نساء في تاريخ دمشق

ضمن مهرجان دمشق الثاني عشر للثقافة والتراث أقيم، في صالة المحاضرات في المركز الثقافي العربي بالمزة، ندوة بعنوان «نساء في تاريخ دمشق» شارك فيها كل من الباحثات: حنان اللحام، هدايت سالم، سحر مهايني. وأدارها د ـ نزار أباظة، وذلك يوم الاثنين 5/9/2005.

شهيرات في تاريخ دمشق

دخلت الباحثة هدايت سالم الى تاريخ دمشق لتعثر فيه على مرادها من أسماء نساء كن محط أنظار المجتمع في ذلك الزمن. فذكرت أن ابن عساكر ترجم في تاريخه للشهيرات من الدمشقيات ومن اللواتي وردن دمشق، فذكر من اشتهرت منهن بالفصاحة أو الفضل والعلم ومن اشتهرن بالجمال والحسن، وأورد في مسرد نساء في تاريخ دمشقأسماء مشايخه بضعاً وثمانين شيخة ومعلمة، تاريخها جزء من نسيج التاريخ العام للأمة وليس معزولاً عنها؛ فهي بنت عصرها وبيئتها.

وفي تتبع الباحثة لأخبار الدمشقيات رأت مساحة الحرية الواسعة التي تمتعت بها المرأة في تلك القرون السالفة، فالأخبار المعروضة بأسانيدها تُرينا أن المرأة خالطت الرجال وذلك في مجالس العلم ومنتديات الفكر والأدب. ومن الأسماء المهمة: زينب بنت مكي فقد كان الطلبة يزدحمون على بابها في سفح جبل قاسيون ليسمعوا عنها الكتب والأجزاء التي ترويها، وقد تتلمذ العالم الشهير الحافظ الذهبي على عدد من محدثات دمشق، إذ أحصي له من خلال معاجم شيوخه أكثر من ست وتسعين محدثة دمشقية روى عنهن.

وتذكر /سالم/ أنه أعجبها في المصادر التي تحدثت عن بيوتات العلم الدمشقية أنها عند ذكر علماء كل بيت من الرجال، تذكر نساءه العالمات أيضاً؛ تذكر أسماءهن وأسماء من تلقى العلم والحديث عنهن.. وقد يذكر البيت وتشتهر العائلة باسم المحدثة كما ورد في ترجمة المحدثة كريمة بنت عبد الوهاب الزبيرية الدمشقية التي عرفت أسرتها بها، وكان أحد تلاميذها الحافظ جمال الدين المعروف بابن الصابوني. نساء في تاريخ دمشق

وكانت امرأة جليلة طويلة الروح على الطلبة لاتمل من الرواية. ومن الشهيرات أيضاً ست الوزراء بنت عمر بن أسعد بن المنجا الدمشقية التي يعرف أبوها ـ على علمه وفضله ـ بها فيقال عنه هو والد المحدثة الكبيرة ست الوزراء، وتعد من أكثر عالمات القرن الثامن تحديثاً بصحيح البخاري، وصفت بأنها مسندة الوقت الحسيبة الفاضلة، المعمرة، الصالحة التي كانت رحلة زمانها.

ارتحلت في طلب العلم وتبليغه ورحل إليها من الأقطار كلها.. كما ذكرت الباحثة بعضاً من سيرة فاطمة بنت محمد، أم الحسن الدمشقية، مسندة الدنيا، وعرجت على بعض صفات المفتية الفقيهة عائشة الباعونية.

وفي مجال التصوف شرحت شيئاً عن فاطمة النقشبندية.

ومن القصص الطريفة لإحدى المتصوفات وهي فاطمة الدمشقية أنها دخلت على أبي الحسن المكي وهو يحدث في جامع دمشق الكبير فاستمعت إليه ثم قالت يا أبا الحسن تكلمت فأحسنت فهل تحسن أن تسكت؟.. فسكت أبو الحسن ولم يتكلم بعد ذلك.

وفي ختام المحاضرة تحدثت لتذكرنا بالسيدة نازك العابد التي ولدت في دمشق عام 1887 ولقبت بجان دارك العربية، حيث جمعت المجد من أطرافه في الكفاح ومحاربة الاستعمار وبث النهضة النسائية، وكانت فريدة في الوطنية والحماسة لكل مشروع فيه نفع للوطن... وشهدت معركة ميسلون مع البطل يوسف العظمة مقاتلة مع الجنود، وعندما سقط بطل ميسلون شهيداً بين يديها حاولت اسعافه دون جدوى، أسست مدرسة بنات الشهداء العربية وتولت إدارتها وشاركت في تأسيس فرع الصليب الأحمر الدولي في سورية باسم النجمة الحمراء الذي تحول فيما بعد الى جمعية الهلال الأحمر.

سيدات دمشق

وتحدثت السيدة حنان اللحام في محاضرتها التي حملت عنوان «سيدات دمشق» عن عدة شخصيات نسائية كان لهن دور مهم على الصعيد الاجتماعي والثقافي.. ومن هذه الأسماء ليلى سعيد وأختها سعدية حيث بدأتا بالحديث مع بعض نساء دمشق بأفكار تحمل روحاً جديدة مستوحاة من أبحاث مالك بن نبي وجودت سعيد. نساء في تاريخ دمشق

وكانت ليلى سعيد امرأة رائدة، راقية تعرف ماتريد وتعرف كيف تحقق ماتريد. وأثمرت جهودها عن ندوة نسائية فكرية متنقلة بين البيوت ولم تنقض بضع سنوات حتى فتحت المساجد أبوابها لتلك الندوات.

لقد كانت ليلى تؤسس لصناعة نساء النهضة في دمشق وتحريرهن من الاستكانة لمن يحاول ردهن الى حياة الحريم الخاوية من أي معنى لكرامة الإنسان.

وكانت تردد على مسامعهن الآمال التي تعلمتها من أخيها جودت سعيد بإحياء مواقف المرأة المؤمنة من أمثال خديجة وسمية وأسماء وفاطمة بنت الخطاب.. وعرجت اللحام بحديثها على السيدة هالة ماتوق التي كانت برعماً يتفتح في ندوات ليلى سعيد وأصبحت زوجة للأستاذ جودت سعيد تتلقى منه العلم وتدعمه وخلفت ليلى بعد سفرها في مساعدته بتسجيل أفكاره وإخراج المزيد من كتبه، كانت معلمة للأطفال تزرع في نفوسهم العزة والخير وحب العلم وترفع عنهم أساليب العنف والإكراه وكانت لها ندوات إحداها مع الفتيات اللواتي تابعن طريق النمو والنضج بمساعدتها، كانت هالة مثالاً رائعاً للالتزام والهدوء والصبر والعطاء.

أما السيدة «حكمت أياسو» فتصفها اللحام بأنها شخصية مميزة جمعت بين الجمال والأناقة والأدب واللطف والتدين الواعي والتطلع الدائم للتعلم والارتقاء.

سخرت ما تملك من النعم والمواهب لنشر الخير، وكانت تقدم الكتب الفكرية كهدايا وعليها عبارة: «هدية الأفكار أغلى وأثمن من هدية الأشياء».

للشهرة وجه آخر

انشغلت السيدة سحر مهايني بتفاصيل اجتماعية تتعلق بالأسرة السورية ودفء الأمومة الذي أنتج إبداعاً وروابط سرية اجتماعية، ميّزتنا روحياً عن غيرنا. والجدات بالنسبة لها هن اللواتي التفت أجسادهن بالملاءة السوداء؛ تلك الملاءة لم تكن تخفي وراءها صورة للمرأة المقهورة المكبوتة والمحرومة، بل كانت تخفي بين طياتها أقراص الخبز والسلاح إلى الثوار، إلى الأبناء والأزواج الذين كانوا يقارعون الفرنسي الغازي في الغوطة وداريا في الميدان وفي الشاغور. نساء في تاريخ دمشق

مهايني تحدثت عن جيل من النساء ولد في الخمسينيات من القرن الماضي عاش التعدد الفكري والسياسي، وتقول: «تلميذات صغيرات، لم يتجاوزن بعد الثامنة من العمر، عرفن معنى التعددية الفكرية في دفاع كل واحدة منهن عن وجهة نظر أهلها مخالفة أو موافقة.. كل صغيرة كبرت، وكبرت الصغيرات، كبرنا في خضم تيارات عدة، التيار الاشتراكي الوحدوي، القومي، الماركسي، الديني الغربي التحرري، وبين مفهوم الحرية والتحرر كنا صبايا نختلف، نتصادم ولا نفترق، فقد ورثنا رغم اختلاف قناعاتنا وتباين مواقفنا ما يبقي مودتنا ويحفظ روابطنا..

وفي معرض دفاعها عن الروابط الأسرية وعلاقة الدين بها تورد حواراً بينها وبين ماثيو المبعوث للعالم الغربي في وكالة الإعلام الأمريكية والذي التقته عام 1996 تقول فيه: «أذكر حماستي واندفاعي في الحديث عن تعاليم ديننا الحنيف وأثره في تشكيل وتوطيد روابطنا الأسرية والاجتماعية وما أن بدأت أطلق العنان لصوتي مفاخرة ببر الوالدين، وصلة الأرحام، ودستور الإخاء في الإسلام، حتى قاطعني ماثيو بنظرة تحمل الكثير من الاستخفاف بأقوالي وأجابني ببرود: «ولكنني عندما كنت في مصر وجدت أن الأبناء في زحمة المواصلات وبُعد المسافات يكتفون بالتواصل مع أهليهم عبر الهاتف، بل إن كثيراً منهم قال إنه لا يجد المتسع من الوقت لزيارة أبويه إلا في نهاية الأسبوع».

وبدورنا نعتقد أن ملاحظة ماثيو هذه تستحق التفكير طويلاً. فالذي حدث في مجتمعنا السوري على الصعيد الاجتماعي كثير وتغييرات عديدة لا بد من الوقوف عندها ودراستها لأن هوية أي مجتمع هي دائمة التحول والتغير وثوابتها ليست سكونية.

ندوة «نساء في تاريخ دمشق»، استطاعت مناقشة وملامسة الكثير من الأفكار الاجتماعية والثقافية الهامة، لكنها عموماً بقيت في إطار التوصيف واستذكار الماضي ولم تدخل إطلاقاً في إطار التحليل والنقد وتوجيه الرؤية نحو الحاضر والمستقبل.

هذا العنوان الذي اقترحته د.مريم الدرع مديرة المركز الثقافي يستحق أكثر من ندوة ويمكن عبره ملامسة الكثير من الرؤى التي تمثل كامل أطياف المجتمع الفكرية

صحيفة تشرين

ثقافة وفنون

الثلاثاء 13 أيلول 2005

مصطفى علوش

 

إضافة تعليق

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.
2 + 1 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.