المارد الإلكتروني

لايزال مواطن العمارة العالمية، يواصل صدمة تفاعله مع إنجازات ثورة التكنولوجيا والاتصالات، التي باتت واقعاً لامناص منه البتة، منذ أن يفتح كلتا عينيه، في مطلع نهاره، وحتى لحظة غفوته، في آخره، ضمن دورة الزمان، مادامت هذه المنجزات تمارس سطوتها عليه، بشدة، وإلحاح كبيرين، خلال مساحة أوقاته تلك، كلها، تاركة أثرها الكبير، كما هو معروف، في سايكولوجيته، وسلوكه، وقراره، ورؤيته، في آن .بدهيّ، أن تحول موقع هذا المواطن الجديد، من هامش الاهتمام العالمي، إلى مركزه، بجدارة، هدم حدود احتكار المعلومة التي كانت وقفاً على بعض مراكز الدراسات العالمية، بل نخبة النخبة، وجعله في غمار لجّة حالة جديدة غيرمسبوقة من قبل، إذ بات يعيش الحدث العالمي بكل توتراته، وحرارته، ما يجعله مستوفزاً، مشدود الأعصاب، يعيش أكبر قدر ممكن من معاناة الآخرين، أو يغدو شاهداً لامبالياً، حيث لاحيادية هنا، رغم أن دورالشاهد نفسه، في مثل هذا الواقع المستجد، لهومضن بالقدرنفسه، حتى وإن تخفف من أحمال الآخرين، ملتفاً على سؤالها، وأعبائها، حيث إن هذا الفعل، ذاته، بمثابة عبء، أو مسؤولية، لأن التنصل من الإصغاء إلى أقصى درجات الألم الإنساني-إن وجد- ليعد معادل التغلغل في أعماقه، لنكون هنا أمام نوعين متناقضين من المسؤولية، تجاه الآخر، مشاركة وجدانية في تفاصيلها، أونأياً عنها، لافرق . .! .

وحقيقة، لقد مر الإعلام منذ تناقل الإنسان للخبرالأول في التاريخ، عبرمسيرة طويلة، عمرها الحضارة البشرية، ليكون له حضوره، وتأثيره، في كل مرحلة، على دائرة المتلقين التي لم تتسع، لتصل صورتها العملاقة، على النطاق العالمي، إلا بعد تجاوز الأدوات الإعلامية البدائية، سواء أكانت إشارات سيميائية، ملفوظة، أو ضوئية، أوحركية، أو عبر استخدام حتى الطير، أو غيره، كوسيلتي إيصال للمعلومة، حتى في طابعه البريدي الصرف، قبل أن يتفاجأ العالم بالثورة الإعلامية الأولى، متجسدة في ظهور الجريدة، والمذياع، والهاتف، وغير ذلك من أدوات الاتصال التي أحدثت تحولات كبيرة في حياة الناس، سواء أكان ذلك في حالات الحرب أوالسلام .

إن هذه النقلة في التفاعل مع تلقي المعلومة أحدثت انقلاباً كبيراً في إحداثيات الحياة العامة، وباتت تربط جمهرات محددة، بذبذبات وتموجات الفعل الإعلامي، ما شكل أحد التحديات الأولى، لثنائية: المكان والزمان، التي لما تتم دراسة انكسارهما، بفعل الحدث الإعلامي، وفق تدرجاته، في الشكل المطلوب، وإن نجد الأمر يبلغ -الآن- حده الاعظمي- كي يكونا لصق الفضاء الذي يعيشه المتلقي أينما كان، لاسيما وأن لا منجى له من تأثيرات الأحداث الصغرى والكبرى، سواء أكان في بيته، أوفي المدرسة، أو الجامعة، أو الشارع، أو العمل، مادام أن أي استعراض لمسيرة الوعي البشري، منذ بداية تشكل الوعي الآدمي، وإلى الآن، لتجعلنا أمام دورالإعلام في نشأة الوعي، لاسيما وأنه لا يمكن عزل العلوم الإنسانية - على نحو خاص- عن بعض جوانب هذا المؤثر الإعلامي .

ولا يمكن للمرء تصور مسرح الحياة، من دون إعلام، لأن الإعلام هو في الحقيقة - عصب الحياة - بل وكهرباء حيويتها، ويمكن أن نعزو الكثير من التحولات التي تتم إلى الإعلام نفسه، ليكون محركاً مهماً للفعل الآدمي، فالحياة دونه ليست أكثرمن بركة هامدة، كما أن تحليل دور الخبر في سير الحروب عبر التاريخ هو كبير جداً، لأنه يؤثر فيها، سلباً وإيجاباً على حدّ سواء، تبعاً لآليات استخدامه، ومدى تفاعل المحارب مع الحدث المتناهي إلى مسمعه، إلى الدرجة التي يمكننا اعتبار الخبر صانعاً للانتصار، أو مسهماً في صناعة النصر، وهذا ما تلتقطه ورش الخبراء المعنيين الذين يرافقون - عادة - هذه القوة العسكرية، أوتلك، أو ينضمون إليها، بل إن دور الخبر، في أيام السلام، لايقل خطورة، وقوة تأثير، في نفس المواطن، ما يدعو المعنيين بشؤون الدولة راسخة البنيان، أن يعنوا جداً بالإعلام كرئة مهمة في حياتها العامة، بل إن وزارة الإعلام لطالما كانت من الوزارات الأكثر أهمية، في حياة الدولة الوطنية، ويكاد دورها لايقل عن وزارة الدفاع، وهو ما يدعونا لنتاكد من أن لأية معلومة ثمة أثرما، ضمن دائرة ما، وهكذا فإن مليارات المعلومات اليومية التي تتكون - بشكل طبيعي- وفي انتظار ضخها، بما يستطيع حملها من وسائط إعلامية، تعد محوراً معرفياً، فله ترجمته المباشرة، وأصداءه في ذوات المتلقين .

لقد كان الإعلام في مراحله الأولى تحت سيطرة التحكم به من قبل صانعيه، حيث تشكل مع تطورالزمان ذلك العقل الذي يجيد صياغة تفاعله مع المعلومة، واستطاع بفعل رقابته، وتوجيهه، أن يتحكم به، ويستفيد منه، بالطريقة التي يشاء، بل وأن يخفف من شدة وطأته - حسب حاجته - لاسيما في ظل انعدام الشفافية، والمكاشفة، حيث يمكنه - هنا - من أن يكون أداة فاعلة كبرى، بيد أنه طالما افتقد في مثل هذا المقام، مصداقيته، نتيجة توظيفه خارج إرادة قاعدته الأرحب التي ينبغي توجيهه إليها، إلا أن كل هذا سرعان ما انقلب رأساً على عقب مع بدايات ثورة الاتصالات والتكنولوجيا، حيث أن وسائل السيطرة على الإعلام باتت أكثر كلفة، لاسيما في ظلّ الانتشار العمودي والأفقي لوسائل الإعلام الجديدة، كي نغدو- وجهاً لوجه - أمام المارد الإعلامي الذي يكاد ألا يرعوي، مادامت مرايا الإعلام باتت تلتقط كل صغيرة وكبيرة في آن، فلا تفوتها أية شاردة وواردة، وقد ساعد على سرعة انتشارها أن الفرد بات له حضوره في ثورة الميديا الكونية، كما أنه بات للمؤسسة دورها، في الوقت الذي تراجع، بل تقهقر الدور الكبير للرقابة، وبات الخبر يجد طريقه إلى من يشاء، شريطة توافر مجرد جهاز كمبيوتر، وخط إنترنيتي، الأمر الذي يفتح الأبواب أمام خطر محدق لم يكن في البال من قبل، ألا وهو إساءة استخدام شبكة التواصل الاجتماعي، وهو ما بتنا نجده، حيث خلط السمّ بالدسم، على نحو متعمد، في حالات كثيرة، سواء أكان من قبل مجرد أفراد، أو حتى مراكز معنية، في ظل انعدام الضابط القانوني، الكوني، وذلك ناتج عن استمرار التناقضات الهائلة من حولنا، بين المصالح العامة، المتناقضة، من جهة، بالإضافة إلى مسألة أخرى، وهي وجود هوة كبيرة بين إنجازات الثورة المعلوماتية، ودرجة استعداد الكائن، المتعولم - اتصالياً - الوطني، والعالمي معاً، والذي بدا في حالات، وأمثلة كثيرة، نتيجة عدم تهيئته، واستعداده، غيرقادر على استخدام هذا الفضاء العملاق بما يخدم مصلحته، في أعلى درجاتها، كما هو متاح- كي يحافظ على كرامته ويعزز وجوده، بل بات يتيه في عوالمه، من دون أن يضع إصبعه على جرحه، بغرض مداواته، والإجابة عن أسئلته الأكثر إلحاحاً .

إضافة تعليق

2 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.