اليوم العاشر

اليوم هو الأخير في معرض الكتاب الثاني والعشرين .. عشنا مع أيامه لحظات ممتعة تجلت في ما اقتنيناه من كتب مهمة ومفيدة وممتعة في ان معا..
والاهتمام الواضح في الكتاب الإسلامي في هذا المعرض ، كما في المعارض السابقة، يطرح سؤالا حول
حدود المكتبة الإسلامية ؟ وما اذا كان الكتاب الإسلامي يخلق حالة صدام مع الثقافة السائدة ؟
عن هذه التساؤلات يجيبنا الأستاذ عدنان سالم صاحب ومؤسس دار الفكر ، ونائب رئيس اتحاد الناشرين العرب.
س) حض الإسلام على القراءة وطلب العلم والقراءة طريق رئيسي لطلب العلم , هل ترى في واقع العالم الإسلامي ما يؤكد نزعة الجمهور الإسلامي نحو القراءة ؟ وإذا كان الجواب بالنفي الى ماذا تعزي ذلك ؟
ج ) لم تكن أولوية القراءة في الخطاب الإلهي من قبيل المصادفة , إنما هو قانون الخبير العليم : " اقرأ " لكي تبني حضارة , واستجاب المسلمون الأوائل لهذا النداء الإلهي , فقرأوا واستوعبوا ونقلوا إليهم علوم الدنيا , وصهروها وعالجوها وأعادوا إنتاجها مطبوعة بشخصيتهم , مصبوغة بفكرهم ومبادئهم , فشادوا بأقصر زمن ,أسرع وقت أعظم حضارة في التاريخ البشري , واستقر هذا النداء في ضمير المسلم , حتى أنه ليعد القراءة وطلب العلم فريضة وواجبا دينيا يؤجر عليه , ويأثم لتركه ,وانخرط كل مسلم في حلقة من حلقات العلم , لا يتخلف عن ذلك تاجر أو صانع أو عامل , أو حاكم أو محكوم . ووفر له التشريع الإلهي كل ما يتطلبه المناخ الفكري من دعوة آلي نبذ التقليد للأباء والرهبان وللسادة الكبراء , وحض على أعمال العقل , ومواصلة الفكر والتدبر والنظر , وحث على حرية الفكر والرأي والتعبير , ونهي فريد عن الإكراه في الدين أو المعتقد , وإعلاء من شأن الاختلاف والتعدد , نعمة أنعم الله بها على عباده , ووسيلة من وسائل النماء والتطور والارتقاء وتوليد الأفكار .
ثم أتى على المسلم حين من الدهر , وأدركه ما أدرك الأمم السالفة من طول الأمد وقسوة القلب , وخبا في ضميره ذلك الوقود الذي كان يؤجج الشعلة , فتحنت أفكاره , وتجمد عطاؤه , وانكفئ على تراث الأجداد يستجديه حلول مشكلاته ,ويستعطفه للرد على تساؤلاته , فيهزأ منه الأجداد : النور في يديك ولا تبصر , والدليل عندك ولا تهتدي , والكنوز أمامك ولا تنتفع بها ! كم أنت وارث سفيه وكسول ! تنتظر وحي السماء وقد انقطع الوحي عند خاتم الرسل , رضيت لنفسك مقام الشحاذ المتسول . ونسيت قول الله تعالى : " وإن ليس للإنسان إلا ما سعى , وإن سعيه سوف يرى , ثم يجزاه الجزاء الأوفى " ( سورة النجم ) .
لم لا تنفض عن عينيك غبار النوم ؟! لم لا تشمر عن ساعد الجد ؟ لم لا تطلق عقلك من أسار التقليد والتجميد ؟! ألست تعلم أن السمع والبصر والفؤاد أنعم سيسألك الله على تعطيلها ؟! ألست تعلم أن تكديس العلوم والمعارف من هنا وهناك , لن ينفعك مالم تنظر فيها , وتستخدم عقلك في تحليلها وتركيبها , وتسهم في إعادة إنتاجها ؟! وان مثلك _ إن لم تفعل _ سيكون " كمثل الحمار يحمل أسفارا " كما يصفهم القرآن .
س) ما هي حدود المكتبة الإسلامية . أي كتب تراها تندرج في هذا الإطار؟
ج) لكل مقام مقال , ولكل جيل إسهامه في بناء المكتبة الإسلامية , والجيل الذي لا يضيف لبنة إلى هذا البناء , لاقيمة له , وجدير بأن يتجاوزه التاريخ على جيل معطاء .. وتراث الفكر الإسلامي , لم يتكون عند جيل واحد , ولم يتوقف ولم يكف عن العطاء , ولم يتردد جيل من أجيال المسلمين عن إمعان النظر في تراث أسلافه , وتهذيبه , وحذف ما فات أوانه منه , وابراز مناقبه , ونقد مثالبه , وتحليله , والإضافة إليه .. ولم يعمد جيل من أجيال المسلمين إلى تحنيط فكر الأجداد , والطواف حوله تقديسا وإجلالا . هل لهذا الجيل الذي يعيش اليوم عصر المعلومات وثورة الاتصالات أن يقوم بدور فعال في تنمية الفكر الإسلامي , ورفع بنائه في موازاة الأبنية المعرفية الإنسانية التي تناطح السحاب ؟! أم أنه سيكتفي بدور المحنط الكل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير ؟!
س) كتبت ذات مرة عن " أزمة الإبداع " كيف تنظر إلى الإبداع في موضوع الكتاب الإسلامي ؟ وما هي جوانب الضعف في الكتاب الإسلامي ؟
ج) الخطاب الإسلامي اليوم خطاب تاريخي , يستخدم (كان ) ومشتقاتها أكثر مما يستخدم ( سوف ) وصيغ الاستقبال الأخرى في تعابيره , كما يستعمل مصطلحات الماضي في مكاييله وموازينه ومعاييره ونماذجه , ولم يكن الخطاب القرآني كذلك يوم تنزل , ولا أراد له الحق أن يتحنط ويكف عن العطاء بعج عصر التنزيل , فلقد وصفه رسول الله (ص) بأنه " لا تنقضي عجائبه , ولا يخلق من كثرة الرد ", أي أنه لا يبلى مهما كررت الأجيال تلاوته , لأنه ولود يحمل في أحشائه أجنة لم ترى النور بعد , وهي العجائب التي لا تنقضي , ولا تكف عن رفد الإنسانية بكل جديد مثير لعجبها ودهشتها , وإنارة ظلماتها ’ وحل مشكلاتها المتجددة . ولقد استخدم الخطاب القرآني قصص الأمم الغابرة للاعتبار بها واستنباط القوانين الاجتماعية منها , وترك لنا أن نقيس عليها , وننم حياتنا حسب قوانينها .. وفتح لنا أبواب الأمل مشرعة كلما استفدنا من هذه القوانين وطبقناها . ولقد تنزل القرآن العظيم على الناس بفكر جديد , يقلب حياة الناس رأسا على عقب , وينهي عن المحافظة على القديم تقليدا للأباء , ويدعو إلى التغيير والتجدد , ويحذر من السكون وطول الأمد , فالحياة ماضية بلا توقف , والعلم بحر لا ساحل له " ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله " , " وقل ربي زدني علما " .
س) إلى أي مدى يمكن القول بأن الكتاب " التعبوي _ الدعاوى " الإسلامي ولا سيما السياسي , يشكل جزءا من المكتبة الإسلامية ؟
ج) أدبيات الفكر الإسلامي المعاصر مقتصرة على العلوم الدينية وما يتفرع عنها من تفسير وحديث وفقه وسيرة وتراجم , ولا تستخدم من فنون التعبير غير المقالة , وقلما تحيد عنه إلى الشعر والقصة والرواية والمسرحية , على الرغم من أن تراثنا العربي الإسلامي زاخر بكتب الأدب والشعر . وإذا كانت وسائل الإعلام الحديثة قد أصبحت الأداة الكبرى لتشكيل الرأي العام , وتوجيه المجتمعات , فإن القصة والرواية والمسرح تعد من لوازمها الرئيسية لتقديم برامجها ومسلسلاتها الهادفة أو الترفيهية .والمكتبة الإسلامية المعاصرة تفتقر إلى النص الأدبي بكل فنونه , لكي تتمكن من الإسهام في مجال الإعلام , وما لم تتدارك هذا النقص , فسيظل الخطاب الإسلامي مقتصرا على منابر الوعظ , مكللا بجفاف النصوص , بعيدا عن تعدد الأساليب , وتنوع الألوان الأدبية التي تتطلبها وسائل الإعلام للتأثير على الناس وجذب انتباههم .
|
![]() |
|
![]() |
|
![]() |
|
![]() |
|
![]() |
|
![]() |
|
![]() |
|
![]() |
|
![]() |










إضافة تعليق