كلمة البابا وأسفه

الإيمان والعقل والمذكرات والتأملات الجامعية

نيافاتكم، ومعاليكم، وسعاداتكم

سيداتي وسادتي ذوي الامتياز

إنها لتجربةٌ مؤثرةٌ بالنسبة لي أن أعود مرة أخرى إلى الجامعة ويكون بمقدوري أن ألقي ثانيةً محاضرةً في هذا المدرج. تعود بي ذاكرتي إلى تلك السنوات حينما بدأت أُدرِّس في جامعة بون بعد فترة ممتعة قضيتها في (فريزنجر هوشكول). كان ذلك في عام 1959، في أيام الجامعة القديمة التي تكونت من بروفيسورات عاديين، بلا معاونين ولا أمناء سر، لكنَّ الذي عوض ذلك توفر الكثير من الاحتكاك المباشر مع الطلاب، وبشكل خاص في أوساط البروفيسورات أنفسهم، فقد اعتدنا اللقاء قبل الدروس وبعدها في غرف الكادر التدريسي. وكان يحصل تبادلٌ نشِطٌ لأحاديث مع المؤرخين والفلاسفة واللغويين، وبالطبع بين القسمين اللاهوتيين في الجامعة. وفي أحد الفصول من عامٍ دراسي كان هناك يوم أكاديمي، حينما برز فيه كل بروفسور أمام الجامعة بكاملها موطئين لتجربةٍ أصيلةٍ للجامعات، وهو الشيء الذي ذكرتموه لتوِّكم يا فخامة رئيس الجامعة. إنها، بعبارةٍ أخرى تجربة اختصاصاتنا، حيث كنا، وبالرغم من الصعوبات، نتواصل مع بعضنا حتى كوَّنا جمعاً متكاملاً، يعمل في كل مجالٍ على أساس عقلانيةٍ واحدةٍ فريدةٍ بسماتها المتنوعة، ويتقاسم المسؤولية عن الاستخدام الصحيح للعقل، وأصبحت هذه الحقيقة تجربةً مفعمةً بالحياة. وكانت الجامعة أيضاً فخورةً بقسميها اللاهوتيين، وكان واضحاً أنهم، عن طريق الاستفسار عن عقلانية الإيمان، أفلحوا أيضاً في تنفيذ عملٍ يُعدُّ بالضرورة جزءاً من "الكل" في المجال العلمي الجامعي، حتى وإن لم يستطع كل واحدٍ المشاركة في الإيمان الذي يسعى اللاهوتيون إلى ربطه مع العقل على وجه الإجمال. ولم يكن هذا الإحساس العميق بالتماسك ضمن عالم العقل مضطرباً، حتى وإن رُوي مرةً أن زميلاً قال إن هناك شيئاً شاذاً ذا صلة بجامعتنا: كان فيها كلِّيتان مخصصتان لشيء غير موجود، الله. وحتى في مواجهة مثل هذه الشكوكية الراديكالية ما يزال من الضروري والمعقول إثارة مسألة "الله" من خلال استعمال العقل، والقيام بذلك في سياق تقليد الإيمان المسيحي، وكان هذا ضمن الجامعة على وجه الإجمال، مقبولاً بلا ريب.

تذكرت هذا كله مؤخراً عندما قرأت مؤلفاً للبرفيسور تيودور خوري، ومنه حوارٌ – يُحتمل أنه جرى عام 1391 في الثُكنات الشتائية على مقربةٍ من أنقرة – جرى بين الإمبراطور البيزنطي مانيويل الثاني باليولوغَس الواسع المعرفة وفارسي متعلم حول موضوع المسيحية والإسلام، وحقيقة كلٍّ منهما، ويتوقع أن الإمبراطور نفسه هو الذي قرر هذا الحوار، وذلك خلال حصار القسطنطينية بين عامي 1394 و 1402، وقد يفسر هذا لماذا صدرت حججه في تفصيلٍ أوسع من تفصيل حجج محاوِرِه. ويجول الحوار واسعاً ليغطي بُنيات الإيمان التي ينطوي عليها كل من الإنجيل والقرآن، ويعالج بشكلٍ خاصٍّ صورة الله وصورة الإنسان، في حين أنه يعود على نحوٍ اضطراريٍّ، وبشكلٍ متكرر، إلى العلاقة بين ما كان يسمى بـ"القوانين" الثلاثة، أو "مبادئ الحياة": العهد القديم، والعهد الجديد، والقرآن. وإني لا أنوي أن أناقش هذه المسألة في محاضرتي الحالية، بل أريد هنا أن أناقش نقطة واحدة فقط – وهي بحد ذاتها هامشيةً إلى حدٍّ ما بالنسبة لموضوع الحوار على وجه الإجمال – التي وجدتها ممتعةً في سياق قضية "الإيمان والعقل"، والتي يمكن أن تخدم كنقطة انطلاق لتأملاتي في هذه القضية.

في النقاش السابع (نقطة خلاف) الذي حرره البروفيسور خوري، يدخل الإمبراطور في موضوع الحرب المقدسة. ولابد أن الإمبراطور كان يعرف أنه في السورة الثانية، الآية 256، يُقرأ "لا إكراه في الدين". ووفقاً لأهل الخبرة، تعد هذه السورة إحدى سور الفترة الأولى، عندما كان محمدٌ ما يزال ضعيفاً وتحت التهديد، لكن الإمبراطور أيضاً كان بالطبع يعرف التعليمات التي تطورت فيما بعد وسُجِّلت في القرآن، فيما يتعلق بالحرب المقدسة. ومن دون الهبوط إلى التفاصيل –كالفرق في المعاملة الموجهة لأهل "الكتاب" و"الكفار" – يخاطب مُحاوره بفظاظةٍ مذهلة حول المسألة الجوهرية ذات الصلة بالعلاقة بين الدين والعنف بصورةٍ عامةٍ، قائلاً: "أرني فقط شيئاً جديداً أتى به محمد، فستجد بين يديك أشياء شريرةً ولا إنسانيةً فقط؛ من أمثال أمره بنشر الإيمان الذي وعظ به بحد السيف". وبعدما عبَّر الإمبراطور عن رأيه هذا بقوةٍ كبيرةٍ تابع يشرح بالتفصيل الأسباب التي تفيد بأن نشر الإيمان من خلال العنف شيء لا يقبله العقل. إن العنف لا ينسجم مع طبيعة الله وطبيعة الروح. فهو يقول: "إن الله لا يسره الدم، وإن عدم التصرف على نحوٍ يقبله العقل مخالفٌ لطبيعة الله؛ فالإيمان وليد الروح وليس وليد الجسد. ومن يود أن يقود شخصاً إلى الإيمان إنما يحتاج إلى القدرة على التكلم على نحوٍ حسنٍ، وإلى التفكير بشكلٍ سليمٍ، من دون عنفٍ وتهديدات، ومن أجل إقناع الروح العقلانية لا يحتاج أحدنا إلى ذراعٍ قويةٍ، أو أسلحةٍ من أي نوعٍ، أو إلى أي وسيلةٍ أخرى تهدد شخصاً بالموت".

إن التصريح الحاسم في هذه الحجة، المناهض لتغيير الدين بالعنف، هو كما يلي: عدم تصرفك بما بتوافق مع العقل مخالف لطبيعة الله. ويقول المحرر، تيودور خوري: وهذا التصريح بالنسبة للإمبراطور – كشخص موَلَّفٍ بيزنطياً وصاغتة الفلسفة الإغريقية – يوضح نفسه بنفسه. لكن بالنسبة للتعليم الإسلامي، يتصف الله بالسمو المطلق، وإرادته لا تمتُّ بصلةٍ إلى أيٍّ من فئاتنا، حتى الفئة العقلانية. وبهذا الصدد يستشهد خوري بعملٍ للإسلامي الفرنسي المشهور، آر. أرنالديز، الذي يوضح أن ابن حزم ابتعد كثيراً في تصريحه أن الله غير ملزمٍ حتى بكلمته الخاصة به، وأنه لا شيء يجبره على إلهامنا بالحق؛ فلو أراد الله، لكنا حتى مارسنا الوثنية.

وفي هذه النقطة – على قَدَر ما يؤخذ بالاعتبار فهمنا لله، ومن ثم ممارستنا الواقعية للدين – تواجهنا معضلةٌ لا سبيل إلى تفاديها. فهل الاقتناع بأن التصرف بشكلٍ لا عقلانيٍّ يتناقض مع طبيعة الله مجرد فكرةٍ إغريقيةٍ، أم أنها صحيحةٌ دائماً وبشكلٍ جوهري؟ أعتقد أنه بإمكاننا هنا أن نلاحظ الانسجام العميق بين ما هو إغريقي، بالمعنى الأفضل للكلمة والفهم الإنجيلي للإيمان بالله. حدد جون (يوحنا؟) الآية الأولى في كتاب جينيسيس – الآية الأولى من الإنجيل بكامله – وبدأ مقدمة إنجيله بالكلمات: "في البداية كان الله". هذه هي الكلمة بالذات التي استخدمها الإمبراطور: "الله يتصرف بالعقل والكلمة". العقل الذي يكون مبدعاً وقادراً على الاتصال الذاتي، يتصرف على نحو الدقة. وبالتالي نطق جون الكلمة النهائية عن التصور الإنجيلي لله، وفي هذه الكلمة تجد جميع الخيوط، التي غالباً ما تكون مُتعِبة ومعذِّبة، ومحل اصطناعها في الإيمان الإنجيلي. في البداية كان العقل والكلمة، والعقل والكلمة هما الله، على نحو ما يقول إيفانجيليست. إن المواجهة بين الرسالة الإنجيلية والفكر الإغريقي لم تحدث بالمصادفة. ورؤية القديس بولوس، الذي شاهد الطُّرُق إلى آسيا مُغلَقةً، ورأى في المنام رجلاً مقدونياً يناشده: "أقبِل إلى مقدونيا وأنجدنا!" [Acts،16: 6-10]، يمكن تفسيره كـ"تقطيرٍ" للضرورة الجوهرية للتقارب بين الإيمان الإنجيلي والتساؤل الإغريقي.

وفي الحقيقة استمر هذا التقارب لفترةٍ من الزمن، والاسم الغامض لله – الذي استُلهم من الشجرة المحترقة - اسم يفصل الله هذا عن جميع القداسات الأخرى التي تحمل أسماء كثيرة، وهو يصرح: "أنا أكون" يتحدى في الوقت الحاضر فكرة الأسطورة، التي حاول سقراط أن يتغلب عليها، وتمثل أوضاعاً أسطوريةً متساميةً في فن القياس. في العهد القديم، بدأت العملية عند الشجرة المحترقة، وعادت تلك الشجرة لتنضج في زمن الإبعاد [تيه بني إسرائيل] عندما أُعلن عن إله إسرائيل – حينما كان إسرائيل محروماً من أرضه وعبادته – أنه إله السماء والأرض، ووُصف بصيغة بسيطة تدوي بالكلمات التي نُطقت عند الشجرة المحترقة: "أنا أكون". وترافق هذا المفهوم لله مع نوع من التنوير الذي يجد تعبيراً صارخاً عنه في سخرية الآلهات التي هي مجرد صناعة على أيدٍ بشرية (المزامير 115). وبالتالي، بالرغم من الصراع المر مع أولئك الحكام الهيلينستيين، الذين سعوا إلى أن يكيفوه بالقوة مع عادات الإغريق ودينهم الوثني، والإيمان الإنجيلي في العهد الهيلينستي، واجه الفكر الإغريقي الأرقى إلى حد بعيد؛ مما أدى إلى إثراء متبادل، يبدو واضحاً في أدب الحكمة الذي أتى لاحقاً. ونحن نعلم اليوم أن الترجمة الإغريقية للعهد القديم التي كانت من نتاج الإسكندرية (السبتواجينت The Septuagint) تزيد عن كونها ترجمة بسيطة (وبناء على هذا المعنى هي أقل من أن تكون مرضية) للنص العبراني، وتمثل شاهداً نصِّياً مستقلاً وخطوةً هامةً في تاريخ الوحي؛ فهي الخطوة التي جلبت هذه المواجهة بأسلوب كان حاسماً من أجل ميلاد الدين المسيحي وانتشاره. إن مواجهةً عميقةً بين الإيمان والعقل تحصل هنا، وهي مواجهةٌ بين التنوير الحقيقي والدين، ومن صميم قلب الإيمان المسيحي، وفي الوقت نفسه، من قلب الفكر الإغريقي الذي اندمج الآن مع الإيمان، فقد كان منويل الثاني قادراً على القول: عدم العمل بـ"العقل والكلمة" مناقض لطبيعة الله. وبكل أمانة، لابد لأحدنا أن يلاحظ أننا نجد في أواخر العصور الوسطى اتجاهات في اللاهوت، كان من شأنها أن تقطع هذه الجميعة بين الروح الإغريقية والروح المسيحية. وعلى نقيض ما يسمى "مبدأ فكر أوغستسن وتوماس" برزت مع دانز سكوتَس إراديةٌ أدت خلال التطورات اللاحقة إلى الادعاء أنه بمقدورنا أن نعرف فقط إرادة الله العادية. ويكمن فيما وراء ذلك ملكوت حرية الله، التي يستطيع عن طريقها القيام بنقيض كل شيء فعله في الواقع. وهذا يُبرز المواقف التي تدنو بوضوحٍ من مواقف ابن حزم ، ويمكن أيضاً أن تقود إلى صورة إلهٍ نَزويٍّ لا يلتزم حتى بالحق والطيب. إن تسامي الله وآخَريَّته مُنَزَّهَان كثيراً لدرجة أن عقلنا، الصحيح والجيد، لم يعودا يمثلان مرآةً موثوقةً لله، الذي يبقى إحساسنا - بأعمق ما يمكن من الاحتمالات - عاجزاً عن تصوره وباقياً وراء قراره الحقيقي. وعلى عكس ذلك، كان إيمان الكنيسة وما يزال يصرُّ على أنه بين روح الخالق وعقلنا المخلوق يوجد إله، ونحن بين قياسه الحقيقي الذي يبقى فيه عدم الشِّبَه أكبر إلى حد لا نهائي من الشِّبه، ومع ذلك لا يصل إلى حد إلغاء القياس وعدم الرقي في القداسة عندما ندفعه بعيداً عنا. إن لله إرادةٌ مطلقةٌ لا تُخترق، بل إن الإله الحقيقي القداسة هو الإله الذي أَوحى عن نفسه أنه العقل والكلمة، وكعقل وكلمة تصرف وما يزال يتصرف في ظل الحب من جهتنا. إن الحب بالتأكيد – كما قال القديس بولس – يسمو بالمعرفة وهو لذلك قادر على الإدراك أكثر من قدرة الفكر لوحده، وبرغم ذلك يواصل كونه حب الله الذي يمثل العقل والكلمة. وبالتالي، إن العبادة المسيحية – على نحو ما يستشهد به بولس أيضاً – هي عبادة تنسجم مع الكلمة الأبدية ومع عقلنا.

كان هذا التقارب الداخلي بين الإيمان الإنجيلي والتساؤل الفلسفي الإغريقي حدثاً ذا أهمية حاسمة، ليس فقط من وجهة نظر تاريخ الأديان بل أيضاً من وجهة نظر تاريخ العالم. إنه حدث يهمنا نحن أيضاً. وبوجود هذا التقارب، لن يكون مدهشاً أن المسيحية – بالرغم من أصولها هذه الأيام، وبعض التطورات الهامة في الشرق – قد اضطلعت أخيراً بشخصيتها الحاسمة تاريخياً في أوربة. وبمقدورنا أن نعبر عن ذلك أيضاً بالطريقة الأخرى التالية: إن هذا التقارب، مع الإضافة اللاحقة للتراث الروماني، أوجدا أوربة، وما يزال هذا التقارب أساساً لما يمكن أن يُسمى بحق أوربة.

إن الطريحة التي يصيغها التراث الإغريقي على نحو بارع كجزء متكامل من الإيمان المسيحي جوبهت بالدعوة إلى نزع الصفة الإغريقية عن الدين المسيحي، وهي الدعوة التي أخذت تهيمن أكثر فأكثر على النقاشات اللاهوتية منذ بداية العصر الحديث. وبالنظر عن كثبٍ أكثر، يمكن رصد ثلاث مراحل في الدعوة إلى نزع الصفة الإغريقية عن الدين المسيحي، وعلى الرغم من ترابطها مع بعضها تبدو متميزة بوضوح عن بعضها بعضاً في بواعثها وأهدافها.

يبرز نزع الصفة الإغريقية عن الدين المسيحي فيما يرتبط بمسلمات الإصلاح في القرن السادس عشر. وبالنظر إلى تقليد اللاهوت السكولاستي ظن الإصلاحيون أنهم جوبهوا بنظام إيماني مشروطٍ كلياً بالفلسفة، أي مَفْصلة الإيمان بناءً على نظام غريب للفكر. نتيجة لذلك، لم يعد الإيمان يظهر كـ"كلمةٍ" تاريخية حية، بل كعنصر واحد لنظام فلسفي شديد الاعوجاج. من جهة أخرى التمس مبدأُ الكتاب الوحيد الإيمانَ في شكله النقي الأصلي، على النحو الذي وُجد فيه أصلاً في الكلمة الإنجيلية. وظهرت أفكار ما وراء الطبيعة (الغيبيات) كمقدمة منطقية مقتََبسة من مصدر آخر، الذي كان ينبغي أن يتحرر الإيمان منه كي يصبح مستقلاً بذاته تماماً للمرة الثانية. وعندما صرح (كانْتْ) أنه كان بحاجة إلى تنحية التفكير جانباً من أجل فسح المجال أمام الإيمان، حمل برنامجه هذا وانطلق براديكاليةٍ مفادها أنه كان بالإمكان ألا يتنبأ الإصلاحيون على الإطلاق. وبهذا استطاع أن يُرسخ الإيمان حصرياً في العقل العملي، منكراً دنوه من الواقع ككل.

إن اللاهوت التحرري في القرنين التاسع عشر والعشرين بشر باقتراب مرحلة ثانية في عملية نزع الصفة الإغريقية عن الدين المسيحي، وكان أبرز ممثليها أدولف فون هارناك. عندما كنتُ طالباً، وخلال الأعوام الأولى من تدريسي كان هذا البرنامج مؤثراً إلى حد بعيد في اللاهوت الكاثوليكي أيضاً. وكعلامةٍ على رحيله، أخذ بتمييز راسكال بين إله الفلاسفة وإله إبراهيم وإسحاق ويعقوب. وقد حاولت في محاضرتي التدشينية التي ألقيتها في بون عام 1959أن أخاطب القضية، ولا أنوي أن أكرر هنا ما قلته في تلك المناسبة، لكني أريد أن أصف بإيجاز على أقل تقدير ما طرأ من جديد على هذه المرحلة في نزع الصفة الإغريقية عن الدين المسيحي. كانت الفكرة الجوهرية لـ (هارناك) العودة بكل بساطة إلى المسيح كرجل، وإلى رسالته، في ظل تناميات اللاهوت، بالإضافة إلى ازدياد الاتجاه إلى نزع الصفة الإغريقية عن الدين المسيحي. وكان النظر إلى هذه الرسالة البسيطة أنها أوج التطور الديني للإنسانية. وقيل إن عيسى وضع حداً للعبادة لصالح الخُلُق. وفي نهاية المطاف قُدِّم أباً لرسالة أخلاقية إنسانية. وكان الهدف الجوهري لهرناك العودة بالمسيحية لتنسجم مع العقل الحديث، وتحريرها؛ أي مما يبدو في ظاهره فلسفياً، ومن الإله الثالوثي. وفي هذه العناصر اللاهوتية – كالإيمان بربوبية المسيح، والتفسير التاريخي الانتقادي للعهد الجديد، على النحو الذي رآه هو، عادت إلى علم اللاهوت مكانته داخل الجامعة: فاللاهوت بالنسبة لهارناك يمكن أن يُقال، على نحو مؤكد وجوهري، أنه شيء تاريخي؛ ولذلك يُعد علمياً صرفاً. أما ما قاله عن المسيح فهو – إن جاز التعبير – يعبِّر عن العقل العملي، وبالتالي يستطيع أن يحتل مكانه اللائق داخل الجامعة. وتكمن وراء هذا التفكير الاننقادات الحديثة للذات، لكن في الوقت نفسه كان يرافقه حصرٌ للعقل - على النحو الذي عبر به (كانت) كلاسيكياً - الذي ازدادت راديكاليته بتأثير العلوم الطبيعية. وباختصار، يقوم هذا المفهوم الحديث للعقل على الجمع بين الأفلاطونية (الديكارتية) والتجريبية، وهو جمع أكده النجاح التكنولوجي؛ فهو من جهة أولى يعيد اقتراح التركيب الرياضي للمادة، وعقلانيتها الجوهرية التي تجعل من الممكن فهم آلية عمل المادة واستخدامه على نحو فعال. هذه المقدمة المنطقية الأساسية – إذا جاز التعبير – تمثل العنصر الأفلاطوني في الفهم الحديث للطبيعة. ومن جهة أخرى، هناك القدرة على استغلال الطبيعة من أجل أغراضنا، ومن هنا فقط يمكن أن تتولد إمكانية التأكيد أو التزييف من خلال التجربة اعتماداً على اليقين الكامل. إن الثقل بين ظروف القطبين يتنقل من جانب إلى جانب، بالقوة التي يعلن بها مفكرٌ إيجابيٌّ مثل ج. مونود عن نفسه بأنه أفلاطوني/ديكارتي قانع.

وهذا بدوره يُبرز مبدأين يُعدان أساسيان في القضية التي أثرناها؛ أولهما، لا يمكن أن يُعد علمياً سوى النوع من اليقين الناجم عن تدخل العناصر الرياضية والتجريبية، وأي شيء يدعي أنه علمي يجب أن يخضع لهذا القياس وعلى هذا المعيار. ومن هنا تحاول العلوم الإنسانية – مثل التاريخ وعلم النفس وعلم الاجتماع والفلسفة – أن تتناغم مع هذا القانون الكنسي حول العلمية. والنقطة الثانية، التي تعد هامة من أجل تأملاتنا – هي أن هذه المنهجية بطبيعتها هذه بالذات تُقصي مسألة "الإله"، جاعلةً إياه يبدو مسألة غير علمية، أو سابقة لظهور العلم. وبالتالي، يواجهنا تقلص في الذراع الواصل بين العلم والعقل، وهذا ما يحتاج إلى تساؤل.

سأعود إلى هذه المشكلة لاحقاً، وفي غضون ذلك لابد من ملاحظة أنه من وجهة النظر هذه أيُّ محاولةٍ للحفاظ على ادعاء اللاهوتية بأنها "علميةٌ" سوف يُضائل المسيحية إلى مجرد جزءٍ من ذاتيتها السابقة، ولكن علينا أن نقول أيضاً: إذا كان العلم هو هذا وهذا لوحدهما بوجه الإجمال، فإن الإنسان نفسه حينئذٍ هو الذي سيكون من شأنه أن يضع حداً لهذا التضاؤل؛ لأن التساؤلات البشرية على وجه التحديد حول أصلنا ومصيرنا – وهي التساؤلات التي أثارها الدين والأخلاق – لا يكون لها مكانٌ عندئذ ضمن رؤية العقل الجماعي، على نحو ما عرَّفه العلم، وهكذا تمَّ فهمه، ومن ثم لابد من إبعاده إلى الملكوت الذاتية. عندئذ يقرر الموضوع - على أساس تجاربه – ما يعتبره مما يمكن الدفاع عنه [أو الاحتفاظ به] في مسائل الدين، ويصبح "الضمير" الذاتي المُحَكَّم الوحيد في ما هو أخلاقي. ومع ذلك يفقد الدين والأخلاق بهذه الطريقة قدرتهما على توليد مجتمع وعلى أن يصبحا مسألةً شخصيةً تماماً. وهذا وضع خطير بالنسبة للإنسانية، ونحن نرى من الدين والعقل أيهما بالضرورة يثور عندما يسبب العقل اضطراباً في الدين والأخلاق التي لم تعد تهمه. وقد انتهت المحاولات الهادفة إلى بناء أخلاق من قواعد التنمية، أو من علم النفس وعلم المجتمع بعدم الاكتمال.

وقبل أن أرسم الخواتيم التي أَوْصل إليها كل ما ذكر علي أني أشير بإيجاز إلى المرحلة الثالثة من نزع الصفة الإغريقية الآخذة بالتطور في هذه الآونة. ففي ضوء تجربتنا مع التعددية الثقافية، غالباً ما يقال في هذه الأيام إن التوليف مع الحضارة الإغريقية الذي أنجزته الكنيسة قديماً كان يمثل نزعاً أولياً للثقافة، الذي لا ينبغي أن يكون مُلزماً للثقافات الأخرى. وقد قيل عن هذه الثقافات إنها تملك الحق في العودة إلى الرسالة البسيطة للعهد الجديد قبل القيام بمناهضة الثقافات مجدداً في محيطها الخاص بها. وهذا الطرح لا يتصف بأنه زائف فحسب، بل هو فظٌّ وتعوزه الدقة. كانت كتابة العهد الجديد في اليونان، وهو يحمل بصمة الروح الإغريقية التي كانت قد وصلت إلى النُّضج على النحو الذي تطور فيه العهد القديم. وفي الحقيقة هناك عناصر أدت إلى تطور الكنيسة قديماً، وهذه العناصر لم تدخل في جميع الثقافات. وبرغم ذلك، تشكِّل القرارات الأساسية التي اتُّخذت بشأن العلاقة بين الإيمان واستخدام العقل البشري جزءاً من الإيمان نفسه؛ فهي تطورات تنسجم مع الإيمان نفسه.

وبهذا آتي على خاتمتي: إن هذا المسعى، الذي تم رسمه بخطوط عريضة عند انتقاد العقل الحديث من الداخل لا علاقة له بالعودة بالساعة إلى زمن ما قبل حركة التنوير ورفض تبصرات العصر الحديث. لابد من الاعتراف بالسمات الإيجابية في الحداثة من دون تحفظ، وجميعنا ممتنون للإمكانيات المذهلة التي فتحتها للبشرية، ولتطور الإنسانية الذي وهبته إلينا. يُضاف إلى ذلك أن العبقرية العلمية هي على غرار ما تحدثْتَ به عنها – يا فخامة رئيس الجامعة – الإرادة التي تكون ملتزمة بالحق، وهي بحد ذاتها تجسد موقفاً يعود إلى القرارات الأساسية للروح المسيحية. وليس القصد في هذا السياق الخندقة أو الانتقاد السلبي وتوسيع مفهومنا للعقل واستخدامه. وفي حين أننا مبتهجون بالإمكانيات الجديدة التي انفتحت على البشرية، نرى من ناحية أخرى المخاطر التي برزت من هذه الإمكانيات، وعلينا أن نسأل أنفسنا عن الطريقة التي نتمكن بها من التغلب على تلك المخاطر. وسيُكتب لنا النجاح في حال أقبل العقل والإيمان معاً في طريقٍ جديدة، وإذا تغلبنا على التقييد الذاتي المفروض على العقل تجاه ما يمكن إثباته بالتجربة، وإذا ما كشفنا للمرة الثانية آفاقه الواسعة. وبهذا المعنى، يكون اللاهوت منتمياً في الجامعة، وضمن الحوار الواسع المدى للعلوم، ليس فقط كمبدأ تاريخي وواحد من العلوم الإنسانية، بل – وبكل دقة – كلاهوتٍ، وكتحقيق في عقلانية الإيمان.
بهذه المنهجية فقط نصبح قادرين على إنفاذ ذلك الحوار الحقيقي بين الحضارات والأديان، الذي نحن بحاجة ماسة إليه في هذه الأيام. ففي العالم الغربي، هناك اقتناع على نطاق واسع أنه ما من صلاحيةٍ عالمياً إلا للعقل الإيجابي ولأشكال الفلسفة القائمة عليه.
ومع ذلك، ترى الثقافات الدينية، وبعمق، هذا الإقصاء للمقدس عن عالمية العقل هجوماً على قناعاتها الأكثر عمقاً. إن العقل الذي صُمَّ عن القداسة، والذي يُبعد الدين إلى عالم الثقافات الثانوية، سيكون عاجزاً عن الدخول في حوار الثقافات. وفي الوقت نفسه – وعلى نحو ما حاولت أن أبرهن – يحمل العقل العلمي الحديث بعنصره الأفلاطوني في دواخله سؤالاً يتجاوز نطاقه ونطاق كل إمكانيات منهجيته. إنه لمن الضروري للعقل العلمي الحديث أن يقبل، وبكل بساطة، التركيبة العقلانية للمادة والانسجام بين روحنا والتركيبات العقلانية السائدة للطبيعة كعطاء، الذي ينبغي أن تُبنى عليه منهجيته. ومع ذلك، إن السؤال: "لماذا ينبغي أن يكون الوضع على هذا النحو؟" هو تساؤلٌ آخر حقيقي، كما أنه سؤال يجب أن ترجع إليه العلوم الطبيعية إلى أنماط ومستويات أخرى من الفكر – أي إلى الفلسفة وعلم اللاهوت. فبالنسبة للفلسفة، وإن كان بطريقة مختلفة بالنسبة للاهوت، الإصغاء إلى التجارب المختلفة وإلى تبصرات التقاليد الدينية للبشرية، وبشكل خاص تلك التي تخص الإيمان المسيحي، هي مصدرٌ للمعرفة، وتجاهلها سيكون بمثابة تقييد غير مقبول لإصغائنا وردنا. وفي هذا السياق أتذكر شيئاً قاله سقراط لـِ(فاييدو) Phaedo، فقد أثيرت الكثير من الآراء الفلسفية الزائفة في نقاشاتهما المبكرة، فيقول سقراط: "من المرفوض تماماً أن يغضب الشخص كثيراً من كل هذه الأفكار الزائفة لدرجة أنه - على مدى ما بقي من حياته - يحتقر ويسخر من كل حديث عن الكينونة، لكنه بهذا الأسلوب سيُحرَم من حقيقة الوجود، وسوف يعاني من خسارة كبيرة". إن الغرب تعرض إلى خطر مديد بسبب كراهيته للأسئلة التي تشكل أساس عقلانيته، ولا يمكن أن تكون عاقبة ذلك سوى تكبده أضراراً جسيمة من جراء ذلك. إن الشجاعة في إعمال المجال الكامل للعقل ، وعدم إنكار عظمته، هو البرنامج الذي يدخل به اللاهوت القائم على الإيمان الإنجيلي إلى مناظرات زمننا هذا. قال مانويل الثاني: "كي لا تعمل على نحوٍ يخالف طبيعة الإله" يعني، وبما يوحي به العقل، إن عدم العمل بالعقل والكلمة ينسجم مع فهمه المسيحي للإله، في سياق رده على مُحاوِره الفارسي. وإننا لندعو شركاءنا في حوار الثقافات إلى شعار العقل والكلمة، وإلى هذه السعة في التفكير. وإن اكتشاف ذلك ثانية وباستمرار هو المهمة العظيمة التي على الجامعة أن تضطلع بها.

ملاحطة:

ينوي قداسة البابا أن يزودنا بنسخة لاحقة عن النص، كاملةٍ وفيها حواشٍ؛ ولذلك ينبغي اعتبار النص الحالي مؤقتاً.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

النص الحرفي لـ"الأسف" البابوي

النص الحرفي للكلمة، التي ألقاها البابا بنديكتوس السادس عشر قبيل صلاة التبشير في كاستيل غاندولفو بحسب ترجمة فرنسية نشرها الفاتيكان، والتي يتأسف فيها على تصريحاته بخصوص الإسلام:

ايها الاخوة والاخوات الأحباء،

إن الزيارة البابوية التي قمت بها الى بافاريا قبل أيام كانت تجربة روحية عميقة اختلطت فيها الذكريات الشخصية المرتبطة بأماكن أعرفها جيداً، بآفاق راعوية من أجل إعلان فاعل للانجيل في عصرنا.

أشكر الله على المواساة الداخلية التي منحني اياها للعيش، وفي الوقت نفسه أعرب عن امتناني ازاء كل الذين عملوا بنشاط لإنجاح زيارتي الراعوية. وكما جرت العادة سأتحدث مطولاً عن هذه الزيارة خلال اللقاء العام الاربعاء المقبل.

والآن أود فقط أن أضيف أنني حزين جداً لردود الفعل التي أثارتها فقرة صغيرة وردت في خطابي في جامعة راتيسبون اعتبرت مهينة لمشاعر المؤمنين المسلمين، فيما هي اقتباس عن نص يعود الى القرون الوسطى ولا تعكس بأي شكل من الأشكال تفكيري الشخصي. أمس أصدر الكاردينال سكرتير الدولة إعلاناً بهذا الشأن شرح فيه المعنى الحقيقي لأقوالي وآمل أن يساهم ذلك في تهدئة الخواطر وتوضيح المعنى الحقيقي لخطابي الذي كان يتضمن دعوة الى حوار صريح وصادق في أجواء من الاحترام المتبادل".

إضافة تعليق

14 + 5 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.