مزاج الطين...فج جديد في حواس الحرف

تساءل أمامي غير واحد عن الجديد الذي يمكن أن يضيفه الكاتب عبدالحميد الطائي في "مزاج الطين" بعد إصداره الأول "لاتح" ضمن سلسلة "حواس حروف" التي ينوي الكاتب استكمالها، فكانت اجابتي أن متابعة صفحته الأسبوعية "رؤية" في "الوطن" يمكن ان تقدم الإجابة بوضوح.
فالكاتب لا يقدم الحرف جامداً من خلال توظيفه المعتاد في القراءة التي تعودناها، ولا يصيغ الجمل التي تؤدي بالضرورة إلى نتيجة حتمية نعرف نهايتها مسبقاً، بل يتعدى مفهوم الحرف عنده إلى ما هو أعمق وأعم وأشمل، حيث استنطاقه والتعامل معه ككائن تسكنه روح تضيء أركان السطور يبصرها حتى فاقد القدرة على الإبصار، ولا اعني الأعمى هنا، وإنما أقصد من فقد بوصلة الاتجاهات ليضيع وراء عتمة الأسمنت وأعمدة الحضارة المشوهة.
ورغم ما يعتري بعض القراء لما قدمه الكاتب حتى الآن من سلسلته "حواس حروف" من بساطة وقرب من المعنى، إلا انها تظل عميقة لدى البعض الآخر وعصية على الاقتراب من تفسيرات سطحية قد تُظهرها الحروف في الوهلة القرائية الأولى، ورغم الاقتراب من الحدث الآني الذي يُظهر صحفية الكاتب واقترابه من مستجدات العالم، إلا ان رؤيته واستشرافه الذي يقدمه يحمل الكثير من الدلالات العميقة التي يمكن ان تصمد في وجه كل المتغيرات، كما يمكن استعمالها في مواقع وأزمنة مختلفة.
في "مزاج الطين" يقدم عبدالحميد الطائي "حواس التشريع" بعد أن قدم "حواس النهي" في اصداره السابق كما يقول في مقدمة الكتاب.. ومن هنا فنحن أمام توظيف جديد لحواس الحروف يختلف عن سلفه، ويقدم اطروحات مغايرة تتلاعب مع المادة المعقدة/ الطين، وما يتبعها من استحضارات فلسفية تقودنا إلى أصل البشري، هذا الكائن الذي تنكر ولا يزال يتنكر لأصله في الكثير من الأحيان، لمزاجية يخضع لها مجبراً ومكرهاً دون أن يعلم انها من اختياره، فيفرضها وصاية على مجايليه بل وحتى خلفه من بعده. جدلية الطين جدلية طويلة ومعقدة وعويصة، ورغم تسليمنا بأنها أصلنا كبشر، تبقى مسألة تكوينها لباقي الكائنات الحية مسألة نقاش وجدال يطول ويتشعب ويأخذ مناح عدة، ومن هنا نجدنا أمام أول التساؤلات التي يوقعنا فيها الكاتب باختياره، لنسعى جاهدين في سبر أغوار العنوان، وما يرمي اليه الكاتب، فهو لو اختار كلمة "مزاج" فقط دون ان يتبعها بكلمة "الطين" لكان وقعه أقل من هذا العنوان، ولأن الكاتب يسعى في طرحه إلى استنهاض كوامن عميقة في حواس الحرف، فهو يتقصد ـ كما يبدو ـ في استنهاض التساؤلات في دواخلنا وتحريضها على الثوران.
اقتراب الغلاف من لون الطين الفاتح ومطابقة العنوان للون الطين الغامق يخلق تساؤلاً آخر عن سبب وضع اللون الغامق في قلب اللون الفاتح، وكأنه الصراع الأزلي بين الألوان البشرية في التسيد والظهور.. طغيان اللون الفاتح واضح، ولكن توسط الغامق يجعله أكثر لفتاً للأنظار، وفي الداخل نقف طويلاً أمام الإهداء "من سلم تأصيل طينه.. عرف الفطرة" ثم يتبعها بآية كريمة "رب ارحمهما كما ربياني صغيرا".
من مقدمة الكتاب نقتبس هذه العبارة التي يقول فيها الكاتب:
"الطفرة في البناء الخرساني حجرت قلوباً، وعقولا، همها تقنين منهجها بإدخاله كعنصر في معادلة البناء الفكري للإنسان"..
ويظهر هنا جلياً مدى قرب الكاتب من الحدث وقراءته لمستجدات ومتغيرات العالم من حولنا، أو لنقل تظهر "صحفيته" بوضوح وهو شيء يستعصي في اعتقادي على الكاتب الخروج منه في جل ما كتب.
فيما يختتم الكتاب بعبارة: (حواس التشريع: "وصايا" خالدة استبدلت بمزاج بشري يسمى "الوصاية") وهي جملة تحنيها الدلالات حتى لتبدو مقوسة بما حُمّلت، ففي هذه العبارة يختزل الكاتب اصداراً كاملاً يمكن ان تقوم عليه.
وتحتضن هاتان العبارتان مادة الكتاب التي تتروّس بثلاثين عنواناً يفتتحها جميعاً بحرف الـ"ميم" بكل دلالاته البلاغية اضافة إلى الأبعاد التي يضفيها الكاتب عليه من خلال لعبته المتواصلة مع الحروف.. بعض العناوين قد تشكل كلمة مألوفة لدينا، ولكننا نجدها وقد تحورت إلى معاني اخرى ووظائف جديدة يصوغها الكاتب، فيما نجد عناوين اخرى غاية في الغرابة نكتشف لاحقاً انها صارت جملاً تحمل من المعاني والحكم ما غفلنا عن تكوينه سابقاً.
ففي باب (مث) ـ على سبيل المثال ـ نجد هذه الكلمة وقد تحولت إلى جمل تناقش قضايا شائكة وتشاكس أفكاراً شديدة التعقيد وتفتح أبواباً للتساؤل والنبش.. "مُثَبِّتُ الصَّادِرِ، والوارِدِ.. مُعَمِّمٌ".. نجد هنا تلاعب بالمصطلحات الاقتصادية لمناقشة موضوع يتهيأ لنا انه اقتصادي لو أنهى الكاتب عبارته بـ"مأمم" ولكنه قدم جملة يمكن ان تأخذ أبعاداً وتأويلات كثيرة ، ويمكنها أن تعزف على أكثر من وتر لتفسيرها وقراءة مبتغاها.
ميمية "مزاج الطين" وإن تشابهت شكلاً مع "حواس حروف" عبدالحميد ،إلا انها تشق فجاً جديداً نسلك دهاليزه ومنعرجاته لتأخذنا الى عالم "التشريع" حيث الوصاية تُحدِث الفوضى باسم "الوصايا" ، وتسعى الى تكريس مبادئها ومفاهيمها دون أن تعبأ بكل الحقوق التي تستوجبها "الوصايا" في شكلها النقي.. "مُحدِثُ الضَّوضاءِ.. يَتَحيَّنُ تعميمَها جَهراً ، لِتُشرَّعَ الفوضى عليكْ".
إلا ان الاصدار لا يخرج من لعبة الحروف التي ترتكز عليها سلسلة حواس حروف الكاتب، والتي يسعى من خلالها إلى إيجاد حالة ابداعية عميقة للحرف تتعدى حدود التراكيب المتعارف عليها في سعي منه الى صنع وابتكار لغة خاصة تجسدها الحروف، ليبرهن لنا بأنها مكون يدخل في أدق مكونات الحياة في الوقت الذي نجدها مكونة لأكثر تركيباتها تعقيداً.. بحر الحرف لا ينضب لذا فإن الغرف منه سيبقى ما بقي الحرف، إلا ان عبدالحميد يغرف لنا بطريقته التي تقدم شكلاً جديداً وقالباً حديثاً يؤسس لمشاريع إبداعية قادمة قد تخرج عن اطار سلسلة الكاتب في يوم ما لتشكل ظاهرة مستقلة بذاتها.
من ناحية اخرى قد يتراءى للبعض ان ما يكتبه عبدالحميد الطائي هو سلسلة من الحكم يركبها حسب اختياراته الحروفية، إلا ان المتعمق بشكل اكبر في تفاصيل الجمل والتراكيب يجدها تحمل دلالات أبعد مما نتوقعها ، يكفي انها تقع في مكان شائك بين الشعر والنثر والحكمة والاستشراف والوعظ، لدرجة تكسبها ألقاً مختلفاً عمّا تعودنا وجوده في الأشكال والقوالب التقليدية يأخذنا فيه الكاتب إلى فضاءات شاسعة من التساؤل والبحث والتقصي، والاستدراك أيضاً.
اللافت في الاصدار ان "الألف" مفتتح الحروف تغيب من قاموس الكتاب وتختفي تماماً حيث يبدأ الكاتب اصداره بـ"مب" وينهيه بـ"مي"، ثم يعود إلى "الزاي" من جديد ليختتم اصداره بـ"مزاج الطين" وهو العنوان الذي استله من هذا النص ليضعه عنواناً عاماً للكتاب.. وفي هذه المحطة تحديداً يكشف الكاتب عن شعرية رقيقة وإن حاول مداراتها فهي تتجلى هنا وهناك، حيث تطغى على مجمل ما يكتب لنعود إلى نفس الفخ السابق والذي تساءلنا عنه في "لاتح" أول اصدارات سلسلة "حواس حروف": هل ما يكتبه عبدالحميد الطائي هو شعر؟.. أم انه شعر على طريقته؟..
تبقى التساؤلات مفتوحة، وتبقى اجابتها عسيرة، حتى ولو حاول الكاتب القول ان ما يكتبه هو في متناول الجميع.
سالم الرحبي
" الوطن" العمانية 12/05/2009

إضافة تعليق