الإسلام يتصدى للسفه الاستهلاكي

أكدت دراسة اقتصادية فرنسية أن العرب هم أكثر شعوب العالم إسرافاً، رغم أن معظم الدول العربية تدخل في نطاق الدول النامية، وترتفع فيها نسب الفقراء ومحدودي الدخل . وقالت الدراسة المقارنة التي أعدها فريق من الباحثين الاقتصاديين والاجتماعيين: إن الأنماط الاستهلاكية لدى الإنسان العربي تجنح إلى البذخ والإسراف، حيث اتضح أن 48% من الذين شملتهم الدراسة ينفقون أكثر من 90% من دخولهم السنوية على الغذاء والكساء والرحلات الترفيهية و32% لا تكفي دخولهم متطلباتهم المعيشية، رغم أن دخلهم الشهري يتجاوز ال 1500 دولار، وأن 16% من عينة الدراسة يضطرون إلى الاقتراض إلى جانب رواتبهم الشهرية للوفاء بمتطلباتهم المعيشية . . وأن 4% فقط هم الذين يدخرون ما بين 25 و40 % من دخولهم لوقت الحاجة .

يقول د . إسماعيل شلبي  أستاذ الاقتصاد بجامعة الزقازيق المصرية وأحد المعنيين بالفكر الاقتصادي، في الوقت الذي يسعى فيه العالم أجمع إلى ترشيد الاستهلاك خاصة في ظل ارتفاع أسعار الغذاء، نشهد في عالمنا الإسلامي عامة والعربي منه خاصة تنافساً محموماً نحو مزيد من الاستهلاك يشارك فيه الأغنياء ومحدودو الدخل على السواء، وينعكس هذا سلباً على الوضع الاقتصادي للأسرة والمجتمع، حيث تعيش معظم الأسر أزمات مالية لا تنتهي وتضطر للاقتراض، وكثيراً ما تحدث مشكلات اجتماعية وحالات طلاق وجرائم متبادلة بين الأزواج والزوجات نتيجة خلافات على نفقات الأسرة وقلة الإمكانات وعدم القدرة على ترشيد الاستهلاك .

 ويؤكد د . شلبي أن سلوكنا الاستهلاكي الترفي في العالم العربي في تزايد مستمر، حيث لم يعد كثير من الناس يلمسون حدود الإسراف والتبذير، ومن هنا يقعون في الإغراق في الاستهلاك إسرافاً وتبذيراً وبطراً وتفاخراً، وترتب على ذلك دخول كثير من الناس في دوائر القروض والديون المرهقة ووصل الادخار الأسرى إلى مستويات متدنية وسلبية في أغلب أقطارنا العربية والإسلامية، حيث لم يستطع متوسطو الدخل أن يوفروا موارد لاحتياجاتهم المستقبلية التي من أبرزها المسكن والتعليم والزواج وغيرها .

 ومن خلال وقوفه على الإحصاءات التي ترصد مظاهر الإسراف والسفه في عالمنا العربي والإسلامي يؤكد أستاذ الاقتصاد بجامعة الزقازيق أن الدراسات كشفت عن ازدياد معدل الإنفاق في كثير من الدول العربية والإسلامية على أشياء غير أساسية، حيث أشارت إحصاءات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء بمصر إلى أنّ 8 .38% من دخل الأسرة المصرية يوجه للإنفاق على أدوات الزينة ومستحضرات التجميل، وأغلب هذه المساحيق لا تستخدم وتجد طريقها إلى صناديق القمامة!

 وفي كل الدول العربية والإسلامية من دون استثناء يتزايد الإنفاق يوماً بعد يوم على استهلاك التبغ بكل أشكاله، رغم حملات التوعية ضد التدخين وفي معظم الدول العربية أيضاً تهدر مليارات كل عام على الاتصالات الهاتفية وحمى الهواتف الخلوية، التي أصبحت في أيدي الصغار قبل الكبار من دون حاجة لهذه الاتصالات سوى مجرد التقليد والمحاكاة في البذخ والإسراف وإهدار الوقت والمال فيما لا يفيد .

 الضوابط الإسلامية للإنفاق

 الخبير الاقتصادي الإسلامي د . يوسف إبراهيم مدير مركز الاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر يؤكد أن مظاهر السفه الاستهلاكي في بلادنا العربية والإسلامية تمثل عصياناً واضحاً لمنهج الإسلام الاقتصادي الذي يؤكد تحقيق الرشد في الاستهلاك عن طريق مجموعة من الضوابط التي يجب على المسلم أن يلتزم بها في سلوكه الاستهلاكي .

 الضوابط الإسلامية للإنفاق تتمثل في: عدم التقتير، وعدم الإسراف، والتوسط والاعتدال، والزهد . وقد وردت هذه الضوابط في المنهج الإسلامي كصفات للمؤمنين الصادقين، كما جاءت في شكل أوامر ونواه صريحة يجب الوقوف عندها، حيث يقول الحق سبحانه: “والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما” . كما يقول سبحانه: “ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسوراً”، ويقول: “وكلوا واشربوا ولا تسرفوا”، ويتضح من هذه الآيات أن هناك إمكانية لظهور ثلاثة مستويات استهلاكية لدى الفرد، ولدى المجتمع، مستوى التقتير الذي يقف بحجم الاستهلاك عند حد يقل عن المطلوب لبناء الجسم والمحافظة عليه في أفضل الأوضاع الممكنة له للقيام بالأعباء والتكاليف، ومستوى الإسراف الذي يصل فيه حجم الاستهلاك إلى حد يزيد على اللازم، ومستوى الاعتدال الذي يكون حجم الاستهلاك فيه فوق المستوى الأول ودون المستوى الثاني .

 ويقف المنهج الإسلامي من هذه المستويات المتوقعة لسلوكيات الناس موقفاً واضحاً، إذ يحظر المستويين الأول والثاني، ويحض على تحقيق المستوى الثالث، الذي يضم العديد من أحجام الاستهلاك، وللفرد والمجتمع الحرية في الوقوف عند حجم منها، وإن كان الإسلام يفضل أعلاها، ويدعو الناس إلى التمتع بما أنعم الله عليهم من طيبات، وما أخرج لهم من زينة .

 الاعتدال المشروع

 يؤكد د . إبراهيم أن الإسلام جعل حداً أدنى من الاستهلاك يقوم بالشخص ويفي بحاجاته وحاجات من يعول ولا يصح أن يعيش الفرد تحته مادام قادراً على تحقيقه، فإن فعل فقد ارتكب إثم التقتير، لأن التقتير والحياة في ظله مع القدرة على تجاوزها ظلم للنفس، وظلم للمجتمع . وهنا يقف ضابط “عدم التقتير” ليحول دون تدني الاستهلاك إلى الحد الذي يهدد حياة الجماعة، عندما يصيبها في طاقاتها الفعالة ممثلة في الأفراد الأقوياء بدنياً ونفسياً وفنياً، ويكفل ارتفاع حجم الاستهلاك إلى المستوى الذي يجعل الأفراد قادرين على الوفاء بواجباتهم، قادرين على ممارسة دورهم في الحياة بكفاءة .

 والإسراف الذي حذر منه الإسلام يعني تجاوز الحد في الإنفاق الاستهلاكي مطلقاً، أو التجاوز في الإنفاق على غرض دون غرض، أي الإخلال بالتوازن في الإنفاق على مختلف الأغراض، والإسراف في مضمونه الاقتصادي يعني تجاوز الحد في استهلاك المباحات، والاستجابة لرغبات النفس، التي لها أصل مشروع، الأمر الذي يخرج بالشخص عن حد الاعتدال والتوسط . وبما أن الدخل محدود، فغالباً ما يترتب على الإسراف في جانب التقتير في جانب آخر .

 ظلم وإهدار للموارد

 الإسراف  كما يقول الفقيه الأزهري د . محمد رأفت عثمان عضو هيئة كبار العلماء  محرم في الإسلام للأسباب التي حرم من أجلها التقتير فكلاهما ظلم للنفس وتحطيم لقدراتها، وإن اختلفت الوسيلة، كما أن كليهما إهدار للموارد الاقتصادية، وإن كان التقتير يؤدي إلى الكساد فإن الإسراف يقود إلى التضخم، وكلاهما شر يجب أن نتجنبه، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “كل ما شئت والبس ما شئت ما أخطأتك خصلتان: سرف ومخيلة”، وهكذا يتضح لنا أن الإسلام يضفي على الإسراف في كل شيء صفة التحريم القاطع، حيث جاء النهي عنه مقروناً بالمأكل والملبس والمشرب، ومقروناً بالصدقة، ومطلقاً عن التقييد بشيء، مما يعني تحريمه في كل شيء، قال تعالى: “وكلوا واشربوا ولا تسرفوا”، وقال تعالى: “وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين”، وقال تعالى: “ولا تطيعوا أمر المسرفين . الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون” .

 ولكي لا يقع المسلم في شرك الإسراف، عليه أن يكون ذا وعي اقتصادي وذا يقظة استهلاكية، تحميه من أن يقع في الاسترسال في الاستجابة للرغبات والشهوات، وذا إرادة قوية تجعله يصمد أمام شتى المشتهيات، مستجيباً في ذلك لأمر الله تعالى أولاً، ولمصلحة بدنه ونفسه ثانياً، ولحسن تربية أهله ثالثاً، يقول النبي صلوات الله وسلامه عليه: “إن من السرف أن تأكل كل ما اشتهيت” .

 ولقد رأى سيدنا عمر، رضي الله عنه، أحد أصحابه بالسوق يحمل شيئاً في يده فسأله: ما هذا؟ فقال لحم اشتهاه أهلي: ثم رآه في اليوم التالي على الحالة ذاتها فسأله: ما هذا؟ فقال لحم اشتهاه أهلي: فقال عمر: أوكلما اشتهيتم اشتريتم؟ . . أما تخشى أن تكون ممن قال الله فيهم: “أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها” .

 دار الخليج

إضافة تعليق

2 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.