أمريكا بلد التناقضات

تصح أن تكون عبارة الكاتب الأمريكي «آرثر ميللر» والتي يقول فيها:«إن أهم ميزة للمجتمع الأمريكي ،إنه مجتمع بلاتاريخ.
إن مقياس الوجاهة فيه هو النجاح المادي، ولاقيمة للأصول والجذور»

تصح أن تكون عبارة الكاتب الأمريكي «آرثر ميللر» والتي يقول فيها:«إن أهم ميزة للمجتمع الأمريكي ،إنه مجتمع بلاتاريخ.
إن مقياس الوجاهة فيه هو النجاح المادي، ولاقيمة للأصول والجذور».

مدخلاً لقراءة كتاب «أمريكا بلد المتناقضات»للكاتب الدكتور مازن موفق هاشم الذي رأى المجتمع الأمريكي مجرد مجموعات بشرية تتحرك من خلال مؤسسات، وكلا التحرك الفردي والسلوك المؤسسي ينتظمان نمطاً حضارياً ونموذجاً كلياً يوجه الأفعال،ويكيّف السلوك ويطبع الأنماط والتشكيلات كما رأى أن السلوك البشري يحتفظ لنفسه بمساحة خيار وإبداع وتحرك، يخرج منها عن المعتاد والمتوقع، محللاً حركة المجتمع الأمريكي من خلال منظور تاريخي متتبعاً التطور المؤسسي والثقافي وكيفية تفاعل البعد البنيوي التنظيمي مع البعد الفكري لينبثق عنهما واقع جديد يحمل بصمات البعدين كليهما.
 استهل الفصل الأول بالحديث عن المفاصل الكبرى التي حددت شخصية الولايات المتحدة، وشملت هذه المفاصل محطات اجتماعية وسياسية واقتصادية، فيرى أن المستوطنات الأمريكية شكلت بلداً زراعياً بنى ثرواته الطائلة من كنوز أرض ذات كثافة سكانية منخفضة مستغلاً العمالة الافريقية ، وتميزت هذه الفترة بنزعة انعزالية تؤمن بالاختصاص الرباني لـ«أمريكا» انتظمت حياتها من خلال مستوطنات أوروبية شبه مستقلة، انضوت تحت دستور يحفظ مصالحها، ويرسخ قوتها في وجه التحديات الداخلية. ولكن التناقضات في تركيبة مصالح الأوروبيين نتجت في حرب أهلية انتهت بتثبيت كيان فدرالي ازداد قوة، وبدأ بكسر انعزاله والتوجه نحو الخارج فأسدل ستار القرن التاسع عشر على دولة نامية فنية وقوية يعُّج كيانها بتناقضات برزت فيها حركة اصلاح واسعة في عهد يطلق عليه «التقدمية» مع بداية القرن العشرين. وكان هذا القرن بداية التوغل الأمريكي خارج القارة الشمالية الذي انتهى بفرض وصاية عالمية شبه أمريكية ورثت السيطرة الأوروبية، وبدأت بتشكيل منظومة عالمية متمحورة حول أولوياتها مدت في عمر الحضارة الغربية.

وبلغت تناقضات النظام العنصري الأمريكي في النصف الثاني من القرن العشرين.

وانتهى نضال المستضعفين بإصلاحات دستورية واسعة ومفاهيم جديدة لحقوق الإنسان. ‏
ولقد أفضى رخاء مابعد الحروب العالمية إلى ضياع مجتمعي ومواجهة بين قيم المجتمع القديمة وبين الطروحات الليبرالية (حركة الستينيات) التي سادت قيمها، الأمر الذي أجج حركة المحافظة الدينية التي نعيشها اليوم. ‏
أما الفصل الثاني والذي حمل عنوان«بين الدين والعلمانية» فقد لجأ فيه المؤلف إلى تحليل المنظومة القيمية بعد أن كثر اللغط عن دور الدين في أمريكا، وعن الأصولية المسيحية، بكلام فيه أكثر من المماحكة وجزئية الصورة مبيناً دور الدين المسيحي والتبشيري وعلاقته بالخط العلماني الغالب، موضحاً أنه لايمكن فهم مايسمى «أمريكا» من غير فهم علاقة عنصرين مؤسسين في تاريخها:

واحد محافظ وآخر ليبرالي، حيث تبدو العلاقة بينهما علاقة جدلية أكثر من علاقة ذات خطين متوازيين لارابط بينهما. ‏
مشيراً الى أن مفهوم الدين المدني على أنه دين أمريكا الواقعي، ولم يغفل في دراسته المسيحية البروتستانتية ولكنه توسع في المسيحية الكاثوليكية وتطورها ، لأنه كما يرى مهيأة لأن تلعب دوراً ـ من المحتمل ـ أن يزداد في السنوات القادمة، كما أشار إلى تطور الديانة اليهودية وانقسامها إلى فرق ثلاث:

الإصلاحيون ويشكلون حوالي ثلث يهود أمريكا، والمحافظون النصف تقريبا،ً بينما يشكل الأرثوذكس التقليديون خمسهم على أقل تقدير، مختتماً بنقاش حول القيم الكبرى التي تمثلها الحياة الأمريكية بما فيها الحرية الفردانية، المساواة ـ التطابقية، الإنجاز ـ التنافسي، العملية البراغماتية، التقنية التغييرية، الاستهلاكية التجارية. ‏
وكان المقصود من مناقشته لهذه القيم التأكيد على فهم أمريكا كمجتمع لاكدولة ولاككيان سياسي محاولاً رصد النمط الثقافي، والتركيز على البعد الديني لأنه يغيب عن ملاحظة الكثيرين بسبب طغيان الصبغة الليبرالية الرأسمالية الديمقراطية على المنظومة العامة. ‏
أما الفصلان الثالث والرابع فيمثلان التعددية وتجربة الإثنيات المكونة للمجتمع الأمريكي فاستعرض المؤلف التطور التاريخي للمجموعات الإثنية الأربع المؤسسة لبنية هذا المجتمع، وهم سكان البلد الأصليون ممن عرفوا بالهنود الحمر ومجموعة الأفارقة ومجموعة اللاتينيين، وأخيراً مجموعة الآسيويين مناقشاً التعددية لأنه ـ حسب رأيه ـ إذا لم يتم إدراك تموضع الأقليات الإثنية في هذا المجتمع وتطور وجودها فإنه لايمكن فهم أي ظاهرة من ظواهر هذا المجتمع، وأيضاً يرى أن مستقبل هذا البلد مرهون بالتفاعلات الإثنية الداخلية. ‏
بينما نراه يناقش في الفصل الخامس تطور الوجود اليهودي الذي هو جزء من علّو الموجة العلمانية الليبرالية المادية الرأسمالية التي انسجم معها لاسيما اليهود التوفيقيون واللادينيون الذين هم أصلاً من بنائي هذه المنظومة وعلى رأس منظّريها، وإذا كان لليهود وجود فعّال في الحقول الثقافية والفكرية التي تصوغ طريقة تفكير الأمريكي ومشاعره فإن الوجود السياسي قد أتى متأخراً نسبياً وكفرع لمساهماتهم الفكرية الثقافية. ‏
وفي الفصل السادس يحلل الوجود العربي في الولايات المتحدة والذي بدأ مع اكتشاف القارة حيث اختار كولومبس عربياً من أهل الأندلس ليكون مترجماً له وكان ممن أُرغم على تغيير دينه بعد سقوط غرناطة، ولعله كان أول رجل من بلاد الثقافة المسلمة ممن وطأت رجلاه قارة أمريكا، وهناك شواهد تدل على أن مغامرين وتجاراً عرباً قدموا القارة الأمريكية منذ عام 1790 واستقروا في اقليم كورولاينا.

وإن هذا القدم في الوجود العربي نقطة هامة جداً إلا أنها غير ماثلة حتى في ضمير العرب الأمريكيين أنفسهم ناهيك عن ذهن المجتمع الأمريكي وذلك لأن الوجود القديم يعطي شرعية للوجود المعاصر، ولجأ الكاتب إلى تقسيم الهجرات العربية إلى ثلاث موجات لكل منها خصائصها وظروفها، موجة ماقبل الحرب العالمية الأولى وموجة بعيد الحرب العالمية إلى منتصف الستينيات وموجة مابعد الستينيات. ‏
ويشير المؤلف إلى آخر الإحصاءات التي تدل على أن متوسط الفرد العربي في الولايات المتحدة من حيث دخله ومستواه التعليمي أكبر دخلاً من متوسط الفرد الأمريكي كما تشكل الأسرة العمود الفقري لوجودهم وروابطهم الاقتصادية. وقد ظهرت بعض الشخصيات العربية التي تركت آثاراً مهمة في المجتمع الأمريكي، أشهرهم جبران خليل جبران، وادوارد سعيد ، ودانا شالالا، ورمزي كلارك، وجورج قاسم الذي كان أول عربي وصل الى الكونغرس الأمريكي في العام 1950.

إلا أن هذه الانجازات تبقى شخصية فردية، لذلك نرى المؤلف عمد الى المقارنة بين الوجود العربي واليهودي في الولايات المتحدة ذلك ان هجرات اليهود كانت أعلى كفاءة من هجرات العرب المبكرة وكان عندهم خبرة كافية بحياة المدينة بالاضافة الى ان المهاجرين اليهود كانوا أكثر غنى من المهاجرين العرب. وقد استطاع اليهود التأقلم مع الهجرة ويمكن اعتبارهم الأقلية الوحيدة المهاجرة التي لاتفكر بالعودة الى المكان الذي أتت منه، ويقوم هذا مقابل موقف العرب وكثير من الجاليات التي تحلم بالعودة، كما برع اليهود ببناء المؤسسات الخاصة بالجالية تقوم بتمويل وتأهيل القادمين الجدد وبالمقابل فإن المؤسسة العربية التي تُعنى بهذه الأمور لم تنشط حتى التسعينيات. والأمر الأكثر حيوية هو النشاط الاجتماعي لليهود الذي شكّل نواة فاعلة في حركة حقوق الإنسان بالاضافة الى مساهمات ثقافية وفنية أدبية.

ولايمكن الحديث أو الكتابة عن التاريخ الثقافي الأمريكي من غير الإشارة الى مساهمة الثقافة العبرانية. وبالمقابل فإنه عندما يتحرك العرب ضمن الأقنية الفلسفية الليبرالية فإنهم يساهمون في تفتيت الملاط الجامع لمجتمعاتهم، وهذا هو سر حالة التخبط الثقافي الذي تعيشه البلاد العربية.

أما الفرق الحاسم بين حال اليهود والعرب فهو الارتباط الاستراتيجي بين الولايات المتحدة واسرائيل ، وكما هو معروف فإن التعاون الوثيق على المستوى الاقتصادي والسياسي والبحثي بين الولايات المتحدة واسرائيل يفوق المساعدات المباشرة. ‏
أما الفصل السابع فإنه يحلل الوجود المسلم في القارة الأمريكية عن طريق منهج تحليلي لفهم وجود المسلمين من خلال التيارات العالمية التي يعتبرها جزءاً من تطور حال المسلمين وتشير بعض الدراسات أن هناك «مثلثاً حديدياً » بين ثلاثة فرقاء:

نخبة المصالح المالية الكبرى من الصناعة والتجارة والتمويل، ونخبة السياسة التي تضم المراكز الرسمية والمؤسسات الخلفية الداعمة لها ونخبة الإعلام وصناعة المواقف النفسية والفكرية. ‏
وتبقى الولايات المتحدة تجربة بشرية مازالت عالقة بين القديم والجديد وبين الموروث والمستحدث. ‏
ولقد تميزت هذه التجربة بإمكانية الاستقلال الكبير عن منشئها الشمال الأوروبي ولكنها شكلت بالوقت نفسه امتداداً حضارياً له. ولقد ساهمت في بناء هذا الكيان أقوام وتوجهات شتى تركت بصماتها على الحياة الأمريكية وساهمت في تشكيل شخصيتها الفريدة. ‏

عزيزة السبيني
كتاب : أمريكا بلد التناقضات ‏

المؤلف:د. مازن موفق هاشم

الناشر:دار الفكر، دمشق ـ 2007 ‏
نشر على موقع وزارة الثقافة

 

إضافة تعليق

14 + 1 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.