تسليع الثقافة

أصبح غياب النقد في الساحة الثقافية العربية ظاهرة تستحق الدراسة، لا نقرأ حواراً مع روائي أو شاعر، مسرحي أو تشكيلي إلا ويسأل عن دور النقد، لا نتابع مؤتمراً أو ندوة أو فعالية إلا ويؤكد المشاركون على ضرورة إنعاش النقد وتفعيله، بات النقد لغزاً حيث الدعوة إلى النهوض به تحولت إلى ما يشبه الأناشيد والمحفوظات، والتحليلات التي تبحث أسباب تراجعه تتكرر كالأسطوانة القديمة المملة، ووقع الجميع أسرى لعبة السبب والنتيجة: فهل أدى غياب النقد إلى صعود الرديء وتصدره المشهد أم العكس؟ وللمرة الأولى يتسلل توصيف “الرديء” نفسه إلى النقد والذي يحلو لبعضهم ترديده عند وسم النقد بالانطباعي أو الصحفي أو المتعجل . . إلخ .
إن جانباً كبيراً من أزمة النقد بل ربما يكون العامل الرئيس فيها والذي لم يلتفت إليه أحد ولم يأخذ حظه من البحث والتحليل، يتمثل في تحول الثقافة إلى صناعة، وهو توجه بات يرصده الكثير من الأدبيات الغربية مؤخراً وينسحب على ثقافتنا بفعل التبعية المؤبدة، والملاحظ هنا أن النقد في الثقافة الغربية يعاني بدوره أزمة تراجع واضحة، فدور النشر التي تؤسس يومياً لابد أن يتوافر لها ما تشتغل عليه، والمواقع الإلكترونية التي نعثر على الجديد منها كلما تجولنا في الشبكة العنكبوتية لابد أن تجد بدورها ما تمتلئ به صفحاتها، والقنوات الفضائية التي تتوالد لحظياً تحتاج إلى دراما وفنون ومن يصنعون الذائقة ويوجهون العقول حتى يستمر البث على مدار الساعة . وبإمكاننا تتبع ملامح هذه الحالة في حقول المنتج الثقافي كافة .
لقد تضخم الإنتاج الثقافي العربي في السنوات الأخيرة، ولنضع هنا جانباً كل ما يمكن قوله في ما يتعلق بالجودة أو الرؤية أو ما يرتبط بالمقارنة مع الغرب أو المراكز الثقافية الأخرى الفاعلة . يلفت النظر في حقل الرواية على سبيل المثال ترشح 133 رواية من 15 بلداً عربياً لجائزة البوكر هذا العام، وهذه الروايات صادرة في عام 2012 ولنا أن نتصور حجم المنتج الروائي في كافة أقطارنا العربية خلال العام الماضي ثم نسأل عن عدد النقاد المطلوب منهم الاكتشاف فالمتابعة وأخيراً التقييم، وفي مرحلة ثانية الخروج بذائقة تفيد المبدع وترشد القارئ، وفي مرحلة ثالثة تأسيس سلطة معيارية للنقد نفرز من خلالها الجيد من الرديء .
إن الناقد الجيد المؤسس ثقافياً ومعرفياً الممتلك لأدواته وتقنياته نادر، هو نتاج تكوين شخصي شاق وطويل، ونتاج ازدهار ثقافي حقيقي لا مصنوع، وحتى وإن توافر مثل هذا الناقد، وهو بالتأكيد موجود، فإنه لا يستطيع مواجهة عصر تسليع الثقافة، ذلك العصر الذي يردد فيه الجميع تلميحاً في الأغلب: إن الثقافة تتحول تدريجياً إلى مهنة من لا مهنة له .
دار الخليج

إضافة تعليق

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.
2 + 2 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.