النظافة في الإسلام قضية إيمانية

ارتبطت قيمة “النظافة” دائماً بسلوكيات الأمم والشعوب المتحضرة، حيث تنتشر هذه القيمة وتصبح سلوكاً راسخاً في نفوس كل المتعلمين المثقفين الذين يدركون أهميتها في الحفاظ على الصحة والبيئة والظهور أمام الآخرين في صورة جذابة ومحببة للنفس .
ولأهمية قيمة النظافة في حياة الإنسان ودورها في الارتقاء بسلوكه والحفاظ على صحته، نشر قيمة الجمال في كل مجالات الحياة جعلها الإسلام ملازمة للإيمان فانتشرت عبارة “النظافة من الإيمان” على ألسنة المسلمين، وتشتمل هذه العبارة على إشارة مهمة تتمثل في جعل النظافة جزءاً لا يتجزأ من الإيمان، الأمر الذي يجعلها ذات أهمية بالغة في سلوك الإنسان، لأنها بذلك لم تعد مجرد أمر مرغوب فيه أو متعارف عليه، وإنما صارت إضافة إلى ذلك قضية إيمانية تتصل بالعقيدة المتأصلة في النفوس
وتأكيداً لذلك نجد الدين يأمرنا بالنظافة قبل الدخول في الصلاة خمس مرات في اليوم والليلة، ويحرص على أن نأخذ زينتنا عند الذهاب إلى المسجد، وهذا أمر يتطلب النظافة، حتى لا يؤذي أحد غيره في المسجد برائحة كريهة أو ملابس غير نظيفة، فيكون بذلك سبباً في تنفير الناس من الذهاب إلى المساجد .
وإذا كان الأمر كذلك في أمور الدين فمن باب أولى ينبغي أن ينعكس ذلك على سلوكنا اليومي في الحياة . ومن هنا فإنه من الضروري كما يقول د .سعد الهلالي أستاذ الشريعة الإسلامية بالأزهر تعويد أبنائنا وبناتنا في سن مبكرة على النظافة وعلى عدم إلقاء أي مخلفات في الشارع، أو في فناء المدرسة أو في مكان العمل، أو في أي مكان آخر، لأن من شأن ذلك أن يسيء إلى المجتمع وإلى أفراده بأي شكل من الأشكال . والتعود منذ الصغر على هذا السلوك يجعل النظافة سلوكاً حياتياً لهم، فمن شب على شيء شاب عليه .
ويضيف: واجبنا أن نتعامل مع قيمة النظافة على أنها قضية إيمانية، وأن نعلم أبناءنا أن من يهمل هذه القيمة ليس مؤمناً كامل الإيمان حتى لو كان يصلى ويصوم ويزكى ويحرص على الفضائل الإسلامية . والنظافة بوصفها عنصراً من عناصر الإيمان لا تقتصر على الجوانب المادية وحدها، فكما تكون النظافة في الأمور المادية تكون أيضا في الأمور المعنوية وفي الأخلاق . وهذا يعني أن النظافة ليست أمراً ظاهرياً فحسب، وإنما هي مرتبطة أشد الارتباط بالجانب الأخلاقي للإنسان . فالإنسان الذي لا يكذب يوصف بأنه نظيف اللسان، والذي لا يفحش في القول ولا يغتاب غيره يوصف بأنه عف اللسان، والذي لا يختلس من مال غيره أو من المال العام يوصف بأنه نظيف اليد، والإنسان الذي يتفق ظاهره مع باطنه يوصف بأنه نقي السريرة بعيد عن النفاق، إنه إذن صاحب صفحة نظيفة لم تتلطخ بما يسيء إلى صاحبها أو يشوه سمعته . والمجتمع النظيف هو المجتمع الذي يخلو من الجرائم المادية والمعنوية .
ومن ذلك يتضح أن قيمة النظافة من القيم الحياتية الشاملة، والتي من دونها لا يمكن أن نصف إنسانا أو مجتمعا بأنه متحضر . فالحضارة ليست مجرد كلمة تقال أو مصطلحاً نتجمل به في الحديث، وإنما هي سلوك راق له أثره في المستوى الفردي والاجتماعي .
تزين المسلم
ويرتبط بقيمة النظافة ارتباطاً عضوياً الحرص على حسن الهندام، فكل تعاليم الإسلام تحث المسلم على أن يرتدي أنظف الثياب وأكثرها جمالاً وجاذبية . فالله سبحانه وتعالى قد أمرنا في كتابه العزيز بأن نتزين بأفضل صور الزينة وأن نرتدي أفضل ثيابنا عندما نذهب إلى المساجد لنؤدي عبادة الصلاة فقال سبحانه: “يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد”، ورفض الحق سبحانه سلوك هؤلاء المتنطعين الذين يحرمون الزينة والجمال فقال عز وجل: “قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق” .
ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعنى عناية بالغة بنظافة بدنه وثوبه ومكانه، وبحسن هيئته وطيب رائحته، ولذلك انجذبت إليه القلوب لكمال مظهره كما التفت حوله لجمال خلقه وسمو تعاليمه . وقد جاء في عدد من الروايات الموثقة أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يتجمل للوفود حين يلقاهم، كما كان يتجمل للقاء ربه في صلاته . يقول عنه أنس رضي الله عنه كما جاء في البخاري: “ما شممت مسكاً ولا عنبراً أطيب من ريح رسول الله صلى الله عليه وسلم” . ولا عجب في ذلك فهو القائل: “لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر” قال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسناً، فقال: “إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس” .
قيمة راسخة
من هنا نعلم أنه ليس من الدين كما يوضح الشيخ محمود عاشور وكيل الأزهر الأسبق وعضو مجمع البحوث الإسلامية أن يهمل الإنسان نظافة جسمه ويؤذي الناس برائحته، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: “حق على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام يوماً، يغسل فيه رأسه وجسده”، وليس معنى هذا التوجيه النبوي أن يلتزم المسلم بالأيام السبعة أو يضع لنفسه برنامجاً لكي يغتسل كل أسبوع، فالأيام السبعة تمثل الحد الأقصى لعدم الاغتسال، لكن المسلم مأمور بأن يكثر من الاغتسال وتنظيف جسده حتى ولو فعل ذلك سبع مرات في اليوم . واحترام الإسلام لكفاح الإنسان وعرقه وتواضعه لا يعني إطلاقا أن يخالط المسلم الناس بثياب عمله، أو أن يسير بثياب رثة أو غير نظيفة . فقد جاء في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً عليه ثياب وسخة، فقال: “أما كان يجد هذا ما يغسل به ثوبه” .
إذاً، فليس من الدين أن يهمل المسلم ثيابه أو أن يختلط بالناس بثياب عمله، أو يزاحم الناس بها إذا تضرروا منها، فالمسلم مأمور بأن يحافظ على مشاعر الآخرين وألا يؤذيهم بقوله أو سلوكه أو ملابسه . وليس من الدين أن يترك المسلم شعره ثائراً منفراً، فقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً شعثاً قد تفرق شعره فقال: “أما كان يجد هذا ما يسكن به رأسه” .
وقيمة النظافة التي ينبغي أن يحرص عليها كل مسلم تستمد من أسس دينية راسخة، فالنصوص القرآنية التي تحث المسلم على النظافة والطهارة والحرص على المظهر الحسن كما يوضح الشيخ عاشور كثيرة ومتنوعة . . فديننا يأمرنا بالنظافة قبل الدخول في الصلاة خمس مرات في اليوم والليلة، ويحرص على أن نأخذ زينتنا عند الذهاب إلى المسجد، وهذا أمر يتطلب النظافة حتى لا يؤذي أحد غيره في المسجد برائحة كريهة أو ملابس غير نظيفة، فيكون بذلك سبباً في تنفير الناس من الذهاب إلى المسجد .
قدوة طيبة للصغار
وإذا كانت النظافة كما يشير د . عبدالفتاح الشيخ أستاذ الشريعة الإسلامية ورئيس لجنة البحوث الفقهية بالأزهر مطلوبة في أمور الدين، فمن باب أولى ينبغي أن تكون مطلوبة في كل سلوكياتنا اليومية، فنحرص عليها داخل بيوتنا وأمام زوجاتنا وأولادنا، فالإسلام حث المسلم على التجمل لزوجته والظهور أمامها في أبهى صورة تجعله محبباً إليها ومرغوباً من جانبها، كما حثنا الإسلام على التستر والتزين أمام أطفالنا حتى نكون قدوة طيبة لهم في النظافة وحسن الهندام . فإذا ما خرجنا من بيوتنا لأداء عبادة الصلاة في المسجد فنحن مأمورون بالتزين والتجمل والنظافة . وعندما نذهب إلى أعمالنا وقضاء مصالحنا فيجب أن يكون مظهرنا حسناً حتى لا نؤذي الآخرين أولاً . وحتى نكسب احترامهم وتقديرهم لنا ثانياً .
من هنا يؤكد د . الشيخ على ضرورة تربية أولادنا على النظافة والاهتمام بملابسهم، وليس في ذلك تكبر وتعالٍ على الآخرين كما يفهم هواة خلط الأوراق، فالتكبر والتعالي على الناس شيء، والحرص على الظهور بمظهر حسن شيء آخر فقد يرتدي إنسان ملابس متواضعة ولكنه في سلوكه وتصرفاته وأخلاقياته فظ ومنفر لكل من يتعامل معه . وهذا الإنسان صاحب الملابس المتواضعة هو في حقيقة الأمر إنسان متكبر متغطرس مرفوض منبوذ من الله ومن الناس .
دار الخليج

إضافة تعليق