برلمان إبليس

في ديوان محمد إقبال الأخير ((أرمغان حجاز)) (هدية الحجاز) قصيدة بديعة وصف فيها وصوَّر جلسة برلمانية؛ حضرها وتناقش فيها شياطين العالم ووكلاء النظام الإبليسي، واستعرضوا فيها الاتجاهات والحركات والمذاهب السياسية العصرية التي تتهدد مهمتهم في العالم وتحبط مساعيهم أو تعرقل سيرهم، وأبدوا فيها آراءهم ووجهات نظرهم.
وترأس هذه الجلسة وأشرف عليها ((إبليس)) فحكم على هذه الآراء والدراسات، وعارض أكثرها في ضوء تجاربه الواسعة، وبعد نظره الذي لا يشاركه فيه أحد من تلاميذه. وأدلى برأيه الحصيف المؤسَّس على الدراسة الواسعة العميقة. وهو يتلخص في: أن المسلم هو المنافس الوحيد والمصارع الكفء لنظامه، وهو الشرارة التي تتحول ناراً بسرعة؛ فالمصلحة والرأي أن يركز ((الزملاء)) تفكيرهم على محاربة هذا العدو، أو إلهائه وتنويمه.
وقد جاء في هذه القصيدة من الوصف الصادق الدقيق للمسلم، ومن الملاحظات الصائبة الدقيقة عن كثير من المذاهب السياسية وزعمائها، ما يفيد الاطلاع عليه، وإليكم محضر الجلسة:
((إن الشياطين وزملاء إبليس وأعوانه اجتمعوا في مجلس شورى، وتباحثوا في سير العالم وأخطار الغد وفتنه، وما يتوجسون من خيفة على نظامهم الإبليسي ومهمتهم الشيطانية، فتذاكروا في فتن وأخطار قد أحدقت بهم وهددت نظامهم، وجللوا خطبها وتناذروا شرها؛ فذكر أحدهم (الجمهورية) وحسب لها حساباً كبيراً، فقال الثاني: لا يهولنّك أمرها، فإنها ليست إلا غطاءاً للملوكية، ونحن الذين كسونا الملوكية اللباس الجمهوري، إذ رأينا الإنسان بدأ ينتبه ويفيق، ويشعر بكرامته، وخفنا ثورة على نظامنا قد لا تحمد عاقبتها، فألهيناه بلعبة الجمهورية، وليس الشأن في الأمير والملك. إن الملوكية لا تنحصر في وجود شخص تتركز فيه الملوكية، وفرد يستبد بالسلطان، إنما الملوكية أن يعيش الإنسان عيالاً على غيره، مستشرفاً إلى متاع غيره، سواء في ذلك الشعب والفرد؛ أما رأيت نظام الغرب الجمهوري، وجهه مشرق وضاح، وباطنه أظلم من باطن جنكيز خان.
فقال الآخر: لابأس إذا بقيت روح الملوكية، ولكن ماذا يقول النائب المحترم في هذه الفتنة الدهماء التي أثارها هذا اليهودي الذي يُدعى (كارل ماركس) ذلك الباقعة الذي ليس نبياً، ولكنه يحمل عند أتباعه كتاباً مقدساً، هل عندك نبأ، أنه أقام العالم وأقعده، وأثار العبيد على السادة، حتى تزعزعت مباني الإمارة والسيادة؟
فقال الآخر مخاطباً رئيس المجلس: يا صاحب الفخامة إن سحرة أوربة، وإن كانوا مريديك المخلصين، ولكن لم أعد أثق بفراستهم، ها هو ذا السامري اليهودي الذي هو نسخة من ((مزدك)) الزعيم الفارسي الاشتراكي) قد كاد يأتي على العالم بقواعده، فاستنسر البغاث وأصبح الصعاليك يزاحمون الملوك بالمناكب، ويدفعونهم بالراح (أعلام أرض جعلت بطائحاً). إنا قد استهنا بخطب هذه الحركة الاشتراكية، وها هي قد استفحلت وتفاقم شرها، وها هي الأرض ترجف بهول فتنة الغد. يا سيدي! إن العالم الذي كنت تحكمه سينقض عليك، وينقلب نظام العالم ظهراً لبطن.
فتكلم رئيس المجلس (إبليس) وقال: إني أملك زمام العالم، وأتصرف به كيف أشاء، وسيرى العالم عجباً، إذا حرشْتُ بين الأمم تهارشت تهارش الكلاب، وافترس بعضها بعضاً فعل الذئاب؛ وإذا همستُ في آذان القادة السياسيين، وأساقفة الكنائس الروحانيين، فقدوا رشدهم، وجُن جنونهم.
أما ما ذكرتم عن الاشتراكية، فكونوا على ثقة أن الخرق الذي أحدثته الفطرة بين الإنسان والإنسان لا يرفؤه المنطق المزدكي (يعني الفلسفة الاشتراكية).
لا يخوفني هؤلاء الاشتراكيون الطرداء، والصعاليك السفهاء. إن كنت خائفاً، فإني أخاف أمة لا تزال شرارة الحياة والطموح كامنة في رمادها، ولا يزال فيها رجال تتجافى جنوبهم عن المضاجع، وتسيل دموعهم على خدودهم سحراً؛ لا يخفى على الخبير المتفرس أن الإسلام هو فتنة الغد، وداهية المستقبل، ليست الاشتراكية.
أنا لا أجهل أنّ هذه الأمة قد اتخذت القرآن مهجوراً، وأنها فُتنت بالمال، وشغفت بجمعه وادخاره، كغيرها من الأمم، أنا خبير بأن ليل الشرق داج مكفهر، وأن علماء الإسلام وشيوخه ليست عندهم تلك اليد البيضاء التي تشرق لها الظلمات ويضيء لها العالم؛ ولكني أخاف أن قوارع هذا العصر وهزاته ستقض مضجعها، وتوقظ هذه الأمة، وتوجهها إلى شريعة محمد؛ إني أحذركم وأنذركم من دين محمد؛ حامي الذمار، حارس الذمم والأعراض، دين الكرامة والشرف، دين الأمانة والعفاف، دين المروءة والبطولة، دين الكفاح والجهاد، يُلغي كل نوع من أنواع الرق، ويمحو كل أثر من آثار استعباد الإنسان، لا يفرق بين مالك ومملوك، ولا يؤثر سلطاناً على صعلوك؛ يزكي المال من كل دنس ورجس، ويجعله نقياً صافياً، ويجعل أصحاب الثروة والملاك مستخلفين في أموالهم، أمناء لله، وكلاء على الأموال؛ وأي ثورة أعظم، وأي انقلاب أشد خطراً مما أحدثه هذا الدين في عالم الفكر والعمل، يوم صرخ: أن الأرض لله، لا للملوك والسلاطين.
فابذلوا جهدكم، أن يظل هذا الدين متوارياً عن أعين الناس، وليْهنِكم أن المسلم بنفسه هو ضعيف الثقة بربه، قليل الإيمان بدينه، فخير لنا أن يظل مشتغلاً بمسائل علم الكلام والإلهيات وتأويل كتاب الله والآيات. اضربوا على أذان المسلم، فإنه يستطيع أن يكسر طلاسم العالم، ويبطل سحرنا بأذانه وتكبيره؛ واجتهدوا أن يطول ليله ويبطئ سحره. اشغلوه يا إخواني عن الجد والعمل، حتى يخسر الرهان في العالم. خير لنا أن يبقى المسلم عبداً لغيره، ويهجر هذا العالم ويعتزله، ويتنازل عنه لغيره، زهداً فيه واستخفافاً لخطره. يا ويلتنا! ويا شقوتنا! لو انتبهت هذه الأمة، التي يعزم عليها دينها أن تراقب العالم وتعسَّه.
مؤامرة أنصار الباطل ضد المسلم:
وفعلاً نجح شياطين الإِنس والجن في مهمتهم؛ وكانت مؤامرة مبيتة ضد الإسلام، وخطة منظمة ضد أجياله القادمة؛ فأكبر ما اهتموا به هو إطفاء الجمرة الإيمانية، التي لا تزال كامنة في الرماد، وتجريد المسلمين في بلاد العرب والعجم من الحمية الدينية والعاطفة الإسلامية، التي تحمل أصحابها على التضحية والجهاد، وتحمُّل الشدائد والمكاره في سبيل الله، والثورة على الباطل؛ وقد أوصى بذلك إبليس أشياعه وجنده. يقول محمد إقبال في قصيدة عنوانها (وصية إبلس إلى تلاميذه السياسيين): ((إن المجاهد الذي يصبر على الجوع ولا يحسب للموت حساباً، أخرجوا روح محمد من جسمه، فيصبح قليل الصبر، جزوعاً من الفقر، شديد الخوف من الموت؛ واشغلوا العرب بالأفكار الغربية، وانتزعوا من أهل الحرم تراثهم الديني تتمكنون بذلك من إجلاء الإسلام من الحجاز واليمن؛ إن في الأفغان غيرة دينية، وعلاجها أن يغفو العالم الديني من جبالها وسهولها)).
وكان من أقرب الطرق للوصول إلى هذا الهدف هو التعليم، الذي يجرد الشباب المسلم من الروح الديني والعواطف الإسلامية والعقلية الإسلامية، وينشىء فيه طبيعة النفعية والأبيقورية، وطبيعة التهام الحياة، وانتهاب المسرات، وتقديس المادة ورجالها، وعدم الاستقامة الخلقية والتماسك، وضعف الثقة بالنفس، والشك في الدين؛ لذلك يرى شاعر هندي آخر اسمه أكبر الإله آبادي: أن فرعون مصر أخطأ الرمية، وجانبه التوفيق في تحقيق فكرة القضاء على بني إسرائيل، فقد التجأ في قتلهم وإبادتهم إلى طرق سافرة، ألصقت به العار، وأثارت عليه اللعنات؛ فكان يقتل أبناءهم ويستحيي نساءهم ليأمن ثورة بني إسرائيل، وغائلتهم في المستقبل؛ ولو أنه رُزق شيئاً من الابتكار، وبعد النظر، ودقة التفكير، لاكتفى بتأسيس كلية لبني إسرائيل، ينشئ الجيل الإسرائيلي الجديد فيها كما يشاء، ويسبك العقول والطبائع سبكاً جديداً؛ لا يدع إمكاناً لنشأة شاب مثقف، يشعر الشعور الديني، ويحمل العاطفة الدينية والغيرة القومية، ويهتم بشيء آخر غير الوظائف والمناصب والمرتبات والدرجات؛ لو أن فرعون وفق لهذا المشروع لتفادى هذه المتاعب، وسوء الأحدوثة، ووصل إلى غايته في سهولة ويسر، وهدوء وسلام، وزيادة على ذلك اشتهر في الناس بلقب (حامي العلم) و(مربي الجيل) وناشر الثقافة والتعليم في الشعب.
[روائع إقبال: أبو الحسن الندوي - دار الفكر بدمشق 1960]

إضافة تعليق