مزاج الطين

نحت في جسد اللغة , وانتصار لموسيقى الشكل

ليس ثمة شك في أن سؤالا محيرا بل ربما عديدا من التساؤلات لابد أن تمثل أمامنا حين نطالع (مزاج الطين) للكاتب عبد الحميد الطائي حول تلك العلاقه التي تربط الشكل والمتن والعنوان من حيث القصدية التي تتكئ على فلسفه تدفع صاحبها لتوطيد علاقة تستحضر تفاعلا كيميائيا في محصلتها بديلا عن تلك النتائج الجبرية التي تنفصل لبناتها بعضها عن البعض ..

( فمزاج الطين) يدفعك - إذن - كمسمى رغما عنك إلى التأمل عبر فلسفة النحت حين يستهل النحات خطواته الأولى مشكلا بصلصاله جسدا / شكلا يحتل فراغا يثير جدلا إبداعيا في سماء التلقي سيما حين يحمل هذا الجسد / الشكل بلغة التداعي الإبداعي . والاشتباك مع فلسفة الجمال وهي نفس الإشكالية التي فطر عليها الإنسان الأول حين شكله الله من صلصال من حمـأ مسنون ..

فاختيار شكل الكتابة / العنوان (مزاج الطين) بهذا النوع من الكتابة يشير دونما فجاجة الى علاقة جمالية بين حروف تستطيل، وتستدير، وتعلن عن ذاتها باستقامة نحو فضاء يصفق لوجودها بلون بارد محايد. ثم يرق فتهمس بنهايات دقيقة تتلاشى في صمت يخلق مساحة لصوت جديد عبر حرف جديد يعيد موسيقى التشكيل لكينونتها وتتصل تلك العلاقات / الحروف معا لتشكل في النهاية نسقا جماليا بلون الصلصال وكأنها منحوتة حروفية تمثل الكتابة / الشكل حفرا نافرا كأوداج منتفخة في رقبة رجل مغتاظ، متكئا على قاعدة قوامها أربعة مربعات تخرجها النقاط والتشكيل والألف اللينة جميعها عن هندسيتها الذهنية إلي جمالياتها البصرية ليشكلا معا (مزاج الطين - وقاعدتة التشكيلية) مفهوما لتعميق المدلول البصري، فهل يحدد لون الغلاف وتقنية طباعته طريقا محدد المعنى والحروف يدفعنا الكاتب للمشي فيه إلى أن نصل قلب حواس حروفه...، ربما.. ولتأكيد تلك اللغة المنتقاة في الشكل اعتمد مخرج الكتاب نفس الشكل / العنوان في صفحته الاولى بلونه الرمادي دون الأسود المعتاد كأنه يصب في الجسد الصلصالي/ الطيني كل المتناقضات ابيض/اسود - اللون / ومكمله .. جميعها تلك التي يخرج الرمادي من رحمها ليكون الرمادي معادلا لكل تناقصات الذات البشرية، تلك التي يشير إليها عبد الحميد الطائي بأهمية وضعها في الاعتبار حين نعمل حسابات العظة"..

والخروج من هذا الشكل / العنوان إلى الولوج بين صفحات / متن الكتاب كان  متسقا اتساقا كاملا من حيث الشكل وعلاقة السواد بالبياض وما تحدثه الجملة النثرية المتدفقة / الفلسفية القصيرة بشكلها العمودي الذي يشكل خطا رأسيا وهميا من خلال مقاطعه يحدث معه اتزانا كتلياً  خط رأسي تشكل في الناحية الأخرى يحمل رقم الصفحة داخل مربع يعلو ، ويتكئ على قاعدة أساسها عنوان الفصل ، مما يحدث اتزانا تشكيلا يرتقي بالشكل البصري للكتابة ويتسق مع ماهية تلك الكتابة التي خرجت بفلسفة جديدة عبر النوعية التي اختار لها الطائي (حرف الميم) مفتتحا او (عمادا) يجلب معه بقية الحروف بترتيبها ليبث فيها من روحه فلسفته التراكمية المتأنية تلك التي تمتزج بوعي متجذر بلغة بحرها لا ينضب وحروف معانيها في حراك دائم.

ولا استطيع إغفال إهداء شخصي لطيف من الكاتب انطلاقاً من انتفاء العبثية في كل محتويات الكتاب من الغلاف للغلاف ، والإهداء مكون من لفظين مشتقين من نص قرآني ، بتأويل لهما ينصرف - كما يوضح سياق الآية الكريمة - لهداية المولود الذي يمتلك حواسا دون حروف اثر ولادته إلى مصدر غذائه وطمأنينته.. ارتقيت نجدا لأحصل على صورة بانورامية تجمع كل هذا وتجيب على تساؤل : الى أين - يا عبد الحميد الطائي - تريد ان تصحبنا هذه المرة ، وبعض من مذاق (لاتح) مازال عالقا بالحلق؟

ها أنت تخلص اللغة من أثقالها متكئاً على وعي دورها كونه لا يختصر في الإشارة إلى المعنى. فهو الذي يقول ان للحرف العربي غاية تلقين وإيصال لمعنى مبين ولتلاقي الحروف في لغتنا معنى يحمل الحاسة لمفهوم الجملة لدى المتلقي من بدئها إلى ختامها وربما بهذا المفهوم الذي يطرحه الطائي يكون الاشتباك أو التماس مع المفهوم الذي طرحه نوفاليس (1798) في مقولته المهمة (يجب الاندهاش من هذا الخطأ الفادح الذي يرتكبه الناس في الوقت الذي يعتقدون فيه أنهم يتكلمون باسم الأشياء، ان خاصية اللغة هي بالتحديد ان لا تهتم إلا بنفسها ، فاذا كان الطائي يقول في معرض حديثه عن كتابه السابق (لاتح) ان (لا) قد تحمل طابع (الوصاية) و(النهي) لا خلاف أنها تحمل طابع (الوصايا) و(النصح)، لكن نأخد بها أو نتناساها، فإنه في (مزاج الطين) يشكل التقاء الحروف روحا (لحواس التشريع) - وربما للوقوف على إجابة ليست بالضرورة قاطعة عن سؤال فعل عواقب الزلات البشرية او تجاربها الوجدانية كونها مصدرا للتشريع الإنساني ام إضافة جديدة لفعل المثاقفة بين الوجدان البشري ، واطروحات المشرع!!..

إنه يعلن بوضوح لا ريب فيه أهمية اعتبار (الطين البشري) في حسابات العظة - كما سبق الاشارة - والأهمية هنا لا تعني بالضرورة كونه مستقبلا للسؤال الحياتي ولكنه قبل كل شيء فاعل في نتاج كيميائية التاريخ الوجداني.

* محروقة أهداب عين تسامر الجمر!!..

* ملغم دروب الحفاة ... يتاجر بأطرافهم!..

* مشتعل في ردوده ، يحترق فمه !!..

* مزاج البحر ، مالح في مده و جزره ... غدار في هيجانه !!..

* مذابح التاريخ ... عار قديم!..

الطائي إذن ليس معني بكتابة الشعر القصيدة .. لكنه مهموم بعصير وجدان آلت المسافة بينه وبين ذاكرة العقل والضمير وثقافة الذهن إلى الصفر، فصار الوجدان ، وذاكرة الضمير وثقافة الذهن جميعهم ينبوعا لمخزون ثقافي شامل.. يحرك في النفس إحساسا بحكمة يسكنها الشعر، وتدثرها فلسفة الضمير ، ويشعل أطرافها روح آمنت بالخلود، ووعي بمفردات لغة وأوزان صرفية متميزة خدمت المعنى، سيما حين برع الطائي في استخدامه إضافة اسم الفاعل والمفعول لمعمولهما ترسيخا للزمن الذي يأتي نتيجة الإضافة فحرك في الذات حكمة لا تعقيد فيها .. فضلا عن نبذات اللغة المختارة من بطون المعاجم والتي أضفت للكتابة جمالا وبريقاً وجعلتها أكثر مصداقية مع الهدف المنشود.

فعن سحر الحروف في لغة الضاد يصعب الحديث بمعزل عن أنابيش هذه الكتابة ومعرفة معانيها كما تحدثت بها العرب ، ولم يعكر صفو هذه الكتابة سوى تلك الهنات القليلة التي خرجت رغما عن الطائي باعتبارها أخطاء (مطبعية).

على سبيل المثال : ص/55 (مخلصك مَنْ( يقصد ) مِن)ص/85 (مستجير بأغبياءٍ) يقصد ( بأغبياءَ)ص/203 (مزاج التراب صريح ترويه تستريح ، تجافيه يتشقق..

ـ الواجب (تروه) (تسرتح)  (تجافه) إعمالا للشرط المقدر.

تلك إذن شائبة طباعية لا يمكنها ان تسلب القارئ شهوة الاستمتاع بكتابة مغايرة في الشكل والدلالة والمضمون .

إنها الكتابة التي تجعلنا نرقص على أطراف أصابعنا من الدهشة والمفارقة ، ونسكر دونما عبثٍ بفعل جزالة الحرف الذي يبحث برقة وجنون عن وليف يشعل معه دلالات مغايرة!!..

* مع كسير جناح حلّق ثوان ... فوقع !!..

* مرشد الروح .... داخلُك !..

* مذاق السلطة الفجائية ... تآمري!!..

* مخفر تأوي إليه لحبس أفكارك طوعاً تحرسه أنت بالضرورة!..

ها هو (مزاج الطين) عصير من الحكمة الشاعرة يخلصها الطائي من اثقال النثر / المقال  ، وغيبوبة الشعر الضال في البرية..ليؤكد مقولته الدقيقة..مرسم المحترفين .. يتجنبه المشبوه!!..

 ـــــــــــــــــــــــــــــ 

شوقي حافظ *

نشر في صحيفة الوطن العمانية   14/4

إضافة تعليق

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.
18 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.