المجتمع المدني والدولة

كيف فهم الفلاسفة والمفكرون الدولة والمجتمع المدني والديموقراطية؟ ولماذا أصبحت سيادة الدولة مهددة في ظل العولمة؟. وما هو دور المجتمع المدني ومنظماته في بناء الدولة ودعمها، أو تقويضها وإضعافها؟. وهل يعد الضعف في مؤسسات الدولة من مصلحة المجتمع؟ أم هل يعد تراجع دور المجتمع المدني من مصلحة الدولة؟ وكيف يتحقق التوازن بين قوى المجتمع المدني والمؤسسات الديموقراطية، لتشكيل دولة قوية؟.
هذه الأسئلة وغيرها طرحها وحاول الإجابة عنها الدكتور سهيل عروسي في كتابه الجديد «المجتمع المدني والدولة» الصادر عن دار الفكر بدمشق.
ينطلق الباحث في كتابه من أن المجتمع العربي مازال يعيش مرحلة ما قبل الدولة الوطنية، أي ما قبل المجتمع المدني. وهذا أدى برأيه إلى انتشار العديد من الهويات المتعارضة، بالماهية والوجود الوطنيين مع الهوية العلم، وغير القادرة بطبيعة تكوينها على تلمس الآفاق الرحبة للقرن الحادي والعشرين. وبالإضافة إلى ذلك, فقد تشكل فهم خاص بالمجتمع المدني يرى أنه معارض للدولة، ويريد الانقضاض على السلطة واستلابها، لذا نظرت السلطة السياسية إلى دعاة المجتمع المدني بالشك، ظناً منها أنهم يسعون للهيمنة على السلطة وإضعافها. وبدا الأمر وكأن هناك معركة صامتة وأحياناً علنية تدور بين دعاة المجتمع المدني ودعاة حماة السلطة (الدولة)، وقد تعزز منطق الدولة عندما قام بعض دعاة المجتمع المدني باستثمار هذا المصطلح سياسياً، حيث وجدوا فيه وسيلة لتحقيق أهداف مرتبطة ببرامج خارجية، دون أن تقوم جماعات المجتمع المدني بكشفهم وتعريتهم وفضح أهدافهم غير الوطنية، ما جعل الدولة تتعامل مع الجميع من موقع الريبة. ومع ازدياد المشاريع الخارجية التي تستهدف المنطقة بكثافة ودون انقطاع، والهادفة في المآل والنتيجة إلى إضعاف السلطة العربية وتمكين إسرائيل، بحيث تبدو الأخيرة من ركائز التاريخ والجغرافيا، وليس من هوامشهما في هذه المنطقة الهامة من العالم. ومع ازدياد هذه المشاريع كان هاجس الدولة العربية يتسع، والرصد يتعمق. ويرى عروسي أن المجتمع المدني والدولة ليسا ضدين متنافرين، فالمجتمع المدني يكون قوياً في الدولة القوية، وليس من مصلحة أي دولة أن يكون ذلك المجتمع ضعيفاً، لأن الدولة الرخوة سرطان في المجتمع سيلتهم عاجلاً أم آجلاً الدولة والمجتمع معاً. كما أن المجتمع المدني والدولة ليسا ثنائية تضاف إلى سلسلة الثنائيات التي أرهقت الفكر العربي مثل ثنائيات: الأصالة والمعاصرة، العروبة والإسلام، المثقف والمجتمع، القديم والجديد، الدين والدولة، الوطن والأمة، وغيرها. فالذين يعملون من أجل زيادة عدد الثنائيات في الساحة الفكرية العربية إنما يعملون على زيادة مساحة التوتر وتوسيع الفتق على حساب الرتق، والفواصل على حساب الأواصر. ويوضح المؤلف أن المسألة ليست فيمن يحكم: الدولة أم المجتمع المدني، أو من يحمل من، فالمعادلة ليست: دولة أقل مجتمع أكثر، في مواجهة دولة أكثر مجتمع أقل، وإنما دولة أقوى، مجتمع أقوى. وهو يدعو إلى دولة قوية بالمعنى القانوني للقوة، وليس بالمعنى العنفي غير المنظم وغير المشرّع، ويرى أن الدولة القوية بهذا المعنى هي الضمانة الحقيقية لحياة رعاياها وأموالهم وحقوقهم. ويرى عروسي أن الدولة تتعرض في ظل العولمة لهجوم غير مسبوق يستهدف وجودها ويرمي إلى إضعاف سيادتها، ولذلك يسعى العديد من الدول لتدارك هذا الأمر بوسائل عدة. فقد بات معروفاً أن الضحية الأولى للعولمة هي الدولة التي أصبحت في ظل الثورة التقانية دولة منقوصة السيادة بالمعنى التقني. فالدول جميعاً أصبحت تحت رحمة الأقمار الصناعية التي تجوب الفضاء وتراقب ليس تحركات الجيوش فحسب، بل والإنسان في أنشطته اليومية المختلفة، وهذا يقتضي ليس الوقوف بوجه الدولة، بل الوقوف معها وشد أزرها. ويستعرض المؤلف تطور الفكر السياسي من خلال معالجته لمصطلحي الدولة والمجتمع المدني وعلاقتهما بالديموقراطية من خلال آراء العديد من الفلاسفة والمفكرين. ويبين أن الجميع يتفق على وجود الدولة القوية، لكنهم يختلفون في شكل تنظيم تلك القوة. وقد حاول توضيح ما يدل عليه مفهوم المجتمع المدني، وما علق به من تشويش وضبابية في الفهم عند دخوله المجتمع العربي. الديموقراطية وخصائص الشعوب ولما كانت الديموقراطية هي المجال السياسي الذي تجري فيه الفعاليات الثقافية والاجتماعية فقد خصص المؤلف في كتابه بحثاً خاصاً بالديموقراطية والمؤسسات، وبين كيف تجري فيها الممارسات الديموقراطية والقوانين والتشريعات الملحقة بها، مما لا يمكن للدولة أن تقوم دونها. ورأى أن الانطلاق من مقولة أن الديموقراطية مفهوم تاريخي تتنوع بتنوع الثقافات يؤكد ضرورة التماهي بين الديموقراطية وخصائص الشعوب، فالشكل الليبرالي للديموقراطية ليس هو الأرقى والأكثر ديمومة، فهذا الشكل نتاج لفكر لا يتطابق بالضرورة مع التشكيلات الاجتماعية والثقافية والسياسية لدول العالم الثالث.
فشعوب هذه الدول تستطيع أن تنتج ديموقراطيتها المعبرة عن ماهيتها في الهوية والشخصية التاريخية، وهذا يطرح على مفكري هذه الدول ضرورة صياغة برنامج فكري تنفيذي واضح، يخلو من العناوين الكبيرة، ويتجه إلى التفاصيل الصغيرة الملموسة، فالقوة بمعناها الحضاري تكمن في التفاصيل والعمل الدؤوب. وفي سبيل إزالة الارتباط الوهمي بين الديموقراطية والشورى التي يرى البعض أنها المقابل الإسلامي للديموقراطية أفرد عروسي فصلاً خاصاً، لفك الارتباط بين المصطلحين، محاولاً أن يحرر كل مصطلح من الأفكار والأوهام التي علقت به عبر التاريخ.
فرأى أن إحدى معضلات الفكر العربي الإسلامي هي انشغاله في توليد مصطلحات مقاربة لتلك التي ينتجها الغرب ومدارسه الفكرية واللغوية، ومحاولته الدؤوبة لإيجاد مقابل عربي أو إسلامي لكل مصطلح، وهي محاولات تبوء بالفشل.
? الكتاب: المجتمع المدني والدولة ? المؤلف: الدكتور سهيل عروسي ? الناشر: دار الفكر ـ دمشق
عمار أبو عابد
نشر في جريدة الاتحاد الاماراتية
7/5/2009

إضافة تعليق