«نيويورك للكتاب».. واحة الناشرين ومحج القراء

يعد معرض الكتاب في نيويورك، من أكبر مراكز عرض الكتب في العالم، خاصة في ما يتعلق بالعالم الانجلو ــ ساكسوني والكتب المؤلفة باللغة الإنجليزية. ويعد أول معرض للكتب في الولايات المتحدة، والثاني على مستوى العالم، بعد معرض فرانكفورت في ألمانيا، وهو الأهم بالنسبة للغة الانجليزية.
لا يقتصر المعرض على عرض الكتب فقط، بل إنه يتحوّل في فعاليات دوراته، إلى أكبر مركز لتوزيعها، ذلك لأن غالبية الكتب الموجودة فيه، تعرض للمرة لأولى، بعد خروجها من المطابع.
كما أنه ينطوي على سمة وميزة أساسيتين. إذ إنه يتيح اللقاء المفتوح والمباشر، وفي صيغ أكبر قاعدة ممكنة، بين الكتاب والقراء من مختلف الأعمار والاهتمامات والتخصصات. وما يجعل معرض نيويورك للكتاب من أهم المعارض على وجه الأرض قاطبة، حقيقة كونه يغطي أضخم عدد ممكن من دور النشر الآتية من مختلف البقاع الأميركية والعالم.

تفرد

لعل أهم ما يميز رواج كتب معرض نيويورك، أنها تبيع الكتب بسعر أقل من الأسعار المتداولة في السوق، وهو ما يشكل عامل جذب كبير بالنسبة للقراء، كما أنه أمر يوفر للقراء القدرة على أن يقتنوا أكبر عدد ممكن من الكتب، بسهولة ودون حؤول عقبة الحاجز المادي المتأتي عن غلاء الأسعار، أمامهم لتحقيق ذلك.

وهذه الحالة، طبعا، نجدها ميزة رئيسة في وقتنا الحالي، إذ غدت تؤشر إلى جدوى وسمات تفرد معارض الكتب. ففي "نيويورك للكتاب"، تختلف القضية عن طبيعة عملية شراء الكتب، مثلًا، من موقع الأمازون الذي يفضل القراء الاقتناء منه وهم جالسون على مقاعدهم المريحة، ذلك عن طريق البيع الالكتروني. فزيارة هذا المعرض أصبحت طقساً وتقليداً سنوياً، يقدم فوائد جمة ليس آخرها اقتناء الكتب بأسعار رخيصة. فهو أيضاً يتيح الالتقاء السهل بالكتاب والمؤلفين.

ولذلك يعد الاحتكاك بالكتّاب والمؤلفين والأدباء العمود الفقري لمعرض الكتاب في نيويورك. إذ يحرص المعرض على توفير هذا اللقاء بين الجهتين. وقبل سنوات، شهد المعرض لقاء الجمهور العريض بمؤلفة "هاري بوتر"، ضمن فعاليات دورة المعرض، الكاتبة جي. كي. رولينغ، حيث بيعت ملايين النسخ من روايتها، وبجميع لغات العالم (وصلت المبيعات المترجمة إلى ما يقدر عدده بـ 18 لغة تقريباً).

مستقبل الكتاب

طرح معرض الكتاب في نيويورك، تساؤلات جمة، في دوراته المتعاقبة الأخيرة، حول مستقبل الكتاب في ظل الأزمة العالمية التي بدأت تهيمن على أجواء المعرض، ذلك منذ العام 2008، وبرز خاصة التساؤل حول ماهية الكتاب الذي فتح الباب واسعاً أمام موضوعات متشعبة تتعلق بمستقبل الكتاب التقليدي والمنافسة الحالية بينه وبين الكتاب الإلكتروني.

كما دارت النقاشات ومساقات البحث حول محور أنه في الوقت الحالي يصعب الوصول إلى تصنيف وحيد واضح للكتاب: فهل هو الكتاب التقليدي بصفحاته الورقية وغلافه أو الكتاب السمعي أو الكتاب الالكتروني الذي يمكن تصفحه من خلال «كايندل»؟

وكان لافتاً اعتناء المعرض في تخصيص حلقات نقاشية وندوات بحث ودرس متنوعين، بغرض تقليب جوانب الموضوع، والتعمق في دراسته بموازاة قضية تطور صناعة الكتاب. ومع إثارة هذا النقاش، تشكلت نقاط عامة بين المنتدين.

وفي عموم رؤى وتوجهات المعرض، انعكست بدورها على العاملين في القطاع، مفادها وجوهرها، أن عالم النشر يتطور أكثر في تجاه توزيع المحتوى. إذ أصبح الشكل ثانوياً، وهكذا وضح تحوّل الناشرين إلى مزودين للمحتوى. ولم يعد ينصب اهتمامهم على الطباعة فقط.

محاور نقاشية

يعتني "نيويورك للكتاب"، بتأصيل رؤى البحث والنقاش حول شتى القضايا الفكرية وشؤون النشر والثقافة في العالم. وبرز في سياق توجهه هذا، تركيزه، خلال السنوات القليلة الماضية، على تخصيص ندوات متكاملة لبحث موضوعة الكتاب الرقمي، الذي بات الرائج حالياً، إذ تسمح القراءة الالكترونية بتوفير مضمون الكتاب العادي بسعر أدنى.

ولا يتطلب الأمر طباعة كتب أو نقلها وتخزينها. ويحاول المعرض، إيجاد صيغ توفيقية ملائمة للقاء والناشرين، وكذا للكتاب التقليدي المطبوع، في هذا الصدد. ويبدو أنه غدا يركز أكثر على ذلك، في ضوء معطيات الإحصاءات الأخيرة في الحقل، إذ تبين أن حركة النشر الراهنة تراجعت إلى مستويات متدنية. وعلى هذا الأساس، لا يتوقف "نيويورك للكتاب"، عن تشكيل مساقات بحثية معمقة، وجديدة، تركز على استخلاص الحلول إزاء التساؤل التالي:

«كيف يمكن تسعير المنتج الجديد؟ كيف نحمي حقوق المؤلف؟». وكذا كيف بإمكاننا تحضير «كتاب المستقبل»، بدءاً من محتواه وصولاً إلى عرضه إلكترونياً. ولكن المعرض لا ينفك يخلص إلى مقررات وتوصيات، تشجع الناشرين وتشد من عضدهم، مؤكداً أن تطور الرقمي لا يعني اندثار الكتاب التقليدي.

فهناك على الدوام، قراء يحبذون، بل يفضلون، الكتب الورقية. إلا أن القائمين على المعرض، يحثون المتخصصين بالنشر على التسلح بأجندة عمل ملائمة في عملية المواجهة مع الكتاب الالكتروني. إذ لا بد من تغييب الكتاب باهظ الثمن، تماماً، والحرص على إصدار كتب بأدنى كلفة، لأن مطالعة كتاب الكتروني فكرة لا تروق للجميع.

وهكذا، يبدو أن تلك الأطر والمناخات العلمية الفكرية التشجيعية التي يعمد المعرض إلى تبنيها بوجهة منهجية، بدأت تؤتي أكلها، فتترجم عمليا ضمن أشكال المشاركات. إذ يلاحظ رخص الأسعار في الكتب المطبوعة، في كافة أجنحته، ولدى جميع الناشرين المشاركين.

أجواء الاتفاقات

أقيم معرض الكتب في نيويورك أو ما يسمى "بوك إكسبو أميركا" في لوس أنجلوس لأول مرة في عام 2008، ومن ثم أصبح ينظم، في نيويورك في السنوات اللاحقة. ويرمز إلى هذا المعرض بالحروف التالية: (بي. ايه. أي. ). ويصنف على أنه الأوسع الذي يُقام سنوياً في الولايات المتحدة، ويحضره نحو أكثر من 30 ألف زائر و 1300 ناشر.

إذ يلتقي القراء والمؤلفون بالناشرين، ضمنه، في كل عام. وهكذا يجتمع جميع أطراف وأصحاب المهنة، كما تحضر فيه، بقوة، الوكالات الأدبية التي تقوم بعملية البحث عن الناشرين لكتب المؤلفين. وهناك ناشرون من كافة الدول، يفدون إليه بغرض البحث عن ناشرين أجانب من أجل تسويق كتبهم والعمل على ترجمتها إلى اللغات الأخرى.

كما توجد المكتبات المحلية الباحثة عن شراء الكتب لغرض تخزينها وتصريفها في ما بعد. وتسود المعرض، على الدوام، أجواء من الاتفاقات التجارية والأعمال. إذ يجتمع رجال الأعمال المتخصصون في قطاع النشر والكتاب، وتوقع العقود. وهذه العملية تخدم آلاف الناس الذين يبحثون عن تحقيق أهدافهم ودعم نشاطاتهم وأعمالهم. فكل الأشخاص الذين من الصعب ملاقاتهم خارج إطار المعرض، يمكن مقابلتهم في مناسبات دوراته، ومن ثم التحدث إليهم.

نيويورك.. مهد دور النشر

يحتوي المعرض على ما تسمى "مجموعة استراتيجية الكتاب". ومهمة هذه المجموعة، الترويج للكتاب والمؤلفين غير المكتشفين. إذ تعرض كتبهم وتطلق برامج دعاية خاصة بها، وذلك سواء على رفوف أجنحة المعرض أو على مواقع الانترنت. وتبحث هذه المجموعة عن المواهب الجديدة في ميدان الكتابة والإبداع في مدينة نيويورك، التي ينظر لها على أنها مهد دور النشر الأميركية.

والبارز هنا، أن هذه المجموعة، تستضيف سنوياً، في دورة المعرض، ستاً من دور النشر العريقة، وكذلك المكتبات النيويوركية. ومن أبرز النشاطات التي تنظمها (تزيد برامجها على 500 نشاط وفعالية في كل عام) تبرز فعاليات توقيع الكتب التي تصنف من بين النشاطات الرئيسية لديها، إذ يصبح الكتاب والأدباء والمثقفون خلالها، عبارة عن نجوم متألقين في المعرض.

وأما دور النشر العريقة التي تعتني بالانضواء في برامج فعاليات المجموعة، عبر الدورات المتعاقبة للمعرض، فمن أبرزها: هاربركولنز، هاشيت، ماكملين، راندوم هاوس، سيمون شوستر، وبوتنام، وبنغوين. وهذه المؤسسات، تمثل امبراطوريات متكاملة في عوالم النشر. وتوضح إحصاءات وبيانات مبيعات جميع هذه الدور، أنها تحقق في المعرض، أرقاماً خيالية في المبيعات، بفعل الاقبال النوعي فيه، على شراء الكتب، خاصة كونها منخفضة الأثمان.

مرجعية

يتضمن المعرض قسماً خاصاً بالمخطوطات القديمة التي من شأنها أن تعطي قيمة للكتب وتحقيقاتها. فهناك مخطوطات قديمة منذ بدايات الحضارات الإنسانية. وأخرى منذ نشوء الأديان، وذلك وصولاً إلى مطبوعات غوتنبرغ الشهيرة.

ثقافة واقتصاد

يمثل معرض نيويورك للكتاب حياة متكاملة على صعيد النشر والثقافة والفكر، وكما أنه يمثل درة اقتصادية كونه يمثل مكسبا اقتصاديا حيويا في المدينة. إذ يحقق أرقاماً كبيرة في المبيعات، ويلقى إقبالاً نوعياً، وهو ما يجعله مقرا احتفائيا ورافدا اقتصاديا يقوي السياحة في المدينة.

وتعج أرض المعرض في كل عام، بآلاف التظاهرات، والتي تمتد على رقعة تصل إلى 300 ألف قدم مربع، وهي عبارة عن صالة عملاقة تقسم الأجنحة فيها حسب حجوم دور النشر واتساعها، إضافة إلى الدور الصغيرة الحجم. كما يحتوي المعرض على بضائع لا علاقة لها بالكتاب، مثل الأشياء المتعلقة بالهدايا وبعض العطور والمقتنيات التقنية. وغيرها.

كذلك تسهم في المعرض مخازن الكتب التي تعتبر العصب الحيوي للكتاب. ومن بينها: سلسلة مخازن "بيرن ونوبل".. وهي من أكبر مستودعات الكتب في العالم، التي منها تنطلق عمليات التوزيع والبيع في العالم بأكمله، لمختلف أنواع الكتب التي تتدفق إلى أسواق ومكتبات ومدارس العالم. وتمتلك هذه المخازن فروعاً في كافة أنحاء نيويورك.

اتفاقات حقوق الملكية

يمثل معرض نيويورك للكتاب أهم المراكز التي تحدث فيها عمليات بيع وشراء حقوق النشر والملكية الفكرية، وغيرها من الأمور المتصلة بالمجال. كما يشتمل على برامج واتفاقات ترجمة الكتب والروايات أيضاً. ويحضر إليه، الوسطاء الذين تمثلهم الوكالات الأدبية التي تقوم بتقديم الكتّاب والمؤلفين إلى دور النشر، فتساعدهم بهذا على تخطي عقبات عديدة. إذ تختبر الوكالات تلك، مختلف المؤلفات الجديدة، وتزكيها لدى دور النشر المهتمة.

أجنحة للكتب القديمة وأعمال خيرية

يحتوي المعرض على أجنحة خاصة لباعة الكتب من كافة المستويات والتصنيفات ضمن مدينة نيويورك، الذين يقبلون عليه بأعداد غفيرة، وهو بمثابة فرصة لهم بالتفاعل مع أجوائه وفعالياته، التي يعتبرها المتخصصون مهرجانا فريدا من نوعه للاحتفاء بالكتاب. ولهؤلاء مشاركات وإسهامات مهمة في برامج المعرض، خاصة في مجال عرض الكتب القديمة.

والتي خصص لها المعرض أماكن محددة. كما توجد فيه أجنحة للكتب المستعملة التي تعرض في أروقة المعرض. وهي عادة يسير عليها المعرض في استضافة هذه الكتب، والتي تشكل جزءاً من الذاكرة، ولها جمهورها الخاص، حيث يأتي بعض الافراد للبحث عنها، خصيصا، في المعرض.

كما تصاحب عمليات بيع الكتب تظاهرة دعم الأعمال الخيرية وخاصة لدعم مرضى الايدز، ذلك من خلال استثمار ريع مبيعات بعض الكتب، إذ يجري التبرع به لهذا الغرض. كما يتفاعل معرض نيويورك للكتاب مع حياة المدينة ( نيويورك) لأنها تحتوي أكبر تجمع أدبي من كتّاب ومؤلفين وناشرين ونقاد، وغيرهم ممن يتصلون بعالم النشر. فعلى سبيل المثال، يتضمن المعرض أقساماً خاصة للأعمال الأدبية وللكتب الأكثر مبيعاً في العالم.
البيان

إضافة تعليق

3 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.