أبيجرامات الطائي .. مزاج الطين وإعادة اكتشاف الحياة

لماذا هذا التدفق الذي يبدو أنه لا يريد أن يتوقف, أولا لاتح (الذي يقع في حوالي مئة وأربعين صفحة) والآن مزاج الطين (الذي صدر مطلع هذا العام ويقع في أكثر من مئتي صفحة) والبقية آتية, كما قال الكاتب عبد الحميد الطائي في مقدمة الديوان الأول (إنها ليست أسئلة.. بل حروف بحواس في سلسلة.)

 وثبته في الغلاف الأخير الداخلي لكلا العملين. أعتقد أن الحجم مهم وتلك هي إحدى الرسائل التي يبعثها الطائي من خلال حواس حروفه التي ربما ستصل إلى عدة مئات من الصفحات وفي أجزاء لم يعلن عن رقمها بعد (أنا أعتقد أن الطائي وعندما سيصل إلى الجزء الأخير سينسى انه الأخير, وسيكتشف انه غير قادر على التوقف, تماما مثلما اكتشف الشاعر الأميركي ولت ويتمان أن أوراق عشبه قد افلت من يديه ليبدأ الديوان, الذي كان في البداية بضع قصائد فقط, في التضخم كما يفعل العشب تماما ويصل إلى مئات عديدة من الصفحات). إن الطائي وكما يبدو ليس معنيا في خلق عالم جديد, لكنه منغمس بكل جوارحه وأحاسيسه في كشف العالم الذي نعيشه. وهو يفعل ذلك من خلال تشظية تجربته أولا ثم يعيد عرض تلك الأجزاء أو الشظايا في شريط طويل ومتواصل. 

إن التأثير الذي تحدثه هذه العملية يشبه إلى حد بعيد مشاهدة فيلم على شاشة التلفزيون فيه الكثير من التوقفات بحيث إن المشاهد لا يستطيع التركيز على فكرة واحدة لأكثر من عدة ثوان, إلا أن الفيلم مليء بالأحداث والوقائع والحقائق المثيرة والمقلقة لا نستطيع معها إلا أن نتابع الفيلم. إن لاتح ومزاج الطين كبيرا الحجم, إلا أن فيهما الكثير من الإغراء ومن التجريب الشعري الذي يجب أن يقرأ, ولغتهما صافية وصريحة وفيها تفاصيل كثيرة وهي أي التفاصيل تضيف كثيرا إلى تجربة الكتابين العاطفية والفكرية. إن مخيلة الطائي تعمل بشكل سريع, وهي في الواقع أسرع من أن يلحق بها النقد. إلا أن الملفت للنظر أن تجربة المؤلف سرعان ما تصبح ملكا للقارئ بسبب حميميتها وتلك الحميمية قادرة وبسرعة على تحويل الغريب إلى مألوف وهذا حسب ما أعتقد غاية جميع الكتاب. إن القوى التي تتحرك في مزاج الطين كثيرة ومتنوعة وهي ترفض الخضوع لخطة واضحة المعالم سوى تصميم المؤلف على الاستمرار, أو ما أسماه الفيلسوف نيتشه الافتقار إلى القدرة على النسيان. إن مزاج الطين متسق البناء, أجزاؤه عبارة عن شظايا تناثرت بشكل هندسي منتظم يرفض التغير إلا في طول قصائده التي تراوحت بين تسعة إلى خمسة وأربعين ابيجرام ثنائي أو ثلاثي الأبيات. وبسبب هذا الانساق ضاع التميز وبسبب غياب الأسبقيات ضاع التوكيد. وهذا الأسلوب قد يبقي الباب مفتوحا أمام التكرار بالرغم من أن التكرار هو شكل من أشكال الإبداع لأنه يتطلب سيطرة ذهنية عالية جدا وأيضا أنه يخص البعض منا (مقاطع التكرار / تخص الغافل) والتكرار (يعلم وينفع الحمار).  بصفة عامة يتضمن الطين الذي يشكل الرمز المركزي في مزاج الطين معاني عديدة, فهو مرتبط بالخليقة الأولى (لا شك في أن المادة الأولية التي خلق الله عَزَّ وجَلَّ منها النوع الإنساني و كوَّنه منها هي الطين، فأبونا النبي آدم (عليه السَّلام ) خُلق من مادة الطين، وبذلك تشهد آيات قرآنية كثيرة، منها:? هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ ? ? وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ ? ? الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ ? ? فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَم مَّنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لَّازِبٍ ?? إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ ? ? قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ). ويرتبط الطين أيضا بالنفس الحضاري الابتدائي, حيث عمد الإنسان في القديم إلى استخدام الطين لتخليد نفسه وأعماله, مثلا كان الفراعنة متطورين علميا (التحنيط, على سبيل المثال) لكنهم اختاروا الطين لبناء الأهرامات. قال تعالى ? فأوقد لي يا هامان على الطين ? وفي ذلك إشارة إلى الأهرامات. والطين مرتبط أيضا بالطفولة حيث إن الطين سبب للبهجة والسعادة قبل أن يكون رمزا للحضارة, فأي من أعمار سني اللعب لم تكن تسعى نحو الطين لكي تختمر بسحر خيالات النفس العائمة في رغبات الطفولة؟ ومن منا لم ينتش فرحا وهو يتسلم دمى لعب صنعتها له من الطين يد حنون؟ أي أن الطين, المادة الأزلية, تلتقي عند ضفافها طفولتنا الشخصية مع الطفولة الإنسانية, ويبدو ذلك واضحا عند النحاتين. إن الطين خالد والزمن خالد أيضا وكذلك الحق والعدل, إلا أن الإنسان متحول المزاج " طين عقله عاند صلاحه فاستوحى قوانينه من عصارة وقته" فضاع القلب وتجوف الرشد وأصبح الإنسان أسيرا لزمن "لا تتغير سننه أبدا. لقد حجرت المادة (الطفرة) قلب الإنسان وعقله لأنها دخلت وبقوة معادلة البناء الفكري للإنسان, فتحول ذلك الإنسان إلى الحلقة الأضعف في تلك المعادلة بالرغم من أنه هو من ابتدعها, والسبب هو نسيان الإنسان لأصله. يقول عبد الحميد الطائي في إهدائه: من سلم تأصيل طينه....عرف الفطرة.و في قصيدة مزاج الطين خاتمة الكتاب والتي حمل الكتاب عنوانها:من نقي طينه محمود الطباع. جاءت التشريعات (أو هكذا نفترض ) لتضمن للإنسان الحق والعدل وبالتالي فهي تسمو به. إلا أن تلك التشريعات (ونحن نتحدث عن الوضعية منها) وضعت لمعالجة زلات الإنسان, أي مجرد ردود أفعال لخلل, وبما أن الخلل هو جزء من ذلك الإنسان, ستبقى التشريعات تعاقبه إلى الأبد. كيف الخلاص من هذه العقوبة الأزلية؟ طرح الشاعر الرومانسي شيلي حلا للعالم, عندما قال إن الشاعر هو المشرع غير الرسمي للعالم. أما الطائي فهو يطالب بالعدل والعودة إلى يقين الطين الطاهر.   سأركز في مقالتي هذه علي أسلوب مزاج الطين (وينطبق الأمر إلى حد بعيد على لاتح أيضا) الذي يشبه إلى حد بعيد ما يعرف بالأوابد أو الأبيجرامات. عرفت الموسوعة البريطانية الأبيجرام بالقول " إنها كتابة تصلح للنحت على اثر أو تمثال..... وقد أصبح الاسم يطلق ويطبق على كل بيت قصير ومليء بالمعاني خاصة إذا كان قوياً وذا معنى معين ويشير إلى مبدأ معيـن". تعد قصيدة الابيجرام في الشعر العربي الحديث من القصائد المهمة التي يجمع فيها الشاعر عن طريق التكثيف والإيجاز قضايا الإنسان المعاصر، فهي تعد نوعاً أدبياً قائماً بذاته له سماته ومعاييره الفنية.  ومن ثم فإن الابيجرام نوع ادبي يقف نداً جانب الأنواع الأدبية الأخرى فقد كتبه الشعراء اليونانيون والرومان ومن بعدهم الأوروبيون أمثال جون دون وألكسندر بوب والكاتب الاميركي مارك توين. وكان الابيجرام في بداية أمره عند اليونانيين مجرد نقوش تُسَجَّل على القبور والتماثيل والنصب وغيرها، ثم حولها الرومان فيما بعد إلى فن أدبي يقوم، بالدرجة الأولى، على التركيز والانتهاء بلسعة هجائية بارعة. وأقرب وصف لها ما جاء في "ابيجرام" شهير يشبه هذا الشكل بالنحلة: ذات جسم رشيق دقيق جميل، لكن في ذيلها لسعة حادة. إلا أن الابيجرام وكغيره من الفنون تعرض للتطور والتغير إلى أن أَمْسَىْ فنًّا أدبيًّا ذا سمات مميّزة. بعدما ادخل عليه مزاولوه من التحوير ما يلائم ظروفهم وأذواقهم. فعلى سبيل المثال يمكن أن تكون الابيجرام نثرا أو شعرا، ويمكن أن تقوم المفارقة فيها مقام النهاية المفحشة، ويمكن أن يطول عدد الأبيات، خاصة في الشعر، عن ستة كما جاء في النصوص اليونانية الأولى، كما أنه ليس من الضروري أن تكون الابيجرام أبياتا أو سطورا مستقلة من البداية، بل يمكن أن تكون جزءا من نص شعري أو نثري أكبر نقتطعه نحن فيصبح نصًّا مستقلا حينئذ، وهو ما يصدق على بعض ابيجرامات أوسكار وايلد ومارك توين مثلا كما هو معروف وكما جاء أيضا في مقدمة الدكتور عز الدين إسماعيل لديوانه: "دمعة للأسى.. دمعة للفرح".حتى الابيجرامات اليونانية الأولى لم تكن حكرا على الهجاء أو التهكم, إنما تعدى الأمر ليصل إلى الغزل والحكمة والنصيحة والنقد السياسي. ويعتبر الأديب طه حسين أول من تحدث عن الابيجرام بمفهومه الغربي في كتابه "جنة الشوك" الذي صدر في منتصف الأربعينات من القرن المنصرم، حلل فيها خصائص هذا الفن وتحدث عن تاريخه في الآداب الأوروبية قديما وحديثا، كما عرّج على السؤال الخاص بمدى معرفة العرب له، لينتهي إلى أنه كان موجودا عند بعض شعراء العصر العباسي مثل بشّار بن بُرْد وحمّاد عَجْرَد ومُطِيع بن إِيَاس وغيرهم، وإن لم يورد شيئا من الشواهد التي تعضِّد ما يقول مكتفيًا بتأكيده أنه كان موجودا في شعر ذلك العصر. وقد ذكر أن نشأة هذا الفن كانت نظما لا نثرا، كما تناول الخصائص التي تميّزه قائلا إن "الإبيجرام" شعر قصير يمتاز "بالتأنق الشديد في اختيار ألفاظه بحيث ترتفع عن الألفاظ المبتذَلة دون أن تبلغ رصانة اللفظ الذي يقصد إليه الشعراء الفحول في القصائد الكبرى، وإنما هو شيء بين ذلك لا يُبْتَذَل حتى يفهمه الناس جميعا فتزهد فيه الخاصة، ولا يرتفع حتى لا يفهمه إلا المثقفون الممتازون الذين يألفون لغة الفحول من الشعراء". وقال طه حسين إن المعنى في هذا الشعر هو أثر من آثار العقل والإرادة والقلب جميعا، علاوة على أن نهاية كل قطعة منه لا بد أن تكون "أشبه شيء بالنصل المرهف الدقيق ذي الطرف الضئيل الحاد"، فضلا عن "الحرية المطلقة" التي كثيرا ما ينتهجها ناظموه والتي يتجاوزون فيها "حدود المألوف من السنن والعادات والتقاليد"، إذ تدفعهم "إلى الإفحاش في اللفظ وإلى الإفحاش في المعنى". ويشدد أديبنا الكبير على شرط القِصَر في كتابة الإبيجرام مبينا أن الهدف من ذلك أن يكون هذا الفن "سريع الانتقال، يسير الحفظ، كثير الدوران على ألسنة الناس، يسير الاستجابة إذا دعاه المتحدث في بعض الحديث، أو الكاتب في بعض ما يكتب، أو المحاضر في بعض ما يحاضر، ثم ليكن مضحكا للسامعين والقارئين بما فيه من عناصر الخفة والحدة والمفاجأة، ثم ليكون بالغ الأثر آخر الأمر في نفوس الأفراد والجماعات". كما يلفت الأنظار إلى أن الشعر العربي القديم قد عرف هذا الفن، وإن كان قد قَصَره على تلك القصائد الساخرة التي نظمها بشّار بن بُرْد وحماد عَجْرَد ومُطِيع بن إِيَاس وأصحابهم في البصرة والكوفة وبغداد رغم عدم معرفتهم مصطلح "الإبيجرام" مع ذلك. لكن الشعر العربي وبحسب المواصفات التي جاء بها طه حسين للابيجرام مليء بالأمثلة خاصة عند الفرزدق والأعشى  والحطيئة وابن الرومي وجحظة البرمكي ولسان الدين بن الخطيب و ابن قادوس وابن عرام الأسواني والشاب الظريف وصفي الدين الحلي وإسماعيل صبري وجميل صدقي الزهاوي وحافظ إبراهيم وإبراهيم عبد القادر المازني وغيرهم .على أن الإبيجرامات لم تقتصر في أدبنا على الشعر وحده، بل تعدى الأمر إلى النثر أيضا, على سبيل المثال في "أخبار الحمقى والمغفلين" "أخبار النساء وكتاب "الأذكياء" لابن الجوزي وكتاب "أشعار أولاد الخلفاء وأخبارهم" للصولي وفي "معجم الأدباء" لياقوت الحموي وفي "أعتاب الكتّاب" لابن الآبار وفي "بدائع البدائه" لابن ظافر الأزدي ومن ذلك أيضا ما رد به الرافعي على الدكتور طه حسين حين وصف أسلوبه في "رسائل الأحزان" بقوله إن "كل جملة من جمل هذا الكتاب تبعث في نفسي شعورا قويا مؤلما بأن الكاتب يلدها وِلاَدَةً، وهو يقاسي في هذه الولادة ما تقاسيه الأم من آلام الوضع" فقد أتى رد الرافعي قويا على النحو التالي: "لقد كتبتُ "رسائل الأحزان" في ستة وعشرين يوما، فاكتب أنت مثلها في ستة وعشرين شهرا، وأنت فارغ لذلك العمل، وأنا مشغول بأعمال كثيرة لا تدع لي من النشاط ولا من الوقت إلا قليلا. هاأنذا أتحداك أن تأتي بمثلها أو بفصل من مثلها. وإن لم يكن الأمر عندك في هذا الأسلوب الشاق عليك إلا ولادة وآلاما من آلام الوضع كما تقول، فعلىَّ نفقات القابلة والطبيبة متى وَلَدْتَ بسلامة الله". ويوجد منها في أقوال جبران خليل جبران "قد يكون في استصعابنا الأمر أسهل السبل إليه"، "عجيب لمن يغسل وجهه مرات في النهار، ولا يغسل قلبه ولو مرة واحدة " ولميخائيل نعيمة: "درست القانون لأعرف كيف تُغْزَل الخيوط التي منها تُحَاك أكفان الحق والعدل"." وقال الكاتب السعودي محمد حسن با فقيه في جريدة "الرياض" أن صنيع طه حسين في "جنة الشوك" كان، فيما يبدو، بمثابة جملة اعتراضية لم تسبقها ولم تلحقها جملة شبيهة بها إلى أن أخرج د. عز الدين إسماعيل ديوانه: "دمعة للأسى.. دمعة للفرح" . إلا أن الكاتب السعودي أهمل, حسب ما نرى, تجربة العقاد الهامة في هذا المجال حيث إن له كتابا هاما هو"آخر كلمات العقاد"، وهو الكتاب الذي صدر بعد وفاته بقليل: أصدره ابن أخيه المرحوم عامر العقاد جامعًا فيه ما خلَّفه عمه وراءه من أقوال قد يقصر بعضها حتى تكون سطرا أو سطرين، وقد تطول حتى تصبح صفحة أو صفحتين مثلا كما جاء في مقدمة الكتاب:"فبعضها حِكَم، وبعضها الآخر مشروع لكتابة مقال أو تأليف كتاب". وقد سماها العقاد الصغير: "أوابد"، قائلا إن هذا اللون من الكتابة يتسع للمعاني الروحية ولواذع الوعظ والتبكيت ويتم باللباقة الفنية ورشاقة العبارة وسهولة الأداء. ثم موضحا في موضع آخر من المقدمة المذكورة أن "الصفحات التي في هذا الكتاب جميعا تفيض بأمثال من الأوابد والكلمات المأثورات التي تفاجئك وتَصْدُقك وتعجبك وتقول لك في كلمات ما لا يقال في صفحات. ومن محاسن هذه الأوابد أيضا أنها تكافئ قارئها على زيادة المشقة بزيادة الحقيقة وزيادة المتعة بالاهتداء إليها. فإذا كانت نكتة الآبدة خفية بعض الخفاء ولم تسفر عن وجهها لأول نظرة كما يقولون فذلك دليل على متعة أبقى وجمال أسمى". ثم يمضي الكاتب ذاكرا أن الكلمات الموجزة التي يُعْنَى بها تاريخ الآداب أنواع كثيرة لأنها، وإن تماثلت في الإيجاز، لا تدخل كلها تحت عنوان واحد: فقد تكون مثلا سائرا، وقد تكون حكمة، وقد تكون جوابا مسكتا، وقد تكون وصية، وقد تكون شعارا، وقد تكون خاطرة. كما قد تكون آبدة أو شاردة كما في كتاب العقاد الذي بين يدينا، وهي ما يسميه الأوروبيون باسم "الإبيجرام"، وليس لها في العربية مصطلح يدل عليها لأنها، كما يقول، تتوزع بين الأغراض التي سقناها آنفا على اختلافها. لذلك يقترح العقاد الصغير أن تسمَّى هذه الإبيجرام بــ"الآبدة"، إذ هي تجمع بين المعاني السالفة، ثم تزيد عليها بألوان من الجموح والتمرد والغرابة، وهذه الألوان هي من لوازم الإبيجرام كما يفهمها الغربيون بعد أن مرت بمراحل تطوراتها المختلفة منذ عهد الإغريق حسبما جاء في كلامه. "فالآبدة تشتمل على شيء من المفاجأة يصدم السامع للوهلة الأولى كأنه مناقضة لكل رأي أو حكمة معهودة، ثم يسكن إليها، فإذا هي حق لا غرابة فيه. وفي الآبدة شيء من التورية والملاغزة كأنها تعرض على السامع أُحْجِيّة للحل أو سؤالا للامتحان. وفيها لذع خفي أو ظاهر فلا تخل في أكثر صيغها من وخزةِ سَخَرٍ أو غمزةِ تبكيتٍ، وتتأخر فيها اللذعة إلى ختامها فتمرّ مأمونة سليمة إلى كلمتها الأخيرة، ثم يلتفت السامع إلى اللذعة بعد انتهائها. ومن هنا سماها بعض أدباء اللاتين بـ"العقرب" لأن لذعتها مخبوءة في زُبَانَاها. والرشاقة في تناول المعنى شرط من شروط الآبدة لأنها لا تقال بلغة التعليم والتعريف بل بلغة الصوامع والمحاريب وأساليب التنجيم والتأويل، فلا بد فيها من بعض الخفاء وبعض الرمز وبعض الإيحاء. وهي غير الخاطرة والوصية في قبول الزيادة والإسهاب: فإن الخاطرة تزداد وتستطيل، والوصية الواحدة تُكْتَب في سطر، وتُكْتَب في صفحات، أما الآبدة فهي في صيغتها كالبنية العضوية التي تَكْمُل بانتهائها فلا تقبل المد والإطالة كما لا تقبل البِنْيَةُ الحيّةُ زيادةَ عضو أو إطالةَ تركيب. وقال د . عز الدين إسماعيل: "وحين تذكر الإبيجرام في النقد الأدبي يكون المقصود بها بصفة عامة القصيدة القصيرة التي تتميز على وجه الخصوص بتركيز العبارة وإيجازها، وكثافة المعنى فيها، فضلاً على اشتمالها على مفارقة، وتكون مدحاً أو هجاءً أو حكمة، وقد عرفها الشاعر الرومانسي الإنجليزي كوليردج بقوله: إنها كيان مكتمل وصغير؛ جسده الإيجاز والمفارقة روحه"(        بتعبير آخر نحن نتحدث عن نص قصير يتميز بالرشاقة, ونعني هنا الابتعاد عن الإطناب والحشو وتعمد الإخفاء والإيحاء. فلو اقتبسنا من قصيدة مزاج الطين سنرى أن الطائي يلقي بأصدافه وزجاجه وحجره وحديده ورمله وترابه وناره ومائه وريحه وبحره وسهله وواديه, وحتى الصدى, يلقيها جميعا في حجر القاري وعلى الأخير أن يمزجها ويفهما ولا أعتقد أن الشاعر اكتفى بالحديث عن تلك الأشياء المادية الملموسة إنما هو أوحى وأخفى لأن الطين بلا مزاج (ما جبلت عليه النفس من طبائع) وكذلك الحال مع الماء والحديد والرمل وغيرها:مزاج الوادي, انسياب ساكن, لحين هطول المطر,وجريان الشعاب.هل هذا وصف لواد أم تراه إنذارا؟ وهل يتحدث الشاعر عن الأشياء التي نعرفها أم تراه يشير إلى أشياء أخرى نعرفها أو لا نعرفها أو نتجاهلها؟ وفي مكان آخر ( ص 163 ) يقول الشاعر:مليء عقل المُملبالفراغ.كيف يستوي الفراغ باللافراغ أو الامتلاء ؟ و من تراه الملّغم الذي يتاجر بأطراف الحفاة ؟( ص162) وكيف هي الأيام التي تمر بلا شموس؟ أو:08 ). أو :مع كبر سن نعاجههجر الرعي وعصاه.( ص 131 )من يكبر سنه, الراعي أم النعاج ؟ ومن هو الراعي ومن هي النعاج ؟ الأسئلة كثيرة ومزاج الطين في حل من أن يقدم الإجابة لأن الإجابة يعرفها القاري ومزاج الطين اكتفى بالتكرار لأنه "يعلم وينفع الحمار".وفي الآبدة أو الابيجرام لسعة النحلة أو العقرب التي ما أن تمر حتى نكتوي بنارها. والأمثلة عديدة في متن مزاج الطين:متعة الإذن وأذاها في الحقيقة. ( ص 18)معاودة طرق باب,أنهار جداره ....سذاجة. (ص 127 ) مرايا الوجوه..إن تهشمت,بضربة رأس....تجرح ( ص 68 )  وفي الابيجرام مفاجأة. هل توقعنا الشطر الثاني من هذه الابيجرامات ؟النفس المطمئنة لا تفلس.  ( ص 141 )مع كل جائرغبار للعامة. (ص 129)والابيجرام هو بنية عضوية تكتمل بانتهائها ولا تقبل الإضافة. وهذه هي الصفة الأساسية لمزاج الطين, فكما أسلفنا في حديثنا عن لاتح واليوم عن مزاج الطين نحن نتابع شريطا سينمائيا يمر سريعا أمامنا بلقطات مستقلة الواحدة عن الأخرى. فلو اخترنا أية قصيدة في مزاج الطين وحاولنا الربط بين ابيجراماتها سنكتشف سريعا أن لا علاقة تذكر بينها والسبب أن كل ابيجرام قال ما لديه وانصرف تاركا الساحة لآخر ليدلي بدلوه وهكذا:معالم الحكمة, لا تخفيها...مفرداتالجهل. معاندة القلب, للعقلحيرة... لمسار الدم في الجسد . معاهدات الصلح..التزام بشروط, إلى أن تنتهك. ( ص ص126-127 ) وفي الابيجرام جموح وتمرد وغرابة وكذلك الحال في مزاج الطين الذي بدا غريبا ومتمردا وجامحا في شكله وأسلوب كتابته وطرح موضوعاته, فأراد منذ البداية أن يبدو مختلفا, فكان له ما أراد, فلا خطة العمل (من الأفضل أن نسميه مشروعا) مألوفة ولا أهدافها مطروقة ولا أسلوب ترجمتها إلى شعر معتاد, فكان كل شيء فيه (أي المشروع) استفزازيا هجوميا ابتغى أن يضع القارئ في موقع الدفاع عن أمور ألفها لكنه لم يتوقف عندها يوما ليتأملها أو يسأل عن جدواها, فكانت النتيجة حيرة وأسئلة تبحث عن إجابات :موت فكرة..لا يقام لها عزاء. ( ص192 )مكر الأرقام للصوص الوقت.( ً 156 ) مداخل مدن الخلل عقود صيانتها, كثيرة.( ص 58 ) والملاحظ أن الكاتب عبد الحميد الطائي أوجد علاقة قوية بين عنوان الابيجرام والنص الابيجرامي نفسه من خلال إضافة ابيجرام قصير إلى عنوان القصيدة ( هذا الأسلوب لم يكن موجودا في لاتح ) فجاء العنوان دالاً على ما يحويه النص، فهو المؤشر الدلالي الأول للدخول في متن النص, قد يبدو ذلك محاولة للكاتب في توجيه القارئ (أو حشره) إلى ما يريد:نرجو اليسرفي العسر. ( قصيدة مه ص 181 ) لكن طعمالنفط مر ( قصيدة مز ص 75 ) 

إن مزاج الطين ويتمني المزاج ( نسبة إلى الشاعر الأميركي ولت ويتمن الذي اعتاد أن يقتطع لنفسه أجزاء من الحياة التي كان يراها في جولاته في المدن الأميركية بحكم عمله الصحفي ليعيد رسمها بريشته قصائد تنبض بالحياة. فكانت تلك القصائد وديوان أوراق العشب ملحمة الحياة الأميركية في القرن التاسع عشر. والقارئ أينما كان يستطيع بسهولة أن يحول القصائد من جديد إلى مشاهد حياتية يدنو منه قريبا ليشعر بنبضها ويشم ضوعها العطر. وهو (أي مزاج الطين) في روحه مجموعة من الومضات شديدة التكثيف والتلميح وحيث تكون, وكما في الجبل الجليدي ( وربما يخطر في البال كتابات همنجواي لأنه هو من صرح بهذا الأسلوب وطبقه في أعماله) مساحة البوح صغيرة جدا بالمقارنة بمساحة المسكوت عنه, وفيه يحيا الشاعر متلقيه إلى كل حرف من حروف قصيدته, أي أن الشاعر يلقي بالكرة في ملعب القارئ الذي عليه أعمال فكره واستخدام كل مهاراته الثقافية والأدبية واللغوية لسبر أغوار القصيدة.

  

محمد نجيب السعد *

  

* أستاذ الأدب الإنجليزي في كلية الزهراء للبنات

 

 "  الوطن " العمانية 16/6/2009

إضافة تعليق

14 + 5 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.