المناظرات الخيالية في أدب المشرق والمغرب والأندلس..

عنوان مغر يفتح أبواب حب الاطلاع على المثبت بين دفتيه.. المناظرات الخيالية في أدب المشرق والمغرب والأندلس..

وما أن نقرأ العنوان حتى نرى د. رغداء مارديني... قد قدمت دراسة منظمة ووافية تمتد منذ ماقبل الإسلام وحتى العصر الحديث..

 دراسة رصدت تطوراً عميقاً لتلك المناظرات الخيالية التي تختلف في جوهرها عن المناظرات الواقعية، والتي تتيح للقارئ فرصة التعرف على آلية التأثر والتأثير بين أدباء العصور بعضهم ببعض..

عرفت الباحثة المناظرة الواقعية وبينت تاريخ نشأتها. ولخصت معنى المناظرة في حقيقتها وهي تعني وجود اثنين يقومان بفعل المناظرة وهما يعتمدان على مكونات فكرية ومرجعيات ثقافية تختلف عن الآخر..

لذا قد تميل فيها كفة الميزان إلى أحد الطرفين دون آخر لما يحمله من أفكارتدحض أفكار صاحبه والهدف الاساسي من المناظرة هو إظهار الحق والصواب. ‏

لذا على المناظر تعلم قوانين المناظرة والالتزام بشروطها وقوانينها الأخلاقية بما يهذب النفس ويرتقي بالحديث والحوار. ‏

فالفرق كبير بين المناظرة والجدل.. فبين العقول بون بعيد وهناك نوع من الجدل لاطائل له. ‏

في المناظرة نهي عن التعصب والغضب.. وعلى المتناظرين التقيد بالتهذيب بعيداً عن السخرية والتجريح والالتزام ببناء المناظرة وطريقة الحوار المعتمد على اسلوب الإقناع والبراهين والابتعاد عن الجدال قطعياً وأن تكون الحقيقة هي الغاية والهدف النهائي في المناظرة التي على الجميع التسليم بها... والإذعان لنتائجها. ‏

إذاً.. فالحجة والبرهان هما الركنان الاساسيان في المناظرة وهي تأتي قبل استخدام القوة. التي تتصدر الفعل أما المناظرات الخيالية فقد نمت وتطورت مع حركة الترجمة من الفارسية والهندية واليونانية.. ولاسيما في عهد المأمون.

فقد كان الازدهار في هذا الميدان يعد صورة نشيطة عن حركة الترجمة. وذلك من خلال إنشاء دار الحكمة، التي كانت من أهم مراكز الثقافة. وكان المأمون من أكبر انصار المعتزلة.. الذين يعتمد مذهبهم على تمجيد العقل والاعتزاز بحرية التفكير.. هذا إضافة إلى ما قام به هارون الرشيد ومن قبله الخليفة المنصور بنقل المادة العلمية والفلسفية اليونانية إلى اللسان العربي. التي وجد فيها المعتزلة ـ والمتكلمون عموماً ـ عوناً لهم في الدفاع عن مبادئهم وهم الذين كانوا من أشد المتحمسين للدين والدفاع عنه. ‏

وكان فن المناظرة الاسلوب الأرقى الذي يخدم الأطراف في إيصال أفكارهم.. وقد برع في هذا المجال كل من أبي الهذيل العلاف ـ أبي اسحق النظام ـ والجاحظ وتعددت حوادث المناظرات وتطورت في بعض الأحوال حتى بلغت حداً شديداً من الحدة. أوصلت إلى الاحتكام إلى القضاة والمحاكمة.

وفي مسألة المناظرات الخيالية قال د. اليافي: إن الإدراك بالخيال تعرية للأمور الحسية في مادتها التي تقع تحت الحس، وجعلها ذات شغوف فكري. مصقولة كالمرآة الصافية.. وعندئذ تتضح معاني الأمور والحوادث وتتجلى دلالاتها ما هياتها في هذه النظرة المشتبكة الروحية. ‏

فالخيال لاينشئ تركيبات غير حقيقية، وإنما يظهر المعاني المختبئة في الأشياء، فعمله عمل التأويل يعمد إلى إخفاء الظاهر وإظهار الباطن، ويمس بكيميائية الأمور المحسوسة ويجعلها رموزاً روحية فكرية، فالخيال ملكة الرمز، وعالم الرمز واسع.. هو عالم الإنسان وعالم الطبيعة وعالم الفكر..

ولذا يتصل بالأمور النفسية والاجتماعية والطبيعية والفنية والسياسية وغيرها. ‏ فالمناظرة الخيالية تقوم في محورها وأساسها على اصطناع مناظرة من خيال المؤلف بإضفاء التشخيص على المتناظرين ذكر الباحثون والنقاد أن المناظرات دخلت عصراً جديداً مع الجاحظ(ت 255هـ) في العصر العباسي الأول..، ‏ حين صاغ مناظراته المتخيلة على ألسنة الحيوانات المتخاصمة وأراد منها إبراز ذلك الصراع الخفي والعميق بين العرب والأعاجم..

وعدت المناظرة التي أجراها بين الكلب والديك من أطول المناظرات المخترعة. وكان التراث الشرقي القديم حاضراً بشكل جلي في كل ماقيل من رموز وحكايات ومناظرات أقامها الأدباء على ألسنة الحيوانات وغيرها، وتتحدث عن الحياة بأساليب تبدو خرافية وأسطورية.. ولكنها تحمل أبعاداً وإسقاطات واقعية. ‏

وهنا نستطيع أن نقول: إن جذور المناظرات الخيالية بدت ضاربة في أعماق التاريخ.. ومن هنا ندرك تأثر الأدباء بعضهم ببعض. ‏

فالجاحظ صاغ محاورته بين أهل الحرف في منتصف القرن الثاني للهجرة. وابن مكناس المصري صاغ محاوراته بين أهل الحرف في القرن السابع للهجرة.. مستخدماً تقريباً الاسلوب نفسه عند الجاحظ. ‏

رسائل سهل بن هارون.. كانت نوعاً من المناظرات الخيالية وذكرت الباحثة ما وضع على لسان النمر.. والذي يعد رسالة واقعية تاريخية.

كانت الرسائل المتخيلة صورة لجانب من لغة التخاطب السياسي فيه. ‏

لم تغفل. د. رغداء مارديني عن إمكانية نشوء المناظرات الخيالية في العصر السومري والبابلي.. مؤكدة رأيها بما قدمه د. عبد الغفار المكاوي في كتابه«جذور الاستبداد» وهذا ما أكدته أيضاً ألواح سومر والتي قدمت سبع مناظرات تعتمد على الحوار القائم في الطبيعة. ‏

وكانت تلك المناظرات تعتمد على مقدمة اسطورية ومنها ينتقل الأديب إلى المناظرة. ‏ وكان لهذه المناظرة دور اجتماعي وسياسي في حياة تلك الشعوب القديمة.

وألقت الأضواء على التراث الشرقي القديم.. الذي كان جلياً على ألسنة الحيوانات أو الأشياء أو مظاهر الطبيعة. ‏

وفي الدراسة تلقي الباحثة الأضواء على نقطة هامة وهي تأثر الأدباء بعضهم ببعض.. واختارت موضوعاً هاماً ممتداً عبر التاريخ، ويظهر التأثر الواضح بين القديم والحديث، رغم مرور القرون الطويلة، وكأن الماضي يعيد نفسه بصورة جديدة، وهذا ما أدى إلى التداخل الفني بين الرسالة والمناظرة والمحاورة وحتى المقالة ما قد يعد خلطاً يعزى إلى انعدام تصور نظري واضح ومحدد. ‏

أما أدباء اليمن،، فقد قدموا مناظرات خيالية مكتملة الأركان. وقد تأثر هؤلاء بمقامات السيوطي التي يستطيع فيها الأديب أن ينتقد مسائل اجتماعية تتعلق بالإصلاح و النقد السياسي..

وهكذا كانت تلك المناظرات مرآة عاكسة لحياة الشعوب وعاداتهم وتقاليدهم ومجتمعاتهم فيها، وكثيراً ما خلط أدباء اليمن بين الرسالة والمقامة والمفاخرة والمناظرة رغم تقديمهم مناظرات مكتملة الأركان كما أسلفنا من قبل. ‏

في بعض الأحيان وصلت المناظرات الفكرية إلى ضروب من التسلية واستعراض الثقافة. في مراحل متأخرة صار هذا الفن أشبه بالعبثية المستحكمة وبذلك غابت الغايات الاساسية التي قام عليها و أصبح نوعاً من الترف اللغوي في كثير من الأحيان. ‏

إن أهمية المناظرات الخيالية برزت في المسرح الذي يعبر عن الحياة نفسها، ويعكس ما فيها من أحداث. ومن جهة أخرى فإن الأدباء الأندلسيين تأثروا بماقدمه الجاحظ وسهل بن هارون وبما قدمه المشارقة وأضافوا جزئيات. وحاولوا التجديد في اختيار الموضوعات. ‏

وقد لعب ابن حزم في الاندلس دوراً هاماً وأظهر أن مآثر الاندلسيين لم تخلد في كتاب هام ثم عدد فضائل الأندلس من الناحية الدينية والفلكية والعلمية وقد برع الاندلسيون في المناظرة والمفاخرة بين البلدان وكمثال على ذلك ما قدمه ـ أبو بحر صفوان، ومناظراته بين مدن الاندلس. ‏

من الصعوبة بمكان الإلمام بما قدمته الباحثة.. فالمواضيع كثيرة.. والاسماء عديدة. وليس لنا إلا الرجوع إلى هذا المصدر، إذا ماأردنا الوقوف على حال الأدب في تلك الأيام البعيدة.. التي كان فيها الأدباء متفرغين للمناظرات.. وللبحث عن مواضيع لم تعد مطروقة في زمننا الحالي.

ففي الفصل الثالث من دراستها قدمت للقارئ أنواع المناظرات الخيالية وهي: 

ـ مناظرات بين أنواع الأسلحة وغيرها ‏

ـ مناظرات بين البلدان والأمكنة والمباني ‏

ـ مناظرات بين أنواع النبات

ـ مناظرات بين الحيوانات ‏

ـ مناظرات بين الأشياء ‏

ـ مناظرات بين مظاهر الكون

ـ مناظرات بين العلوم ‏

ـ مناظرات مختلفة ‏

وأجمل هذه المناظرات مادار بين السيف والقلم.. القوة القاطعة والحكمة الصائبة.. ثم عقد المصالحة بينهما... لأن كل واحد منهما يكمل الآخر، فالدول تبقى وترقى مادام ثمة تضافر بين رجال السيف وأرباب القلم. ‏

ولن يتحقق العدل بينهما إلا بانسجامهما معاً. ‏

وأخيراً وليس آخراً أقول: إن د. رغداء مارديني اختارت موضوعا هاماً وجديدا.. وقدمته عبر فصول متتابعة تشكل فيما بينها وحدة موضوعية هي التي أعطت ذلك النسق في ترتيب البحث وتبويبه. ‏

وقدمت الباحثة أبرز أعلام المناظرات الخيالية في المشرق والمغرب والاندلس. ‏

ثم أنهت البحث بوضع قائمة شاملة للمصادر والمراجع ثم تلخيصاً للبحث باللغات: الروسية الاسبانية الفرنسية والانجليزية. ‏ 

 دمشق
صحيفة تشرين

تشرين الثقافي

الثلاثاء 17 شباط 2009

وصال سمير

إضافة تعليق

9 + 10 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.