اليوم الأخير

اليوم هو الأخير من أيام  معرض الكتاب الدولي الخامس العشرين .. وقد غصت أجنحة دار الفكر بالزوار السوريين والعرب الذين اختاروا التواجد في دمشق في هذه الفترة بالذات لاغتنام فرصة اقتناء بعض الكتب القيّمة من المعرض.

وكان الاقبال على جناح كتب الأطفال اليوم شديد جدا، مع الإشارة الى ان الاقبال على ركن الأطفال كان ملفتا هذا العام شأنه شان العام الماضي.. أيضا ، سلسلة ( حوارات لقرن جديد ) كان لها جمهورها المتابع.. وكذلك كتب العلامة الدكتور وهبة الزحيلي .  ولعل أكثر ما  يميز "دار الفكر" خلال تاريخها المديد ( 51 عاما ) تلك العلاقة الحميمة التي تربطها بالقارئ .. فهو يبحث عن كتابها تحديداً وهي أيضاً تبذل كل جهدها لتأمين ذلك الكتاب بالشكل والمضمون الأفضل، الذي يُلبّي الحاجة ويحمل إجابات عن الأسئلة التي تراود هذا القارئ أو ذاك، وبالطبع فان الدار تفتح قلبها لجميع القراء سواء هنا في المعرض او مكتبتها وتنتظر زياراتهم وتتطلع إلى سماع آرائهم وتساؤلاتهم. و تأمل دائما ان تقدم المفيد من هذا الغذاء الروحي .. الكتاب.    

الباحث العراقي فاضل الربيعي  

استضافت دار الفكر اليوم الباحث والمفكر العراقي الأستاذ فاضل الربيعي مؤلف كتاب ( فلسطين المتخيلة .. أرض التوراة في اليمن القديم ) حيث قام بالتوقيع على كتابه الهام والجريء. وشكل وجوده فرصة ومناسبة للناس كي تثير حوارا حول هذا الكتاب الجدلي وما جاء فيه من أفكار جريئة ومثيرة ..    ويقدم الكتاب نظرية مفادها ان التوراة لم تأت في فلسطين وإنما في اليمن القديم.  وقد سبق للدكتور اللبناني كمال الصليبي، أن أصدر كتاباً قبل ما يزيد على عشر سنوات، حمل عنوان «التوراة ولدت في جزيرة العرب». ..الآن، يأتي فاضل الربيعي، معلناً تقديره لجهد الدكتور الصليبي، الذي أثار الموضوع وطرحه للنقاش. ومعلناً في الوقت نفسه، أن حجج الدكتور الصليبي لم تكن مقنعة كفاية، وهو هنا، وفي كتابه هذا «فلسطين المتخيلة»، يتابع هذا البحث التاريخي الشائك وتعميقه. معتمدا على ثلاث نقاط : أولاً: الشعر العربي القديم، باعتباره أهم قاموس جغرافي في العالمً. ثانياً: كتاب «صفة جزيرة العرب»، ومؤلفه الحسن بن أحمد بن يعقوب الهمداني. وهو كتاب حققه العلامة اليمني محمد بن علي الأكوع، ويقدم وصفاً تفصيلياً لكل المواقع الجغرافية الكبيرة والصغيرة في جزيرة العرب، والعشائر التي كانت تسكنها، ومواقع المياه والجبال والأودية القريبة منها.ثالثاً: التوراة نفسها، والوصف الذي تقدمه للمعارك التاريخية، وأسماء الأماكن والجبال والأودية التي جرت فيها تلك الأحداث. الباحث الربيعي، يغزل على مدى صفحات الكتاب البالغة 1200 صفحة ، نسيجاً تاريخياً وثقافياً محكماً، مستمداً من هذه المصادر الثلاثة، فهو يبدأ بالموقع التاريخي كما ورد ذكره في الشعر العربي القديم، وفي أرض اليمن بالذات، ثم يعرّج على كتاب الهمداني ليستخرج منه الوصف الجغرافي الذي قدّمه للمكان نفسه في اليمن وليس في فلسطين، ثم يصل إلى ذروة المقارنة، حين يستخرج وصف التوراة للحدث أو للموقع أو للمعركة التاريخية التي جرت، وما أوردته من وصف تفصيلي للمكان الذي جرت فيه. وتكون النتيجة أن المصادر الثلاثة تلتقي وتتفاعل وتؤكد أمراً واحداً، هو أن هذا الموقع هو في اليمن وليس في فلسطين، وأن تلك المعركة جرت في أرض اليمن وليس فوق أرض فلسطين. وبناءً على ذلك يقول إن ما فعله مؤرخو التوراة هو إنشاء «فلسطين متخيلة»، جرت فوقها أحداث التوراة، بينما جرت أحداث التوراة الحقيقية فوق أرض اليمن.وللباحث الربيعي كتاب اخر صادر عن دار الفكر ضمن سلسلة ( حوارات لقرن جديد)  حمل اسم ( الأسطورة والسياسة ) مع الباحث السوري الراحل تركي علي ربيعو. وتبين هذه الحوارية ان العنف في حركاتنا السياسية التي تدعي المعاصرة يدين للأساطير المضمرة، وهو عنف متجذر، كشف عنه سقوط بغداد، فتبين ان التاريخ العربي لا تصنعه العقائد والأفكار فحسب، وإنما الأساطير الشعبية أيضا.

مصاعب الكتاب وتسويقه

قبيل اختتام معرض هذا العام نشير الى قضية طرحها العديد من دور النشر وهي مسيرة الكتاب وتكاليفه وتسويقه؟  وفي هذا الشأن يقول الاستاذ محمد عدنان سالم رئيس اتحاد الناشرين السوريين : صناعة النشر في الوطن العربي، لا تزال في بواكيرها؛ لم تستكمل أدواتها بعد، ولم تترسخ تقاليدها، وتتجذر مؤسساتها. ولطالما استمعنا إلى الناشرين يشكون ما آلت إليه حال الكتاب من أزمات؛ اضطرتهم إلى تخفيض عدد النسخ التي يطبعونها من الكتاب حتى بلغت ما دون الألف بعد أن كانت تتجاوز ثلاثة الآلاف أواسط القرن الماضي. ويعزون ذلك إلى حالة العزوف القرائي، وقيود الرقابة المتباينة على الكتاب في الوطن العربي؛ ما إن يفتح له باب فيها حتى توصد دونه أبواب، ومن وطأة الرسوم الجمركية الآخذة بالتفاقم تحت مسميات شتى، بعد أن كان معفىً منها جميعاً. وكل ذلك صحيح، يحتاج منا إلى مزيد من البحث للكشف عن جذور المشكلات بدلاً من الوقوف عند ظواهرها.. تلك الجذور التي تتلخص – في نظري- في الانكفاء إلى الأحادية الفكرية بعد التعدد، سواءً على صعيد الكتاب المدرسي الذي اقتصر على المقررات بعد أن كان يهتم بالمراجع، أو الكتاب الثقافي الذي أصبح يمر عبر بوابة الرقيب الرسمي ويقبع في زنزانته بعد أن كان يتحرك طليقاً، يأخذ طريقه إلى المجتمع، لتتناوشه أقلام النقاد، وتختلف فيه آراء القراء بين مؤيد ومعارض، فتتم محاكمته علناً على الملأ، ويزداد شوق المجتمع للاطلاع عليه. غير أني- مع ذلك وانطلاقاً من أولوية البحث عن حلول المشكلات في الذات- أدعو الناشرين إلى العمل على الارتقاء بمهنتهم، عبر وضع القواعد الناظمة لها، وترسيخها لتصبح تقاليد متبعة، وحل مشكلاتها، وترميم نواقصها، وعلى رأسها شبكة توزيع منتظمة تريح الناشر من همِّ التوزيع ليتفرغ إلى مسؤولياته في النشر.  وقد خطا اتحاد الناشرين السوريين بعض الخطوات على هذا الطريق، فأطلق موقعه الإلكتروني www.syrianpublishers.com، وأصدر الوراقة السورية لعام 2008 يرصد من خلالهما الإنتاج الثقافي السوري ويعرِّف به، ويتواصل مع قرائه. والأمل أن يتابع خطواته لسد الثغرات وتذليل الصعوبات، بدلاً من الشكوى والأنين..   

لقطات من المعرض


إضافة تعليق

1 + 3 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.