ندوة نساء في تاريخ دمشق

نساء في تاريخ دمشق فقيهات ومفتيات وعالمات
ندوة
أقيمت في المركز الثقافي العربي بالمزة 5/9/2005


حنان لحام   سحر مهايني   هدايت سالم


حنان لحام

ألقيت في المركز الثقافي العربي بالمزة 5/9/2005

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ومن تبعه ووالاه.

(سيدات دمشق) عنوان فريد وجديد... فلم يحدث سابقاً فيما أعلم أن خصص للنساء ندوة تتحدث عن أعمالهن. ومن الطريف أن بعض الرجال قال لي لما سمع بعنوان الندوة: ((هذه ندوة نسائية ولا داعي لحضورنا نحن الرجال)!!

دهشت وتعجبت وكأنهم ينتظرون فرصة ليتنصلوا من الحضور.. وعلق أحدهم على قلة حضور الرجال للمحاضرات: بأنهم يعرفون كل شيء وليسوا بحاجة للحضور.

أقول: هل نستكثر على المرأة أن تخصص لها ندوة من بين آلاف الندوات التي حدثت؟!

أليست المرأة نصف المجتمع؟! وهي التي تربي نصفه الثاني؟

وهل نستكثر على سيدات دمشق شيئاً من الحفاوة وقد قدمن الخدمات الأهلية والخيرية فأنشأن المدارس والرياض ومراكز الرعاية للمعوقين.. وامنتحن المنديات الفكرية وكنَّ هنَّ القارئات والمدربات للجيل الناشئ على القراءة.

إنني أستبشر بحرص نسائنا على حضور الندوات الثقافية لأن ارتقاء الأمة مرهون بارتقاء الأمهات والزوجات. ولا تتغير ثقافة الأمة إلى الفعالية والإيجابية ما لم تتغير أجواء الأسرة الفكرية نحو الفعالية والإيجابية.

وكم سرني أن أعثر على كتاب للدكتور نزار أباظة في هذا الموضوع بعنوان: (معجم شهيرات النساء في سورية) جمع فيه أخبار كثيرات من نساء دمشق في الماضي والحاضر، وإن كانت بمثابة إشارات موجزة، أذكر منهن مثلاً: الحاجة الداعية منيرة قبيسي وما أثمره جهدها المخلص من آثار لا يكاد يخلو منها بلد عربي..

وأذكر منهن: السيدة رشيقة العمري التي فتحت بيتها وصدرها رحباً لندوات الفكر ولكل من يقصدها في استشارة تربوية أو نفسية علماً بأنها كانت من أوائل البنات اللواتي انتسبن إلى الجامعة عندما افتتحت كلية الآداب والعلوم عام 1946 فدرست الفلسفة وعلم النفس وقدمت أطروحتها عن الصحافة وعملت بها فكانت تكتب معظم الصحف وخاصة (ألف باء) وجريدة النصر... حدثتنا مرة عن بعض التحديات التي واجهتها... فقد حدث في عام 1948 وبعد أن هزم العرب مع إسرائيل... أن دخل والدها عليهم الدار مرة حزيناً واجماً... ولبث في صمته يوماً أو بعض يوم... ثم تحدث بالخبر... فلقد سمع إمام المسجد يخطب بهؤلاء البنات الفاسقات اللواتي تجرأن على دخول الجامعة.. وأنهن السر الكامن وراء هزيمتنا مع إسرائيل..!! فلقد سخط الله على الأمة بجريرة بناتها اللواتي هتكن ستار الحياء وخرجن على أعراف المجتمع!!.. هكذا كانت مفاهيم الأربعينيات من القرن الماضي.. وما كان لنا أن نتحرر منها لولا شجاعة هؤلاء الرائدات وصبرهن على اقتحام العقبة.

غير أني اليوم اخترت أن أتحدث عن سيدات رائدات لم يرد ذكرهن في هذا الكتاب وكان لهن من الأثر ما يجعلهن جديرات بأن يسجل لهن التاريخ كلمة شكر وعرفان، وأبدأ من:

ليلى سعيد: في الستينيات كانت ليلى وأختها سعدية قد بدأنا بالحديث مع بعض نساء دمشق بأفكار تحمل روحاً جديدة للأمة مستوحاة من أبحاث مالك بن نبي وجودت سعيد. كنت في العشرينات عندها.. قلبي يحمل إخلاصاً خامداً مستسلماً. أقلب النظر من حولي فلا أرى بصيص نور وسط عتمة الأفكار التي لفت الأجواء وحالت بيني وبين رؤية أي مخرج... كنت أعيش وحشة الغربة عن كل من حولي.. كل شيء لا يرضيني.. وحتى نفسي التي بين جنبي.. إنها لا تعرف إلا الغربة والرفض، ولا تتقن إلا البكاء على الأطلال... أطلال الحضارة الإسلامية وتلك العصور الزاهية التي أضاءتها شخصيات فذة مثالية لم أكن أعلم كيف تشكلت وكيف أصبحت بهذا الاقتدار على البناء والإشعاع.

كنت في ضيق نفسي كبير عندما تعرفت على ليلى سعيد عام 1965 فرأيت فيها شخصية رائدة راقية.. تعرف ما تريد وتعرف كيف تحقق ما تريد.. وبدأ التواصل بيننا بالرسائل.. وكان من أول ما كتبت لي: ((الإنسان قد تستغرقه اللحظة الحاضرة ويظن أنه قد يعيش سرمداً وقد أغلق عليه الباب، ولكن قدر الله دائماً يعمل ويبدل ويغير.. ودائماً يحدث ما لا يجول في حسبان البشر... لا أقول هذا لأسلي نفسي وأسليك فقط... كما أنني لا أقصد خوارق العادات... ولكن أقصد سنة الله في الحياة وأن النصر والفوز والنجاح للمؤمن أينما كان، وأن من ترك شيئاً لله عوضه خيراً منه، ومن أطاع الله سهل له أموره)).

أصدقكم القول: لم أفهم عندها معنى (سنة الله)... لكنني الآن أعرف مقدار كرم الله مع من أطاع سنته.. فقد تسارعت الأمور وأثمر تواصلنا بظهور أول ندوة نسائية فكرية متنقلة بين البيوت.. ولم تنقض بضع سنوات حتى فتحت المساجد أبوابها لتلك الندوة ولندوات أخرى انبثقت منها... كانت ليلى في تلك ا لفترة تبذل جهدها لتحصيل مزيد من العلم وتنشره على كل من تلتقي به وخاصة في الندوات النسائية. وكانت تلك المرحلة صعبة مليئة بالمحن التي تعجزت بعد هزيمة حرب الـ(67) وكانت ليلى تقف كالطود الشامخ راسخة القدم متيقنة من عظم المسؤولية وأهمية الرسالة التي كانت تؤديها، لقد كانت تؤسس لصناعة نساء النهضة في دمشق وتحريرهن من الاستكانة لمن يحاول ردهن إلى حياة الحريم الخاوية من أي معنى لكرامة الإنسان، كانت تردد على مسامعهن الآمال التي تعلمتها من أخيها جودت بإحياء مواقف المرأة المؤمنة من أمثال خديجة وسمية وأسماء وفاطمة بنت الخطاب التي رفضت أن تقر لأخيها بحق منعها من تعلم آيات الله ونشبثت بحقها في التعلم والتفكير والاختيار أمام جبروته.. فكان أن هدَّ تصميمها ذاك الهشيم الغث الذي كان يسيطر على فكر عمر.. وبهذا عرف فضل فاطمة واهتدى عمر.. ونساؤنا الآن يظهرن فضل فاطمة.. وكيف يهتدي بها عمر.. وحين غادرت ليلى دمشق للالتحاق بزوجها الذي كان يتابع دراسته في ألمانية... كانت - وخلال عقد من الزمان - قد ثبتت دعائم التيار الفكري النسائي في دمشق وخلفت وراءها عدداً من النساء الرائدات اللواتي تابعن طريق التعلم والتعليم الأهلي والتطوعي، هذا عدا عن دعمها لأخيها ومساعدته في نشر بعض كبته التي اهتمت بسنن تغيير النفس والمجتمع.

أما السيدة الثانية التي أردت أن أشير إلى بعض مآثرها حتى لا ينساها التاريخ فهي:

هالة ماتوق: التي كانت برعماً يتفتح في ندوات ليلى سعيد، وفي أول السبعينيات أصبحت زوجة للأستاذ جودت سعيد. تتلقى منه العلم وتدعمه وخلفت ليلى بعد سفرها في مساعدته بتسجيل أفكاره وإخراج المزيد من كتبه.. كانت معلمة للأطفال تزرع في نفوسهم العزة والخير وحب العلم وترفع عنهم أساليب العنف والإكراه.. وكانت لها ندوات إحداها مع الفتيات اللواتي تابعن طريق النمو والنضج بمساعدتها.. وأصبحن ناشرات للخير من بعدها.. كانت هالة مثالاً رائعاً للالتزام والهدوء والصبر والعطاء.. كانت الشمعة التي تذوب لتنير درب الآخرين، ابتليت بداء عضال كابدت منه الكثير ثم رحلت إلى جوار ربها في صيف عام 1994 ولم تتجاوز الخامسة والأربعين من عمرها، وتركت في قلوبنا لوعة مازالت تؤلمنا لولا الأمل بطيب اللقاء في مقعد صدق عند مليك مقتدر.

توقفت عن الكتابة وسرحت في عالم الذكريات... فقد أطل علي طيف طويل مهيب لسيدة تلعفت بالجمال والأناقة المحتشمة.. إنها الشخصية الثالثة التي تربطني بها ذكريات حميمة فلطالما رافقتها في درب النهضة واستمتعت بأدبها وحنان الأمومة فيها وحماسها الفعال لنشر الفكر.. ها أنا أمضت إلى القرص الليزري عن مجالس دمشق لمالك بن بني وإذ بي أفاجأ بصوتها الرقيق المليء بالعذوبة وهي تقدم المفكر الراحل مالك ليتحدث في بيتها إلى الحاجة منيرة وتلميذاتها المحترمات اللواتي لهن من الآثار ما لا يخفى... صوت من أعماق الماضي... منذ خمس وثلاثين عاماً تقريباً يعود إلينا لأخت حبيبة كانت قد جعلت من بيتها منتدى فكرياً منذ أواخر الستينات إلى أن اختارها الله إلى جواره في آخر عام 1988... إنها السيدة حكمت أياسو الملقبة بأم عاصم المرادي.

كانت رحمها الله شخصية مميزة جمعت بين الجمال والأناقة والأدب واللطف والتدين الواعي والتطلع الدائم للتعلم والارتقاء... وسع الله عليها فسخرت ما تملك من النعم والمواهب لنشر الخير... فتحت بيتها الجميل الأنيق ليجمع بين العلماء وطلاب الخير والحقيقة... وكانت تقيم احتفالاً سنوياً مميزاً بالمولد النبوي يحاضر فيه علماء البلد وتقدم فيه ا لكتب الفكرية كهدايا وعليها العبارة التي ابتكرتها هي (هدية الأفكار أغلى وأثمن من هدية الأشياء) وكانت تستغل كل المناسبات الممكنة لعقد الندوات وإلقاء المحاضرات... فلما حضر مالك بن بني إلى دمشق في زيارته الأخيرة 1971 كانت ممن استضافته في بيتها... عقدت له محاضرات عدة في بيتها معظمها للنساء... ولا أنسى جهودها الحثيثة لتحقيق التواصل بين التيارات الفكرية المتعددة... فلها أيادي بيضاء فيما ننعم به الآن من جسور الاحترام بين هذه التيارات المتنوعة المشارب.

أخيراً أقول: إن ما قصصته عليكم غيض من فيض... والمشهد الثقافي في دمشق زاخر بسيدات أعلام في الفكر أو أعمال التعليم أو البر... من أمثال الدكتورة فريال مهنا.. والسيدة هداية سالم والسيدة نبيلة كزبري.. والأخت رباب كزبري ومنتداها.. وسحر مهايني و..(1)

ختاماً: تحية لكن أخواتي الحاضرات والغائبات... فكلكن رائدات للنهضة بإذن الله، ولئن كنتن كالجندي المجهول.. فإن الله لا يضيع مثقال ذرة من خير والسلام عليكم.


للشهرة وجه آخر - رؤية نقدية

المحاضر: سحر مهايني العظم

ناشطة في العمل الطوعي الاجتماعي

ألقيت في المركز الثقافي العربي بالمزة 5/9/2005

بسم الله الرحمن الرحيم.

بين العلم والمعلومة، بين الالتزام والإلزام، بين اللمة والانتشار، وبين الدفء والبرودة ولد جيل من النساء هن اليوم في منتصف العمر، وما أنا إلا واحدة منهن، ممن ولدت وعاشت في الدفء، لا أقصد دفء التدفئة المركزية، بل الدفء المنبعث من لمة الأسرة بإشعاع الأم.

الأم التي كنا نهفو للعودة من المدرسة، إلى دفء حضنها، دفء حنانها، دفء طعامها، دفء وجودها وهي تحيطنا بدعواتها.

أمهات... لم تدوِّن صفحات الكتب أسماءهن، لم يحملن رفيع الدرجات العلمية، لم يعشن عصر المعلومات ويتبوأن المناصب ويتصدرن الخطابة في المؤتمرات، تخرجن بمرتبة شرف في صناعة الإنسان.

أمهات.. أتقنَّ فن التربية في إدراكهن معنى الالتزام، معنى أداء الواجب وتحمل المسؤولية كاملة في رعاية الأسرة والحفاظ على كينونتها وتماسكها.

السيدات الدمشقيات اللواتي لم يدخلن التاريخ في صفحاته، بل في نبض القلب، وعمق الذاكرة والوجدان، هن الأمهات اللواتي ورِثْنَ ووَرَّثْنَ القيم. القيم التي شكلت ملامح تطلعات، سلوكيات وأخلاقيات جيل هو اليوم في منتصف العمر، في مفترق الطريق سيكمل لكم حكاية الشهرة.

الحكاية من البداية، فتيات صغيرات وجدن أنفسهن - في الستينيات من القرن الماضي - ليهتفن بعد ترداد النشيد السوري في باحات المدارس: ((وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر)) ((فلسطين حرة أبية)). أتراهن حملن مورثات الإباء والعزة، التراحم والتلاحم مع أبناء الأمة عن أمهاتهن أم عن جداتهن؟

الجدات اللواتي التفت أجسادهن بالملاءة السوداء؛ تلك الملاءة التي لم تكن تخفي وراءها صورة للمرأة المقهورة، المكبوتة والمحرومة، بل كانت تخفي بين طياتها أقراص الخبز والسلاح إلى الثوار، إلى الأبناء والأزواج الذين كانوا يقارعون الفرنسي الغازي في (الغوطة) في (داريا) في (الشاغور) و(الميدان).

ورحل المستعمر وغاب ولم تغب عن ذاكرته الملاءة السوداء.. التي لفت أجساد سيدات دمشقيات دخلن التاريخ من أوسع أبوابه؛ باب الحرية، حرية النفس التي أبت كافَّة أشكال التبعية، الاستكانة والظلم.

وسرعان ما انتقلت جينات الحرية إلى تلك البراعم الصغيرة التي تفتحت في أجواء الدفء واللمة الأسرية على نقاشات سياسية وحوارات اجتماعية كانت تدار بين الكبار يتصدرن الصغيرات الحديث حولها في باحات المدارس الصغيرة التي ما عرفت يوماً عزلة التلميذ الغني عن الفقير.

تلميذات صغيرات، لم يتجاوزن بعدُ الثامنة من العمر، عرفْنَ معنى التعددية الفكرية في دفاع كل واحدة منهن عن وجهة نظر أهلها، مخالفة - أو موافقة - كل صغيرة منهن الأخرى.

وكبرت الصغيرات، كبرن في خضم تيارات عدة: التيار الاشتراكي، الوحدوي القومي، الماركسي، الديني والغربي التحرري، وبين مفهوم الحرية والتحرر كنا صبايا نختلف، نتصادم ولا نفترق، فقد ورثنا - على الرغم من اختلاف قناعاتنا وتباين مواقفنا - ما يبقي مودتنا ويحفظ روابطنا.

وافترقنا، لتكمل كل واحدة منا طريقها وقاسمٌ مشترك يجمعنا: ((العلم سلاح المرأة والعمل تشريف لها)).

وبين العلم والعولمة حكاية.. أصبحنا أمهات، جامعيات خريجات تخصصات عدة، نرنو إلى تحقيق الذات في ممارسة العمل الذي يحقق النفع قبل الربح، ويضمن المزيد من المشاركة الزوجية، الأسرية والاجتماعية فكان من ربات البيوت الطبيبة، المهندسة، المدرسة، المصرفية، الأستاذة الجامعية، الإعلامية، المحامية، الناشطة الاجتماعية والفنانة التشكيلية، و... نماذج إيجابية لسيدات دمشقيات، عازبات ومتزوجات، تألقن في مختلف مجالات الحياة، عرفن معنى اعتبار الذات في مفهوم النفع الذي يقف من وراء العمل سواءً أكان داخل البيت أم خارجه.

وبين اعتبار الذات واعتبار الذات حكاية...

عصر من الانفتاح، لم يكن انفتاحاً معرفياً أو تفتحاً علمياً على الغرب، بل تفتح الغرائز والشهوات وتضخم المطامع والتطلعات على أحدث ما أفرزه الغرب من بضائع مغريات وتقنيات وأشياء.. ومن وسائل متع وترفيه وتسلية.

وتتطايرت العقول مع تطاير الصحون الهوائية على السطوح... مأخوذة ببريق ثقافة استهلاكية وبائية اجتاحت كل الناس في كل مكان؛ أيّاً كان دخلهم، ثقافتهم، عقيدتهم، جنسهم، سنهم ومستواهم الاجتماعي.

ثقافة بث سمومها أسياد العالم: أرباب الاقتصاد العالمي والسوق الحرة والشركات الاحتكارية الضخمة، ثقافة تعدُكَ بالسعادة الوهمية، بالقوة، الجمال، المكانة والشهرة في المال وما يشتريه المال في أكوام البضائع والمنتجات التي باتت تلاحقك - بفضل الدعاية والإعلانات الترويجية - في كل مكان وعلى مدى 24 ساعة. وخدعت الدمشقيات - شأن الناس - بزيف الإعلام والإعلان الذي يروج لقيم السوق، فولجن في تقهقر إلى الوراء إلى عصر الإلزام، عصر الوصاية والانتداب الغربي، إلا أن الغرب في جولته الثانية، انتدب نفسه ليكون وصياً على المرأة الشرقية التي ما غابت عن ذاكرته يوماً، فعاد إليها بأسلوب أشد خبثاً وحذقاً، عاد بشعاراته الرنانة عن التحرر، المساواة، الجنوسة والأنثوية، يرسم خطواتها يحدد تطلعاتها بل يحدد مقاييسها، شكل أنفها وشفاهها، لون عينيها وشعرها فكان له النجاح.. نجح في دفع المرأة وأسرتها معها إلى مضمار سباق الاستهلاك للفوز بالمال والجمال؛ علامة النجاح والشهرة، بل معيار اعتبار الذات والآخر، واستبدل السؤال عما هو أنفع إلى ما هو أربح.

سيدات المجتمع المخملي في (دمشق) وغيرها، دخلن عالم الشهرة من أوسع أبوابه وكتبن أسماءهن (بالحرف العريض) وتصدرت صورهن في السهرات والحفلات والأعراس، صفحات المجلات الأكثر مبيعاً اليوم بوصفها رمزاً للتطلع نحو الأعلى.. نحو الأغنى. أم تراه التطلع نحو الأفقر؟! فقر النفس وخوائها من الثراء القيمي، والروحي، والمعرفي.

طبعاً التعميم مرفوض، وكما يقال: ((لو خَلِيَت خَرِبَتْ)) وبالضد تتميز الأشياء، فهنالك بالمقابل نساء، وإن كانوا نسبياً قلة، وقفن في زمن السرعة يلتقطن الأنفاس، ينظرن في نتائج السباق: جهد وإعياء، ضجر واكتئاب، اختلال وظيفي، تفكك أسري، اتساع الهوة بين الغني والفقير، معالم بارزة على الطريق استوقفت أصحاب النهى من النساء فكانت نقاط تحول ومنعطفاً للسؤال: من أنا؟ وماذا أريد أن أكون قبل أن أموت؟

تساؤل جعل نساء في مقتبل العمر، منتصف العمر، وأواخر العمر يحددن من جديد الوجهة والاتجاه، ويتطلعن لبناء حياة تحمل قيمة ومعنى.

إن الشهيرات من نساء الأمس، اليوم والغد، هن اللواتي يخلفن وراءهن أثراً يذكر، يذكر في دعوة من ولد صالح أنجبنه أو من يتيم صغير كفلنه، أو في علم نافع تركنه، أو في صدقة خلَّفْنها يجري نفعها على أناس كثرة، أزمنة عدة.

نساء... لم يعملن سعياً وراء المكانة والسمعة والشهرة، بل عملن بدافع من تقوى الله في أداء العلم الأتقن للإنسان والمجتمع الإنساني.

وأسوق على سبيل المثال - لا الحصر - نموذجاً من أرض الواقع عن واحدة من تلك النوعية المميزة [لن أذكر اسمها نزولاً عند رغبتها].

سيدة هي اليوم في السابعة والستين من العمر، راعها قبل خمسة وثلاثين عاماً مشهد طفل يرتجف جوعاً وبرداً، فقطعت على نفسها عهداً أن تكون ممن يخفف أنات المريض، يرعى ويكفل اليتيم الصغير، ويكرم الأرملة والشيخ الضعيف.

بدأت عملها منفردة وبذلت كل ما لديها من مال ووقت وجهد من أجل تحقيق إنسانية الإنسان، وسد أبسط مستلزمات حياته من طعام وكساء ومأوى ودواء. وسرعان ما لفتت بجديتها وتفانيها الأنظار، وانهالت أموال التبرعات من الصدقات والزكاة، وتحلقت النساء من حولها يبنين معها مؤسسة صغيرة، سرعان ما اتسعت واتسع نشاطها لتكون واحدة من تلك المؤسسات الخيرية التي تعمل على جسر الهوة بين الغني والفقير، وإعادة أواصر التلاحم والتراحم بين أبناء المجتمع الواحد.

[وبالمناسبة يندر أن تجد نساء بهذا القدر من التميز والعطاء إلا وإلى جانبهن رجال على قدر كبير من التميز والعطاء واحترام الذات].

ومن المفارقة أن نجد ناشطات في العمل الطوعي، لا أفضل استخدام كلمة العمل التطوعي لأن الخير بالمطلق لا يقوم بتطوع أو بفضل من صاحبه، بل يخرج طوعاً من أعماق النفس، وينسكب أثرهُ رضى وطمأنينة وسعادة في أرجاء النفس، فكيف بالنفس التي استشعرت رضى الله عز وجل؟

أعود لأقول: من المفارقة أن نجد ناشطات في العمل الطوعي الاجتماعي، الدعوي والتنموي والخيري، قد أهملن في زحمة انشغالهن أغلى ما في الوجود آباء وأمهات أزواجاً وفلذات أكباد، يمنون النفس بالتواصل معهن، بل بلمسة حنان أو كلمة طيبة منهن.

علينا أن نفعّل من جديد تلك القيم والأخلاق الإيمانية التي ميزتنا وميزت روابطنا الأسرية؛ من بر الوالدين إلى بر الأبناء وإكرام الزوجات وصلة الأرحام، قبل أن نورثها لأبنائنا، أبنائنا الذين حجبت عنهم الأكوام المتركمة من أشيائهم ومقتنياتهم رؤية من هم دونهم في المستوى الاجتماعي.

وتحضرني قصة طريفة، إلا أن الرسالة بين السطور تكشف عن واقع محزن. اصطحبت إحدى الناشطات في العمل الخيري سيدة ثرية كريمة أرادت لابنها في العاشرة من العمر أن يشارك في تقديم المساعدة لإحدى العائلات المستورة كي يشعر بمعاناة الفقير ويقدر النعمة التي يعيشها. وما إن وصل الثلاثة إلى شبه منزل في أحد الأحياء الفقيرة، تقطنه أم لصغار فقدت معيلها، حتى بادرت تلك الأم بفتح الثلاجة المهترئة الخالية تماماً لتؤكد حاجتها وحاجة صغارها إلى ما يسد رمقهم.

التفت الصغير حينها إلى أمه وقال:

- ماما.. إذا ما عندهم أكل ليش ما بيتصلوا بالمطعم؟!

ما أكثر ما تضحك في مواطن تستدعي الجد.

واقعة أخرى استوقفتني:

كنت وصديقتي نتحدث عن اختلاف تطلعات أبنائنا الكبار واهتماماتهم عمن يصغرهم من أشقائهم بعشر سنوات أو خمس عشرة سنة.

قالت صديقتي وهي تضحك: لا يمكنك أن تتخيلي ماذا قالت لي صغرى بناتي وهي في السادسة من العمر.

قالت: ماما... عندما أكبر وأتزوج سآخذ غرفة نومك الكبيرة.

فأجابت الأم: وأين أنام أنا وبابا؟

قالت الطفلة: (موهلق) بعدين، لما بكبر وبتزوج إيه... بتكونوا متوا...

لم أستطع أن أجاري صديقتي في الضحك. فقد فؤجئت بأنانية طفلة هي في عمر أشد ما تكون فيه التصاقاً والتحاماً بأبويها.

ولكن أبناءنا هم في الواقع، حصاد غرسنا، فهم يتشربون صغاراً، ومن دون وعي، القناعات ذاتها للمفاهيم والأنماط الفكرية ذاتها التي نحملها والتي تتجلى في نمط معيشتنا اليومية، في أسلوب تعاملنا مع الأشخاص وتناولنا للأشياء، وبدأت أتساءل: هل تضخمت تطلعات الطفلة المادية لدرجة باتت معها الغرفة (الشيء) أهم من صاحبته (الأم) لأنها تشربت وضع الاعتبار والقيمة للأشياء فوق الأشخاص؟ أم لأنها تشربت القناعة أن الأشياء - لا الأشخاص - مصدر السعادة والراحة؟

وهل نعزز نحن الآباء، النزعة الفردية، الأنانية، حب التملك، والاستئثار عند أبنائنا، عندما نلبي على الفور كافة طلباتهم ورغباتهم التي تتنامى طرداً مع تنامي الأشياء من حولهم؟

إن القيم المادية التي نعيشها قد أفرزت جيل (الأنا ومن بعدي الطوفان) جيل يتسم باللامبالاة وعدم الاكتراث.

فكيف نتوقع من صغارنا - مستقبلاً - أن يجيدوا - فضلاً عن أن يهتموا - الحديث حول المضامين الهامة والخطيرة إذا ما تمت تنشئتهم بالحلية.. المتاع والرفاهية والزينة.

والله تعالى يقول: {أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ} [الزخرف: 43/18] أي: هل يملك من تمت تربيته وتنشئته محاطاً بألوان الزينة والرفاهية أن يقدم الدليل المبين والحجة على ما يقول عند الاختلاف والخصام؟ إن أمثال هؤلاء ممن يعيش في تفاهات الأشياء يصعب أن يرقى حديثه ومنطقة فضلاً عن حجته.

آخر صورة للعرض

ما الذي يملك تأثيراً أكبر في تشكيل الروابط الأسرية والاجتماعية، هل الدين أم المجتمع نفسه؟.

هذا السؤال طرحه (مايثو) المبعوث للعالم العربي في وكالة الإعلام الأمريكية والذي التقيته في مكتب الشؤون الثقافية والإعلامية في واشنطن في أثناء جولتي في أمريكا عام 1996 ضمن مجموعة (الزائر العالمي)، حيث دعيت مع مجموعة ضمت سبعة رجال من دول عربية عدة للمشاركة في الحديث عن (دور الدين في أمريكا).

أذكر حماستي واندفاعي في الحديث عن تعاليم ديننا الحنيف وأثره في تشكيل روابطنا الأسرية والاجتماعية وتوطيدها.

وما إن بدأت أطلق العنان لصوتي مفاخرة ببر الوالدين، صلة الأرحام ودستور الإخاء في الإسلام، حتى قاطعني (مايثو) بنظرة تحمل الكثير من الاستخفاف لما أقول وأجابني ببرود:

((ولكنني عندما كنت في مصر وجدت أن الأبناء في زحمة المواصلات وبعد المسافات، يكتفون بالتواصل مع أهليهم عبر الهاتف، بل إن كثيراً منهم قال: إنه لا يجد المتسع من الوقت لزيارة أبويه إلا في نهاية الأسبوع، معنى هذا أن المجتمع نفسه في تغييره وتبدله المستمر، وبما فيه من تقنيات مستجدة ووسائل اتصال ومواصلات هو الذي يحكم شكل العلاقات والروابط الأسرية والاجتماعية فيه)).

صحيحٌ أن جواب (ماثيو) قد أعادني من التحليق في عالم المثاليات وصدمني بقوة في أرض الواقع، إلا أن الصدمة الحقيقية كانت في تلك النظرة الباردة التي تقول لك: كفاكم تبجحاً وزهواً بقيمكم وروابطكم الأسرية، فلم يعد حالكم أفضل منا..

اكتفيت بالصمت أمام نظرة (الانتصار الأمريكي) لأرد عليه بنظرة تقول: ((لا والله لن نصاب بمثلها، ولن نؤتى من قبل أسرنا، وفي نسائنا عين تطرف)).

آخر كلمة للعرض

((للشهرة وجه آخر)) فالشهرة اليوم هي من نصيب مطربات (الفيديو كليب) وسيدات عالم الموضة والجمال. ولكن الشهرة كما أراها في وجهها الحقيقي ستكون - كما كانت - من نصيب نساء لن يدخلن التاريخ في صفحاته بل سَيُعْدِن كتابة التاريخ في استصلاح ما فسد في أعماق النفس، واستكمال طريق بناء حضارة إنسانية أرسى أسسها سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم)، بوحي من الله عز وجل في عليائه...


وقفة مع نساء دمشقيات

هدايت سالم

ألقيت في المركز الثقافي العربي بالمزة 5/9/2005

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

في ظلِّ جوِّ الاغتراب الثقافي الذي نعيشُهُ، والهجمةِ المركَّزة على حاضرنا وماضينا ورسم خُطواتِ مستقبلنا، ومحاولةِ تعريتنا من فضائلنا لنشعُر أننا لقطاءُ، وُجدنا على قارعةِ التَّاريخ تائهين في صحرائِهِ، لا ماضي لنا ولا حاضرَ ولا مستقبلَ، يُوحَى إلينا أن لا مخرجَ لنا من تلكَ المتاهةِ الحضاريةِ إلا بتتبعِ وتنفيذِ ما يُلقى إلينا من فُتاتِ الأوامرِ والتوجيهاتِ دونَ مناقشةٍ أو تساؤل، في هذا الوقت الذي تقفُ فيه أجيالُنا الناشئةُ حائرةً. من تصدقُ! ولمن تُصغي وتستمعُ؟!

جاءت دعوةُ المركز الثقافي العربي ممثلاً بمديرتهِ الدكتورة مريم الدرع للحديثِ عن شهيرات مدينةِ دمشق؛ أعرقِ وأقدمِ مدينةٍ في التاريخ، لتُعيد شيئاً من الثقة إلى النفوس، والأملِ بأنَّ من صنع ذلك التاريخ المشرق لابدّ أن ينهض من كبوتِهِ ليُصلحَ حاضرَهُ، ويصنعَ مستقبله، فالإنسانُ صانعُ الماضي، وبسواعدِهِ وإرادتهِ يبني الحاضر والمستقبل.

في تناولي لسيرة شهيرات دمشقَ أحببتُ أن أذكرَ أسماءَ وسِيَر بعضٍ ممن تألقنَ ولمعتْ أسماؤهن في سماءِ تاريخنا الثقافي والاجتماعي. وعندما رُحت أبحثُ في المصادر الموثقة أدهشني حضورُ المرأةِ في كافةِ مجالاتِ الحياة العلمية... والأدبية.. والاجتماعيةِ... وحتى السياسيةِ من وراء ستارٍ عندما عُزلت المرأة عن مسرحِ الأحداثِ السياسيةِ واستأثرَ بها الرجالُ.

لقد حفظتْ لنا كتبُ التراجم والسيرِ كلَّ من نبغَ واشتهرَ في علمٍ من العلومِ، فسيرةُ العالمِ أو ناقلِ العلم لا تُنسى أو تُهمل، بل تظلُّ حيةً مع نوعِ علمه الذي اشتهرَ به رجلاً كان أم امرأةً، شرطُ الدخول في التاريخ لم يكن يتحددُ بنوعِ الفرد، لأنَّ البيئة الاجتماعية الحضارية آنذاك اعتنتْ بالإنسانِ في بُعدهِ الأخلاقيِّ والعلمي، وليس في بُعده النوعيّ.

توختْ كتبُ الطَّبقات التي دوّنت طبقاتِ كلِّ علمٍ من العلوم ذكر النِّساء كما ذكرتِ الرجالَ، ورُبَّما جاء ذكرهُنَّ مماثلاً للرجال أحياناً.

وكان نتيجةً للجُهدِ الذي بذلهُ هؤلاء المؤرخون، والدقة العلمية في التدوين أن وصلَ إلينا زخمٌ هائلٌ من التراجم والسيرِ للنساء والرجال، يمثل قاعدةً ملائمةً لإعادة تدوين تاريخِ المرأة؛ فقد ترجم ابنُ عساكر في تاريخه للشهيرات من الدِّمشقياتِ، أو من اللواتي وردْنَ دمشق أو اجتزن من نواحيها، فذكر من اشتهرت منهن بالفصاحةِ أو الفضلِ والعلمِ، ومن اشتهرن بالجمال والحسنِ، وأورد في مسردِ أسماءِ مشايخِه بضعاً وثمانين شيخةً ومعلمةً.

في رصدنا للخريطةِ الزمانيةِ التي ابتدأتْ منذ القرنِ الثاني الهجري حتى الثالثَ عشرَ منه، والخريطةِ المكانيةِ التي تبينُ أن شُهرة النساء وإقامتهن كانَتْ في الحواضر الإسلامية - الشام - مصر - العراق، وفي إعادة لنظْم العقدِ المنفرط لتاريخ المرأة الذي يُطلُّ من خلالِ كتبِ التراجم، يظهرُ لنا أنَّ تاريخها جزءٌ من نسيجِ التاريخِ العامِّ للأمةِ، وليس معزولاً عنها، فهي بنتُ عصرها وبيئتها.

وفي تتبعِنا لأخبار الدمشقيات وغيرهنَّ ممن اشتهرنَ في الحواضرِ الإسلامية نعجبُ من الحرية التي تمتعتْ بها المرأةُ في تلك القرونِ السالفةِ، فالأخبارُ المعروضةُ بأسانيدها تُرينا أنَّ المرأة خالطتِ الرجال، علَّمتهم وتعلمتْ منهم، وأبدت رأيها بجرأةٍ في قضايا عصرها، كان ذلك طبعاً في مجالسِ العلمِ ومنتديات الفكرِ والأدبِ، وليس في مقاهي الرصيفِ بين دُخانِ النارجيلةِ والسيكارة.

كان للنساء في بيوتاتِ العلمِ الدمشقيةِ دورٌ بارزٌ في سماع الحديث ثم روايتِهِ وتبليغِهِ، ولم يكن ذلك مقتصراً على بناتِ جنسها فقط، إذ إنَّ أكثر الآخذين كانوا من الرجال، فهذه زينبٌ بنتُ مكي التي كان الطلبةُ يزدحمونَ على بابها في سفحِ جبل قاسيونَ، ليسمعوا عنها الكتبِ والأجزاءَ التي ترويها.

وقد تتلمذَ العالمُ الشهيرُ الحافظُ الذهبيُّ على عددٍ من محدثاتِ دمشق، إذ أُحصي له من خلالِ معاجم شيوخِهِ أكثرُ من ستٍّ وتسعين محدّثةً دمشقية روى عنهن.

أعجبني في المصادر التي تحدثت عن بيوتات العلمِ الدمشقية، أنّها عند ذكر علماء كلِّ بيتٍ من الرجالِ، تذكرُ نساءَهُ العالماتِ أيضاً؛ أسماءهن وأسماء من تلقى العلم والحديثَ عنهن، وقد يُذكر البيتُ وتشتهرُ العائلة باسم المحدِّثة، كما ورد في ترجمة المحدِّثة كريمةَ بنتِ عبدِ الوهاب الزُّبيرية الدمشقية التي عرِّفت أسرتُها بها، فأبوها هو والدُ الشيخة كريمة الزبيرية، وأخوها عليُّ بن عبد الوهاب، يُعرَّفُ بأنه المحدثُ أخو الشيخة كريمة أم الفضل، كما أن أختها صفية أمَّ حمزةَ الأسدية الدمشقية هي أختُ الشيخة كريمة، وعندما تُعَدَّدُ مناقب عمِّها بأنهُ من أهلِ دمشق حافظٌ عالمٌ ثقةٌ، وهو عمُّ الشيخةِ كريمة، ومن صفات هذه العالمة المميزة أيضاً أنها تفردتْ بإجازات متعددةٍ من شيوخِ أصبهان والعراق ودمشق، كما تفردت بالرواية عنهم، فهي آخرُ من روى عن هؤلاء الشيوخ الحفاظِ.

يقولُ عنها الحافظُ المنذريُّ: حدَّثتْ بالكثير، وقيل إنَّها حدثتْ نيفاً وستينَ سنةً، لقيتُها في بيتِ لَهْيا ظاهرَ دمشق، وسمعتُ عنها، وقد أجازتْ لي خمسةً وتسعين وخَمس مئة حديثٍ.

حدَّث عن الشيخةِ كريمةَ الكثيرُ من الرجالِ والنساء، كما أثنى عليها العديدُ من كبارِ الحفاظِ الذين تتلمذوا عليها، منهم تلميذُها الحافظُ جمالُ الدينِ المعروفُ بابن الصابوني، قال: سمعتُ منها كثيراً، وأخذتُ عنها علماً غزيراً، وكانت من النساءِ الصالحاتِ، إذا قُرئ عليها الحديثُ وجاء ذكرُ الرسولِ الكريمِ رفعتْ صوتَها بالصلاةِ والسلامِ عليه، وسالتْ دموعُها شوقاً إليه.

يقولُ الحافظُ الذهبيُّ عنها: إنها روتْ الصحيحَ غير مرةٍ. ويذكرُها بأنها الشيخةُ الصالحةُ مُسنِدةُ الشامِ، كانت امرأةً جليلةً طويلة الروحِ على الطلبة، لا تملُّ من الرواية، توفيتْ رحمها الله سنة 641هجريةً ودُفنت بسفحِ جبلِ قاسيونَ.

ومن الشهيرات في دمشقَ أيضاً ستُّ الوزراءِ بنتُ عمر بن أسعدَ بنِ الْمَنجا الدِّمشقيةُ التي يُعرَّفُ أبوها على علمِهِ وفضلِهِ بها، فيقالُ عنهُ: هو والدُ المحدثةِ الكبيرةِ ستِّ الوزراءِ، التي وصفها ابنُ كثيرٍ في البدايةِ والنهايةِ بأنها راوية صحيحِ البخاري، وأنها كانت من الصالحات. نشأتْ ستُّ الوزراءِ في أسرةٍ اشتهرتْ بالعلمِ والحديثِ، اعتنى والدُها بها منذ الصِّغر، فأسمعها الحديثَ على كبار مشايخ عصرها، وتُعدُّ من أكثرِ عالماتِ القرنِ الثامنِ تحديثاً بصحيح البُخاري، حدَّثت به مراراً في دمشق، ثم استُقدمتْ إلى مصر، فحدثت به أيضاً وأخذَ عنها جمعٌ من محدثي مصر، طال عمرُها وما فَتَرتْ هِمتُها عن التحديث والتدريس، و صارت الرحلةُ إليها من سائر الأقطار للسَّماع عليها. كانتْ آخرَ من حدَّث بمسند الشَّافعي وصحيح البخاري سماعاً ومشافهةً بالإسناد العالي عن والدها وعن ابن الزَّبيدي، وبالرغم من أنها تزوجتْ عدةَ مراتٍ، وأنجبت ثلاثَ بناتٍ، إلا أن ذلك لم يَشْغَلْها عن تبليغ العلم لأهلِهِ، كانَ من أشهرِ الآخذين عنها الحافظُ الذهبيُّ وابنُهُ والحافظ العلائي وابنُ رافعٍ وغيرُهُم من الحُفاظِ والمحدثين، أثنى عليها كلُّ من أخذَ عنها وترجَم لها. وُصفَتْ بأنَّها مُسندةُ الوقتِ الحسيبةُ الفاضلةُ المعمرةُ الصالحةُ التي كانت رحلةَ زمانِها، ارتحلَتْ في طلب العلمِ وتبليغهِ ورُحل إليها من كافةِ الأقطارِ، عاشتْ حياةً مديدةً بلغتِ اثنين وتسعينَ عاماً، قضتْها في طلبِ الحديث، واستمرتْ في تبليغِهِ إلى أن فاجأها ملكُ الموت سنة 716 هجرية رحمها الله.

كذلك وردَ ذكرُ محمدِ بن أحمدَ بن الْمَنجا بأنَّهُ والدُ المحدثةِ الشهيرة فاطمةَ بنتِ محمدٍ أمِّ الحسنِ الدمشقيةَ مسنِدة الدنيا، وكانَ من أجلِّ تلامذَتِها الحافظُ بنُ حجرٍ، قرأَ عليها مئةً وأربعةً وأربعين من الكتبِ والأجزاءِ والأمالي الحديثية، وتعدُّ خاتمة المسندين بدمشق، توفيتْ سنة 803 هجرية رحمها الله.

ولابُدَّ لنا من المرور على ذكر حفيدةِ العزِّ بن عبد السَّلام سلطان العلماءِ التي اعتنتْ بها أسرتُها فأجلستها منذ صغر سنها في مجالس العلماء والمحدثين، وقد وردَ في ترجمتها ذكرُ عددٍ من شيوخها الذين أجازوها، ومن تلامذتها الذين أخذوا عنها، أشهرهم الحافظُ الذهبي الذي ذكرها في معجم شيوخه، فقال: انتفعتْ زينبُ بما تحملُه من العلمِ فعملتْ به وعلَّمته، كانت خيِّرةً ذات عبادةٍ وصلاحٍ مُحِبةً للرِّواية، حدثتْ حتى آخر يومٍ في حياتِها، إذ رُوي أنه قرئ عليها يوم موتِها عدةُ أجزاءٍ، أثنى عليها كلُّ من ترجم لها واصفين إياها بالصلاح والأمانة وعلو الإسنادِ تُوفيت عام 735هـ.

وكما اشتهرت الدمشقياتُ بروايةِ الحديث، فقد اشتهرن كذلك بالفقهِ؛ فقد روى ابنُ حجرٍ في مؤلَّفة (الدرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة) تراجمَ فقيهاتِ عصرِهِ، ومنهنَّ من أُخذَ العلمُ على أيديهنَّ، ومنحنَ الإجازاتِ، إذ انتشرتْ آنذاك في مصر والشام أسرٌ بعينها تتوارثُ أجيالُها العلمَ نساءً ورجالاً، كانتْ أسرةُ الباعوني الدمشقية مثلاً على ذلك، إذْ كان منها القضاةُ وكبارُ العلماءِ أشهرهم الفقيهة المفتية عائشةُ الباعونيةُ التي خلَّدتْ ذكر العائلةِ، وكانت أحدَ أفرادِ أهلها ونوادرِ زمانها، كانتْ إلى جانبِ فقهها أديبةً وشاعرةً، ارتحلتْ في طلبِ العلم ما بينَ دمشقَ وحلبَ والقاهرة، فنالت حظاً وافراً من العلومِ وأُجيزت للإفتاء والتدريس، وكانتْ تقومُ بوظيفة الإفتاء للرجالِ والنساء. حصلتْ على إجازةٍ بالجلوس للإفتاء، بعد أن تفقهتْ على المذاهب الأربعةِ وأفتت بها جميعاً، وَرَدَ في ترجمتها أنَّ السؤال كان يأتيها أحياناً في أبياتٍ من الشعر، فتجيبُ من فورها بأبياتٍ شعريةٍ على الوزنِ نفسه والقافية نفسها مقدمةً الفتوى بذكرِ آراءِ الفقهاءِ في المذاهبِ الأربعةِ.

كانت الباعونيةُ من الفقيهات ذواتِ المكانةِ العاليةِ التي أهَّلتهُنَ للاتصالِ بكبارِ رجالِ السُّلطةِ، فقدْ دخلتْ على السلطان الغوريِّ في حلبَ لقضاءِ مصلحةٍ لها عندَهُ، فالتقت عندَهُ بنفرٍ من علماءِ حلبَ، وقد مدحتْ السلطانَ بقصيدةٍ من شعرها، كذلك اشتغلت الباعونيةُ بالتأليف حتى اجتمعَ لديها طائفةٌ من الكتب والرسائلِ والقصائدِ. نالتْ الباعونيةُ شهرةً واسعةً في الفقهِ والتصوفِ والشِعر. توفيتْ رحمها اللهُ عامَ 922 هجرية.

لا يسعُنا أن نتجاوزَ سيرَ الفقيهاتِ دونَ أن نعرِّج على حفيدة الموفقِ ابن قدامة عائشة بنت المجد أمِّ محمدٍ المقدسية الصالحية التي أخذتِ الفقه عن جدِّها. تركتْ مخطوطةً بعنوان عشرة أحاديثٍ من عشرةٍ من المشايخ، أجازوا لعائشة بنت أبي المجد وهي في دار الكتبِ الظاهرية بدمشق. توفيت عام 677هـ.

هناك أيضاً زينبُ بنتُ عبد الحليم، ابنةُ شقيق ابن تيمية التي تتلمذَ عليهاابنُ العمادِ صاحبُ شذرات الذهب ومنحتْهُ إجازةً.

امتدَّ نشاطُ بعضِ الشهيرات بين دمشق ومصر، مثل أم زينب فاطمة بنت عباس التي قيل: إنه انتفعَ بها وبعلمها خلقٌ كثيرٌ، وكان لها وقعٌ وقبولٌ في النفوسِ، كما كان لها باعٌ طويلٌ في عملية الإصلاح الاجتماعي، إذ أنشأتْ رباطاً تُقيم فيه ومعها السيدات اللواتي طُلِّقنَ أو هُجرنَ حتى يتزوجْنَ أو يرجعنَ إلى أزواجِهن، فكانت تعمل على وعظهِنَّ وإرشادهن.

أما أبرزُ نماذجِ الشهيراتِ فهي امرأة وإن كانت بُخاريةَ الأصلِ وعاشت في حلب، لكنَّها كثيراً ما كانتْ تترددُ على دمشق.

إنها فاطمةُ بنتُ علاءٍ السَّمَرْقندي، كان لها قصةٌ طريفةٌ مليئةٌ بالتفاصيل، حتى ليجتمعُ فيها سيرُ جميع الفقيهات من بناتِ عصرها.

أخذت العلمَ عن جملةٍ من الفقهاءِ، على رأسهم والدُها علاءُ الدين السمرقنديُّ، فحفظتْ كتابهُ التحفةَ في الفِقهِ الحنفي، وكانت تُفتي فتُظهر الفتوى بخطِّها وخطِّ أبيها، ثم تزوجت الكاسانيَّ تلميذَ والدِها الذي شرحَ تُحفةَ شيخِهِ في كتابٍ أسماهُ البدائعَ، وكان ذلك مهرَها، فقيل: إنَّه شرحَ تُحفته، وتزوجَ ابنتهُ، فصارتِ الفتوى تخرجُ بعد الزواجِ بخطِّ الثلاثة.

ثم انتقلتْ بعدُ إلى حلبَ مع زوجِها الذي كان يحترمُ آراءَها الفقهيةَ ويُكرّمها؛ فتذكر الرواياتُ أنَّ زوجها رُبَّما كان يَهُمُّ في الفتيا، فتردُّهُ إلى الصوابِ، وتعرِّفُه الخطأ، فيرجعُ إلى قولها.

قامت بينها وبينَ ا لملكِ العادلِ الأيوبي علاقةٌ غير عاديةٍ، وغيرُ روتينيةٍ، مع أنه يقيمُ في دمشق، وهي تقيمُ في حلبَ، كانَ شافعياً وكانت حنفيةً، لكن ذلك لم يمنعْهُ من استشارتِها في أموره الداخلية وسؤالها في المسائلِ الفقهية وإنعامِهِ عليها، لما كاَ لها من مكانةٍ علميةٍ عاليةٍ بين علماءِ عصرها؛ فكانتْ تنصحُه في استشاراتهِ وتمنحُهُ الرأي فيها، وهو ما يُعدُّ من قبيل الفُتيا.

ومن خلالِ سيرةِ هذه الفقيهة مع الملكِ العادلِ نلاحظُ النشاطَ العلميَ والاجتماعيَ الذي كان مُتبادلاً بين أصحابِ السُلطةِ والعلماءِ؛ فقد نشأتْ صداقةٌ حميمةٌ بين أمةِ اللطيفِ بنت ناصحِ الحنبليةِ وهيَ من عالماتِ دمشق الشهيرات وبين خاتونَ ربيعة بنتِ نجمِ الدين أيوبٍ، كانت خاتونُ تُجلُّ أمةَ اللطيفِ وتضعُها في مكانةٍ عاليةٍ منعمةً عليها بالعطايا والأحوالِ، حتى إنها استجابت لرأيها فأنشأتِ المدرسةَ الصاحبةَ بقاسيونَ ووقَفتْها على العلماءِ الحنابلةِ، كانت شيخةً فاضلةً، تركتْ كثيراً من المؤلِّفاتِ، وأنشأتْ دارَ الحديثِ ووَقَفَتْ عليها وعلى غيرها كثيراً من الأوقافِ.

وكما اشتهرتْ الدمشقياتُ بالحديثِ والفقهِ، اشتهرنَ كذلك بالتصوفِ حينَ ساد التصوفُ الساحة الفكرية، فقد اشتهرتْ فاطمةُ النقشبنديةُ التي كانت تتقِنُ إلى جانب العربية وحفظِها للقرآن الكريمِ اللغاتِ الفارسية والكردية والتركية، وقد سارت في التوجهِ العامِ لعصرها نحو التصوفِ فكانتْ جزءاً من الطريقة النقشبندية.

من القصصِ الطريفةِ لإحدى المتصوفاتِ وهي فاطمةُ الدمشقيةُ التي دخلتْ على أبي الحسن المكيِّ وهو يحدِّثُ في جامعِ دمشقَ الكبيرِ فاستمعتْ إليه، ثم قالتْ: يا أبا الحسن تكلمتَ فأحسنتَ، فهل تُحسنُ أن تسكتَ؟ فسكتَ أبو الحسن، ولم يتكلم بعد ذلك.

وكما اشتهرتْ المحدثاتُ والفقيهاتُ بالجلوس للإفتاء والتحديث، اشتهرتْ الصوفياتُ ببناءِ المدارس والتكايا والمارستاناتِ.

هكذا نجد أن متصوفاتِ دمشق لم يكنَّ عابداتٍ ناسكاتٍ باكياتٍ فقط، ولم ينقطعن للعبادة دونَ العملِ كما فعلَ بعضُ المتصوفةِ من الرجال، بل كُنَّ على تصوفهنَّ شيخاتٍ وعالماتٍ، لهنَّ ذكرٌ وتاريخٌ ومجالُ علمٍ وطلابٌ، ولم تكن صفةُ المتصوفةِ لتعجب المحدثة أو الفقيهة أو الشاعرة، فقد جمعت المرأةُ الدمشقيةُ كأخواتها في حواضر العالمِ الإسلامي الأخرى كلَّ تلك الصفات.

كانت المرأةُ عموماً بنتَ عصرها، تمارسُ النشاطَ الذي يمارسُهُ الرجالُ، من علمٍ وفقهٍ وأدبٍ أو شعرٍ أو تصوفٍ، لم تنعزل المرأةُ عن ممارسةِ نشاطاتِ المجتمعِ العامةِ إلا في العصورِ المتأخرةِ، عندما بدأت الأمةُ الإسلاميةُ تنزلقُ رويداً رويداً إلى متاهات الجمود والتخلف.

أرجو أن أكون في كلمتي هذه قد ألقيتُ بصيصاً من الضوء على ماضي المرأة الدمشقية المُشرقِ، ليكون عَوناَ للحفيدات في البحثِ عن مكانٍ لنا بين الأمم ضيَّعناهُ، وعليهن يقعُ عبء استعادتِهِ.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

إضافة تعليق

5 + 8 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.