعلى أهله ووطنه وأمته بالخير الوفير .
يقول د . محمد الشحات الجندي أستاذ الشريعة الإسلامية والأمين العام للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في مصر: الإنسان الذي يهدر وقته وجهده في اللهو والعبث أو في النوم، ولا يسعى إلى تنظيم وقته لأداء الواجبات الدينية والدنيوية هو إنسان كسول مهمل، يعيش عالة على غيره، ويلحق بالمجتمع أبلغ الضرر حيث لا تتوقف رذائله عند عدم العمل والإنتاج وتعطيل الآخرين، لكنه يتحول إلى عامل هدم، حيث تكثر جرائمه وانحرافاته وتنحدر أخلاقياته في المنزل والشارع وفي كل مكان يرتاده . من هنا كان تأكيد الرسول صلى الله عليه وسلم على أهمية الوقت والحفاظ عليه، فهو يخبرنا في حديث شريف أن الوقت يدخل ضمن المسؤوليات الكبيرة التي سوف يسأل عنها الإنسان يوم القيامة، وذلك في إشارته إلى أن الإنسان سوف يسأل “عن عمره فيم أفناه” وعمر الإنسان هو مجموع أوقاته، وهو حياته كلها في هذه الدنيا، فكل لحظة تمر على الإنسان من عمره القصير من دون أن يستفيد منها أو يفيد غيره تعد لحظة ضائعة، والزمن الذي يمضي لن يعود مرة ثانية، ولن ينفع ندم المرء على عدم استغلال أوقاته الاستغلال الأمثل، فلا أحد يستطيع أن يعيد عقارب ساعة الزمن إلى الوراء .
مناظر مألوفة
ولو نظرنا إلى واقع المسلمين اليوم لوجدنا أن الوقت للأسف الشديد قيمة ضائعة على الرغم من أهميتها البالغة في حياة المجتمع ورقية وتقدمه . فنحن كما يؤكد أبوالمجد نتعامل مع قيمة الوقت بطريقة خاطئة، ونضيع كثيراً من أوقاتنا، أو بمعنى أدق نقتلها ونبددها ونهدرها في ما لا يفيد، مع سبق الإصرار والترصد، كما لو كانت أوقاتنا عدواً لابد أن نقتله ونتخلص منه .
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن كثيراً من المسلمين وخاصة الشباب منهم لا يفرقون كثيراً بين أوقات الجد وأوقات اللهو، فمن المناظر المألوفة في عالمنا العربي أن يرى المرء الجموع الغفيرة من الناس القادرين على العمل تكتظ بهم المقاهي ليلاً ونهاراً، ويضيعون أوقاتهم في ما لا طائل من ورائه .
إن الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا التوجيه النبوي الكريم يحارب هذه الآفة (آفة إهدار الوقت في ما لا يفيد)، ويطالب بضرورة أن يستغل المسلم كل دقيقة من وقته، وكل لحظة من عمره لتوظيف وقته توظيفاً أمثل في مختلف مجالات الحياة . ولو نظم كل مسلم وقته ووزع ساعات نهاره وليله لأداء ما عليه من واجبات دينية ودنيوية من دون أن يهدر حق النفس والبدن في الراحة النفسية والبدنية عن طريق النوم والترفيه الهادف، وأدى ما عليه من واجبات اجتماعية تجاه الآخرين، لو فعل المسلم ذلك لتقدمت مجتمعات المسلمين في كل مجالات الحياة، ولاستعاد المسلمون نهضتهم المنشودة، إذ من دون التوظيف الجيد للوقت والاستغلال الأمثل للجهد لا تقوم حضارة، ولا يتصور أن يكون هناك أي شكل من أشكال التقدم في حياة الإنسان وفي المجتمع الذي يعيش فيه .
ورسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه، ينبه المسلم إلى ضرورة الاستفادة من كل دقيقة في حياته، فهو مطالب بالحفاظ على وقته، كما يحافظ على ماله، بل أكثر منه وبالحرص على الاستفادة من وقته كله في ما ينفعه في دينه ودنياه .
وقد كان السلف من علماء الإسلام وصناع حضارة الإسلام أحرص ما يكونون على أوقاتهم، لأنهم كانوا أعرف الناس بقيمتها . ومن هنا كان حرصهم البالغ على عمارة أوقاتهم بالعمل الدائب والحذر من أن يضيع شيء منه في غير جدوى، وكانوا يحرصون كل الحرص على ألا يمر يوم أو بعض يوم، أو برهة من الزمان، من دون أن يتزودوا منها بعلم نافع، أو عمل صالح .
جريدة الخليج

إضافة تعليق