حوارات من أجل المستقبل..دروب الحق عديدة

ينطلق كتاب "حوارات من أجل المستقبل"، لمؤلفه طه عبد الرحمن، من اعتبار أن "الحوار" ينزل منزلة "الحقيقة". ويقيس ذلك على خلفية أن الأصل في الكلام من جهة مضمونة هو الحقيقة، فكذلك الأصل فيه من جهة قائله هو الحوار؛ وأن على المتكلم الشاهد، خصوصاً، أن يقول الحقيقة، مثل ما على المتكلم المعادي، عموماً، أن يمارس الحوار؛ وأن يقول كل منهما الحقيقة وحدها، في ممارسة الحوار.ويعتبر المؤلف أن بيان الحقيقة الحوارية يتجسد في أن طريق الوصول إلى الحق ليس واحداً لا ثاني له، وإنما طرقٌ شتى لا حدّ لها، لأن الحق هو نفسه، على خلاف الرأي السائد، ليس ثابتاً لا يتغير، بل أصله أن يتغير ويتجدد.

وما كان في أصله متجدداً، فلا بد من أن يكون الطريق الموصل إليه متعدداً؛ وحيثما وجد التعدد في الطرق فثمة حاجة إلى قيام حوار بين المتوسلين بها. ثم أن تواصل الحوار بين الأطراف المختلفة، فئات أو افراداً، يُفضي مع مرور الزمن إلى تقلص شقة الخلاف بينهم، وذلك لدخول هذه الأطراف في استفادة بعضها من بعض.

حيث إن هذا الطرف أو ذاك قد يأخذ في الانصراف عن رأيه متى تبيّن له، عند مقارعة الحجة بالحجة، ضعف أدلته عليه، ثم يتجه تدريجياً إلى القول برأي من يخالفه، أو يأخذ، على العكس من ذلك، في تقوية أدلته متى تبيّنت له قوة رأيه، مستجلباً مزيداً من الاهتمام به من لدن مُخالفه، حتى ينتهي هذا المخالف إلى قبوله والتسليم به.

وفي حواره مع وسائل الإعلام، يرى عبد الرحمن أن الاهتمام بالتراث هو اهتمام بماض لا فائدة من ورائه، إذ يخشى الاستغراق فيه بالقدر الذي يحجب اهتمامه بالحاضر. لكن يرى أن من يدعو باسم "الحداثة" إلى الكف عن الرجوع إلى التراث وإلى الأخذ بالمعرفة الحديثة.

كما جاء بها الغرب، فإن دعوته لا تعدو كونها تستبدل مكان الانشغال بالتراث الأصلي الانشغال بتراث أجنبي، ذلك أن المعرفة الحديثة، كما هو معلوم، تجد سندها في التراث الغربي، وتبقى حاملة لسماته وآثاره، ولو نُسب إليها ما نسب من "الموضوعية" و"العلمية" و"العقلانية".

ويعجب عبد الرحمن من الذين يدعون إلى هذه القيم من العرب والمسلمين، ويعتبر أنهم لا يزالون عاجزين عن تبيين جانب "النسبية" و"المحلية" فيها، ناهيك عن الدخول في نقدها وتصحيحها، بل لا يتصورون حتى إمكان وجود بدائل لها، هذا مع العلم أن واضعيها الأصليين أخذوا يشككون فيها ويبرزون حدودها.

وعليه، فإن التعامل مع التراث الأصلي كان وسيبقى مطلوباً، بغية تجدد الثقة بالقدرات وتأصيل مصادر الاستلهام؛ وليس معنى بقاء التعامل مع التراث، هو حفظ كل ما فيه على الوجه، الذي كان به، من غير اعتبار لمقتضى الماضي، ولا لمقتضى الحاضر.

وبخصوص مشروعه العلمي والبحثي، يؤكد عبد الرحمن أنه يتحدد بواقع البحث في التراث الإسلامي العربي، وبالخصوص في المناهج العلمية التي تميز هذا التراث؛ حيث سيطر على هذا البحث اتباع منهجيات لا يسلم بصلاحيتها، لأنها منتجات منقولة لا موصولة؛ أي لا تستوفي الشروط المنطقية للموضوع الذي تُنزل عليه؛ كونها مستعارة من مجالات معرفية مغايرة لهذا المجال الذي تسلط عليه تسليطاً، من غير مراجعة صفاتها الإجرائية ومراعاة الخصوصيات المنطقية لهذا المجال.

وهي مقطوعة عن أسباب التراث، بل تثويرة من حيث عجزها عن سلوك طرق كفيلة بمد هذا التراث والاستمداد منه. إضافة إلى كونها منهجيات مدخولة لا مكمولة، أي تتضمن فساداً منطقياً، يظهر إخلالها بصفة عامة بشروط النص المكتوب؛ إذ يلزمها أن تُوفي الشروط اللغوية والمنطقية "للنص المكتوب" حقها، بينما تعاملت مع هذه النصوص، كما لو كانت موضوعات مادية وخارجية، مثلها مثل الظواهر التاريخية والاجتماعية والاقتصادية.

ويبين عبد الرحمن أن مشروعه يسلم من النقائض التي تندرج تحت عيبين اثنين، يدعوهما النقل والدخل، ويأخذ منهجه بطرق المنطق الرياضي الحديث، وطرق نظريات الحجج المعاصرة، وبما تتناسب في خصائصها مع خصائص الموضوع الذي تنصب عليه؛ ذلك ان الموضوع التراثي مبني بناءً لغوياً منطقياً، ولا يمكن وصفه وصفاً كافياً ولا تعليله تعليلاً شافياً، إلا إذا كانت الوسيلة الواصفـة ذات طبيعة لغوية منطقية.

المؤلف في سطور

الدكتور طه عبد الحمن. باحث وكاتب ومفكر مغربي. يعنى بالمسائل الثقافية والفلسفية. لديه دراسات ومؤلفات عديدة، من بينها: روح الحداثة.

البيان

إضافة تعليق

13 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.