رشدي فكار ... النفس بين معطيات الحضارة ووحي السماء

عالم انسيابي له منعطفات خاصة وأغوار استثنائية، السباحة فيه لها مخاطر جمة ما لم تضبط إيقاعاتها ومحدداتها وطرائق معالجاتها توطئة إلى سبل المراقي الإيمانية العلوية أو الانقياد للهاوية والاندثار.
ولعل العلماء قد قطعوا أشواطاً تتجاوز القرون في محاولة تأكيد كنه الحقائق الثابتة عن النفس وأحوالها وتحولاتها وغاياتها ومراميها ومحركاتها، فصكوا المصطلحات وخرجوا بالعديد من المفاهيم والنظريات، لكن لم يتم التقنين لها وبرمجتها بحيث تكون النتائج قاطعة والتفسيرات والتحليلات ذات صدقية عليا نظراً لإغفال الجوهر الإيماني كمكون محوري فيها، فكانت الحيرة العريضة في مقتضيات التعامل وفك الشفرات بين منهج الحضارة الغربية ومنهج الإسلام فتجلى التناقض بمعناه الكلي وتبدت المسلمات الإسلامية في المداخلة مع النفس، بينما أسلمت الحضارة الغربية إلى آليات حياتية ظنت بها عصمة هذه النفس من كل حاجة مادية فساقتها إلى واحة التأزمات الكبرى التي يحال معها سبل الخروج والإنقاذ رغم تفاني ذاتها في بلوغها درجات السواء.
طرح الدكتور رشدي فكار تلك الإشكالية في كتابه «قضايا الإنسان والمجتمع... مداخلات إسلامية» وكيف لهذه الحضارة أن تتحرك بالنفس البشرية نحو صلاحية دون صلاح، معرباً عن أنها حضارة قد اندفعت بالإنسان لتعلن حضورها في كل الساحات خلال مسيرتها الممتدة عبر قرنين، وقد كانت مكثفة في عطائها واثقة من دفعها واندفاعها فاستطاعت اختزال الزمان والمكان وتحقيق التراكم المعرفي والإبداع في العلوم التجريبية وعلوم الإنسان مرتكزة على مبادئ عامة منها العقلنة والتسلسل والانضباط والتنسيق والتخطيط، من ثم افتخرت بما قدمت من إنجازات علمية وتكنولوجية مكنت الإنسان من السباحة في الفضاء والتنزه على سطح القمر مختزلاً المسافات في كوكبه منتفخاً بتلك الذروة المعرفية، لكن يقابل ذلك مستوى من السلبيات والوعي الشقي وتعدد وسائل الفناء المبتكرة، وبالفعل يبرز التساؤل الملح أين تكمن توعكات هذه الحضارة وعمق مأساتها ؟ إنها تتجلى أول ما تتجلى في معيارية التعامل مع النفس، فلقد انحصرت رؤيتها للإنسان باعتباره وعاء أو قالباً أو جسداً لا حاجة له إلا الإشباع والرفاهية والرخاء تلذذاً بالمقتنيات واستلاباً بها، وتجاهلت تلك الركيزة المتمثلة في إنسانية الإنسان بتسامي النفس قيماً ومثلاً، من ثم فقد قدمت نفساً بشرية جفت في أعماقها وشغلت بما حولها أكثر من تساميها وتقواها فضلّت، ومن ثم فقد انتهت إلى مصادرة هذه النفس البشرية في مشاعرها وعواطفها وصدقيتها وقناعاتها الإيمانية صراحة أو ضمناً لتتحول إلى جهاز يعطي حيثيات تبريرية للنقيض كالزيف والغش والمضاربة لكن بعد تغطيته بمسميات ذات بريق تعميقاً في المغالطة كالتكتيك والاستراتيجية، وعلى كل ذلك نحت هذه الحضارة بمصير الإنسان منحى ركز على مردوديته ورفاهيته المادية وإشباع غرائزه ليس غير، وكذلك أشبعت فجور النفس وحيوانيتها زاعمة أن هذه هي معيارية السعادة وقمتها، وعلى ذلك أيضاً فالحضارة التي جاءت لإعلاء الإنسان وفك أسره وحضوره كمحور للوجود بذاته ولذاته آلت إلى إسقاطه رغم ما يستحوذ عليه من وسائل وإمكانات وهو ما أمكن خلاله الوقوف على مدى تحول النفس في الحضارة الغربية إلى آلة أو جهاز يدفع ثمن تفوقه وتمرده الذهني!.
لكن سجّل الموقف الإسلامي في التعامل مع النفس ريادة إنسانية لا تماثل وحقق فارقاً هائلاً بينه وبين الرؤى والمنظورات والحضارات كافة، بل إنه قدم النموذج الأمثل الذي اجتمعت فيه معياريات التكامل محققاً تعادلية متفردة، لذلك فقد ركز القرآن على النفس البشرية أكثر كثيراً من تركيزه على الجسد المادي إذ لم يعتبره إلا وعاء لاحتواء النفس ولم يعطه الأهمية التي لا تتفق مع حقيقته، كما عالج كل الموبقات الضارة بالنفس كالظن والشك، الغيبة، التوجس لأنها كلها مدعاة للتأزم والقلق، فالنفس في القرآن هي المعيار للمسؤولية والعطاء وهي الإطار الشامل، ولقد جعل الإسلام الفلاح في تزكية النفس وأن شفاءها لن يكون إلا بانشراح الصدر وجعل أيضاً ضلال النفس في الدخول إلى دوائر الضيق والحرج، ولقد جاء تصنيف النفس تبعاً للقرآن كاشفاً عن حقيقتها فهي الأمارة واللوامة والراضية والمطمئنة، وكلها تدرجات لا تقنّن بمعيار اكتساب وسائل الرفاهية والإشباع والاستهلاك كما قنّنتها الحضارة الغربية وإنما كان هناك تدرج منطقي في التسامي والتقوى وبلوغ حالة رفيعة من الصفاء.
وعلى ذلك فهذه القضية قد منحها القرآن الكريم من المعايير سواء في ما يعني مفهوم البشرية أو تصانيفها أو علاجها ما يجعل ذلك المؤمن يكتشف عالم الأنوار وصدقية المآل وأصالة الإنقاذ لهذا الإنسان، فمعاناة النفس في الواقع هي معاناة في المرجعية والإحالة لإطار زعم الإنسان أنه البديل ونعني بذلك فلسفة الإنسان المرتكزة عليها حضارة العصر كبديل لوحي السماء، فالمعاناة لا يبحث عنها على المستوى الفردي أو الفئوي وإنما هي معاناة انبعثت من حضارة جاءت لتعمم الأزمة بدلاً من الإنقاذ إذ إن زوال معاناة النفس وهمومها وقلقها مرتكز على قناعة الإيمان، وأن القرآن الكريم يمنح الهدوء الشامل والسكينة المطلقة للنفس القلقة المتعلقة بمتاع الدنيا وزينتها وغرورها، لكن أما آن للإنسان أن يتحاور وينفتح على أسمى ما في جوهره وأعمق ما في إنسانيته، بمعنى أن ينفتح على عمق نفسيته البشرية ليصل بها ومن خلالها إلى الارتباط بوحي السماء ذلك الكنز الخالد الذي يستلهم منه التوجيه والتعادل والتوازن وإعادة صياغة مقومات النفس البشرية على ضوء تعاليم السماء. فالإنسان المعاصر الذي يزعم لنفسه أنه إنسان الحوار والانفتاح على العالم هو ذاته مطالب بأن ينفتح على نفسه أولاً وعلى أسمى ما فيها بالتالي يتطلع إلى معيارية السلوك الأمثل الذي يرتكز على صدقية الإيمان الثابت مجسداً للصلاح والصلاحية.
بالتالي، فالحضارة الغربية تعايش تناقضية مريرة بل تناقضية صارخة غير مسبوقة في جوهر منظومتها، إذ إنها قد أعلت من شأن الأشياء على حساب إنسانية الإنسان الذي صنع تلك الأشياء، رغم أنها قد أتت لإنقاذه لكنها انتهت بالتسلط عليه والهيمنة على مقدراته مسقطة من معادلاتها تلك العناصر الدينامية الفاعلة من قيم روحية ومثل عليا استطاع المنهج الإسلامي احتواءها وقدمها خير باقة معنوية وزاداً لا ينفد وآلية للصمود يستطيع بها هزيمة أمراض الحضارة!.

* كاتب مصري
دار الحياة

إضافة تعليق

3 + 9 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.