رمضان الجدار المنيع في وجه الأزمات

(من وحي كتاب حمى الاستهلاك – سحر المهايني )

يكثر الحديث عن مدرسة رمضان في تهذيب أخلاق المسلم وتدفق المسلمين نحو المساجد وكثرة الأذكار والاستيقاظ في ليالي السحر...

لكن العمق الهام لمعنى رمضان يتجلى في تسلم المسلم لزمام إدارة ذاته من جديد ، إنها مدرسة تعيد للإنسان كرامته .

فبعد أن تعوّد طيلة سنة عل الاستجابة لبرامج اعتيادية لنظام غذائي يتناسب وعمله ونشاطاته الاجتماعية ، يأتي رمضان رافعاً الراية ، شاهراً نظاماً مخالفاً لما اعتادت عليه النفس.

وتبرز في الإنسان ظاهرة الاستخلاف في تحكمه بقدراته الذاتية ، ثم بالأشياء من حوله وفق منهج إلهي.

ولكن الخاصة الرمضانية الاستراتيجية في هذا العصر برأيي هي اقتصادية ، فالراصد الحيادي للأمة الإسلامية وهي تمسك عن الطعام بدءاً بساعة الفجر الأولى حتى لحظة الغروب وأفرادها يمتنعون عن كل مالذ وطاب من أطعمة وأشربة أربع عشرة ساعة ، يرى العظمة في أمة وضع أفرادها الاستهلاك وراء ظهورهم ليتحكموا في اقتصاد السوق بدلاً من أن يتم العكس.

ولكن للأسف فإن ما يحدث اليوم هو إقبال المسلمين نحو التسوق بصورة مضاعفة عن الأشهر الأخرى ، وكأن الصائم يريد أن يبدي ردة فعل على حرمانه من الطعام والشراب فينهال على شراء اللحوم والخضراوات والحلويات و.........

وبهذا يضيع أهم هدف من أهداف رمضان الاقتصادية على مستوى الأمة.

إن الذي يمسك عن الطعام والشراب في فترة محددة لمدة شهر ملتزما مع الملايين الصائمين في العالم لهو أقدر على الإمساك بزمام الإنفاق وترشيده .

وإن الأمة التي يصل أفرادها إلى القدرة على تطويع النفس وفق نظام زمني مخالف لرغباتها هي أمة لاتهاب الأزمات الاقتصادية ولا الحصار الاقتصادي ذلك بما تملك من قدرات على إدارة الذات والتحكم بالمقدرات القومية وتوجيه دفة الاقتصاد بالوجهة الصحيحة وقدرة مواطنيها على التعايش مع الظروف الصعبة مما يجعلها أهلاً للخروج من أزماتها بصورة أقوى وأمنع .

إن حمى الاستهلاك ترهق أكبر دول العالم ، والعدوى تنتقل إلى بلادنا ، ليصبح الإنسان فريسة الأسواق والأشياء، يتحرك مع جنون منتجات المصانع وهذيان الإعلانات والدعايات.

فهل من صحوة نرى من خلالها الكرامة التي يمنحها رمضان للإنسان وهو ينشله من بين ركام الأشياء إلى عرش الخلافة ؟!

مازن شنار

إضافة تعليق

1 + 2 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.